الفصل الرابع

الفصل
الرابع

التسلسل
الزمني والترتيب اللاهوتي في الأناجيل

كتبت
الأناجيل لتحمل الشهادة للمسيح وفيها أبرز وجهه التاريخي على ضوء القيامة. وهكذا
رتب الإنجيليون مواد كتبهم بحيث تبرز معنى حياة يسوع وتعليمه ولو أدى هذا العمل
إلى التضحية بالترتيب الزمني.

وسواء
اتبعوا التسلسل الزمني أم ل، فإن المادة الإنجيلية وضعت ضمن حدود البشارة الرسولية
ناقلة بعمق أن الأحداث تتحرك في اتجاه واحد غاية في الأهمية. إن القديس لوقا كنت
إلى العزيز ثيوفيلوس “قصة في الأمور المتيقنة” ليعرف صحة الكلام الذي
تعلمه (لو1: 3-4). ويخبرنا بابياس، الأب الرسولي الذي عاش في أوائل القرن الثاني،
أن مرقس “كتب … بدقة ولكن بدون تسلسل زمني”. ويضيف “أنه سعى إلى
عدم حذف وتزييف شيء مما كان قد سمعه”.

لا
رواية عن يسوع بدون لاهوت

بالرغم
من الصعوبة في تعيين زمن حدوث بعض أعمال يسوع يبقى خاطئاً الافتراض أنه لا يوجد
تسلسل زمني في الأناجيل. وأصعب من ذلك إسناد أقواله إلى أوقات محددة بالضبط. غير
أن الأحداث الهامة في حياة يسوع تأخذ مكانها الصحيح في التسلسل الزمني.
فالمعمودية، مثلاً حصلت قبل التجربة، والتجلي تلا اعتراف بطرس وسبق الرحلة الأخيرة
إلى أورشليم. ويمكن التأكد من هذا التسلسل الزمني بتسلسل أوضح يبدو في سرد أحداث
الآلام، وهكذا يمكن القول أنه يوجد بشكل عام تسلسل زمني للأحداث الواردة في
الأناجيل وأن سرد حياة يسوع لا يخلو من النظرة التاريخية.

إن
مسألة التسلسل الزمني في البحث الإنجيلي ليست من المسائل الثانوية. فالنقاد يزعمون
بأن الأناجيل من صنع الجماعة المسيحية الأولى يشكون بإمكانية الترتيب الزمني لحياة
يسوع. وبالمقابل نرى أن الذين يعتبرون الأناجيل مذكرات لشهود عيان يبدون اهتماماً
أكبر بالترتيب الزمني في الأناجيل.. ويجدون أن معرفة ترتيب الأحداث هو أمر مهم
للوصول إلى فهم أفضل لحياة يسوع وعمله الخلاصي. فيعتقد دود مثلاً أن ترتيب مرقس
لإنجيله يتبع أساساً سياق الأحداث (1).

إن
الترتيب الزمني غالباً ما يحمل في طياته ترتيباً لاهوتياً. كذلك سرد قصة يسوع لا
يكون بدون لاهوت. حتى الخبر التاريخي لا بد له من أنم يحمل حقيقة لاهوتية. مثال
ذلك قصة معمودية يسوع التي حصلت قبل التجربة. كان يسوع أثناء معموديته محاطاً
بأناس من سلالة إبراهيم يهيئون أنفسهم لمجيء ماسي ومملكته. ولقد كشف معنى
المعمودية الصوت السماوي: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مر1: 11).
هذا الإعلان الإلهي الذي يجمع المزمور الماسياني (2: 7) إلى النشيد الأول لخادم
الرب المتألم (أشعيا42: 1) يكشف لنا هوية يسوع. إنه ماسيا ابن الله الذي كان على
وشك تحقيق الدور المعطى للخادم الحامل الأوجاع في أشعيا 53: 2 . لا يمكن فهم كل
المعنى اللاهوتي لحادثة التجربة إلا إذا ربطت بالمعمودية. والشيطان، في التجربة،
طلب من يسوع أن يكون غير الماسيا الذي أعلن في المعمودية، ذلك الماسيا الذي يختصر
الطريق إلى الفردوس بدون الآم. لكن يسوع تخطى التجربة ورفض أن يسلك طريقاً تبعده
عن الآلام وتفصله عن الشعب الذي، من أجل خلاصه، ظهر في معموديته. وفي التجربة أشار
يسوع إلى أن دور ابن الله المتألم المعلن عنه في المعمودية سيكون دوره هو (2).

لكن
الترتيب الزمني لا يمثل دائماً المرتبة الأولى في الأناجيل. فالأفضلية تعطي، عادة،
للترتيب حسب المواضيع. فنرى الإنجيليين يجمعون أقوالا نطق بها يسوع في مناسبات عدة
وربما في فترات زمنية متفاوتة ويجعلونها في مجموعة واحدة. مثال ذلك الموعظة على
الجبل والأمثال والعجائب. فمن الواضح أن عجيبة الشفاء التي تلي الموعظة على الجبل
والتي تفتتح مجموعة من العجائب في الإصحاحين الثامن والتاسع من إنجيل متى لم تحدث
آنذاك.

والمشكلة
ليست فيما إذا حدثت هذه الأعجوبة أم لا ولكن في التأكيد من المكان والزمان اللذين
حصلت فيهما (3). لقد استخدم الإنجيليون هذا النوع من الترتيب بحسب المواضيع بغية
إيصال أقوال يسوع وأفعاله إلى تلك الجماهير التي لم يكن تهتم لسياق الأحداث.

ولان
هاجس الإنجيليين كان دائماً إيضاح معنى بعض الأحداث وربط كل شيء بالظهور الإلهي في
المسيح يسوع وفي شرح معانيه وليس معرفة زمان ومكان الحدث، فقد عمد الإنجيليون في
بعض الأحيان إلى التضحية بالتسلسل الزمني. لقد كتب اوريجانس انه لا يجب إدانة بعض
الإنجيليين حتى ولو عدلوا بعض الأشياء. “كانوا يتكلمون عن شيء حصل في مكان ما
وكأنه حصل في مكان آخر وعن أمر حدق في زمن ما وكما لو أنه حدث في وقت آخر ويدخلون
بعض التغيرات في الكلمة التي نطق بها فعلاً. كان قصدهم قول الحقيقة بوجهيها المادي
والروحي، وفي حال استحالة ذلك كانوا يفضلون قول الوجه الروحي. والحق يقال بان الحقيقة
الروحية كانت تنتقل أحيانا بما يسمى الكذب المادي ” (4).

إن
حادثة طرد الباعة من الهيكل (متى 21: 12-13، مر 11: 15-19، لو 19: 45-48، يو 2:
13-25) وضعت حسب الترتيب الزمني في الأناجيل السينابتية وحسب الترتيب اللاهوتي في
الإنجيل الرابع. فيوحنا وضعها في بداية إنجيله بينما وضعتها الأناجيل السينابتية
في أواخر حياة يسوع الأرضية. الطريقتان لهما مغزى لاهوتي ولكن إنجيل يوحنا يعطي
المعنى الأكثر عمقاً. تورد الأناجيل الثلاثة الأولى هذه الحادثة قبل الصلب بقليل.
عندما أتم يسوع تعليمه في الهيكل بعد طرد الباعة أخذ الكهنة والكتبة يتشاورون كيف
يقتلونه (مر11: 18، لو 19: 47). قد يكون الإنجيليون الثلاثة مصيبين في ترتيبهم
الزمني هذا ولكن، في هذه الحال كيف يمكننا أن نفسر وضع يوحنا، الشاهد العيان، هذه
الحادثة في بداية إنجيله؟ لقد كتب يوحنا إنجيله، كسائر الإنجيليين، بعد القيامة وهكذا
نظر إلى حياة يسوع في ضوء القيامة. ولعله اختار حادثة طرد الباعة عملاً رمزياً
يشير إلى أن حياة يسوع هي في خطر منذ البداية وأن ظل الصليب كان مخيماً على كل
عمله الخلاصي. معنى آخر يبرز مع هذا الترتيب إذ في هذا العمل كشف يسوع عن هويته
وهذا ما قاده إلى الموت. إنه اتخذ لنفسه حقاً إلهي وأتى إلى بيته كرب للهيكل ولكن
خاصته رفضته (5).

موعد
العشاء الأخير

إن
معظم المحاولات لتأريخ بعض الأحداث المدونة في الإنجيل ليست ذات قيمة كبيرة لأنها
محاولات فردية تجري بطريقة عشوائية وعلى أسس غير واضحة. بالرغم من أن معنى أحداث حياة
يسوع لا يعتمد تحديد موعد حدوثه، فإن معنى العشاء الأخير يتأثر كثيراً بزمان حدوثه
ومكانه. خصوصاً وأن الأناجيل الأربعة ذكرت الحادثة إلا أن الأناجيل السينابتية
تختلف عن إنجيل يوحنا بتحديد يوم الفصح.

يتفق
الإنجيليون الأربعة على أن العشاء الأخير أقيم مساء الخميس وأن الصلب تم يوم
الجمعة، إلا أنهم لا يتفقون فيما إذا كان العشاء الأخير فصحياً أم لا. وفقاً
للأناجيل السينابتية، كان العشاء الأخير طعام الفصح وأقيم في يوم الفصح، الذي يبدأ
في التقويم اليهودي من الغروب وينتهي في غروب اليوم التالي. لذلك كان يؤكل العشاء الفصحي
بعد الغروب، مع العلم أن ذبح الخراف في الهيكل كان يحصل قبل يوم واحد. أما الإنجيل
الرابع فيؤكد أن العشاء الأخير وبالتالي تأسيس الأفخارستي، قد تم نهار الجمعة (أي
الخميس مساءً)، وأن الصلب قد حصل يوم الجمعة. ولكن هذا اليوم لم يكن يوم الفصح حسب
الواقع التقويمي اليهودي في 15 نيسان الذي هو يوم ذبح الخراف الفصحية. فالصلب، حسب
يوحن، حصل عشية الفصح لأن الذين أتوا بيسوع صباح الجمعة من عند قيافا إلى بيلاطس
“لم يدخلوا دار الولاية لكي لا يتنجسوا فيمتنعوا عن أكل الفصح” (يو18:
28). وكان هذا اليوم “يوم التهيئة” وكان يوم السبت الذي يليه
“يوماً عظيماً” (يو19: 14، 31). وهكذا فإن عيد الفصح في تلك السنة، حسب
شهادة يوحن، كان يوم السبت وليس يوم الجمعة.

لقد
قدمت حلول عديدة لتفسير هذا التعارض بين الأناجيل السينابتية وإنجيل يوحنا. يعتقد
بعض البحاثة أن مصطلحات يوحنا ذات دوافع لاهوتية لأنها تجمع بين صلب المسيح وذبح
الخراف لكي تظهر أن المسيح هو الحمل الفصحي الحقيقي “الرافع خطايا
العالم”. اقترح مؤخراً جوبير حلاً أخر لهذه المشكلة (6) إذ افترض تسلسلاً
زمنياً جديداً لأسبوع الآلام لا يكون فيه العشاء الأخير مساء يوم الخميس (يوم
الجمعة) بل مساء يوم الثلاثاء (يوم الأربعاء). أما يوم الصلب فيبقى يوم الجمعة.
يرتكز هذا التفسير الخاص على تقويميين يهوديين كانا يستخدمان في أيام يسوع. نعرف
من كتابات اليوبيلات (7) أن جماعة قمران كانت تستعمل تقويماً شمسياً تتألف فيه
السنة من 364 يوم وفيه تقام الأعياد الرئيسية في اليوم نفسه من الأسبوع.

فلربما
بقي هذا التقويم متداولاً من اليهود حتى السنة 152ق.م . إذ وصل المكابيون إلى
رئاسة الكهنوت وتبنوا التقويم القمري الذي كان سائداً في العالم الهليني، فإذا ما
أقيم الفصح حسب التقويم الشمسي لوقع سنوياً مساء الثلاثاء (يوم الأربعاء) وهذه
ليست هي الحال في التقويم القمري. ولقد أوضح جوبير نظرته بالقول بأن يسوع ربما
اتبع التقويم الشمسي المستعمل في قمران واحتفل بالفصح يوم الثلاثاء مساءً. هذا
الحال يخصص ثلاثة أيام لإلقاء القبض على يسوع ومحاكمته وصلبه وليس يوماً واحداً
كما ورد في الأناجيل.

لقد
وجد بعض العلماء هذا الحل مفيداً بيد أن البعض الآخر انتقده لأنه يخالف الرواية
الإنجيلية، ولا ينسجم مع سردها لأحداث الآلام. إن رؤساء الكهنة أرادوا اعتقال يسوع
مع تحاشي إثارة أتباعه. لذلك لجأوا إلى السرعة والفعالية. ولو دامت المحاكمة
بالفعل ثلاثة أيام لما استطاع اليهود تحاشي الاضطراب. وهنالك صعوبة أخرى تقف أمام
هذه النظرية. إذ كيف يمكن ليسوع أن يحتفل بالفصح حسب التقويم القمراني ما دام قد
احتفل بكل الأعياد حسب التقويم الأورشليمي؟ نعلم تماماً أنه زار أورشليم في العيد،
كما فعل كل السكان الذين لا ينتمون إلى جماعة قمران. ولا توجد أية إشارة تدل على
أن أحد اتهمه بإتباع تقويم جماعة قمران “الهرطوقي”.

ولو
اتبع يسوع التقويم القمراني لاستخدم أخصامه هذا ضده محاولين عزله عن الجماهير.
والجدير بالذكر أن يسوع كان في أورشليم في عيد تجديد الهيكل كما ورد في يوحنا (10:
22)، وفي هذا العيد كان يحتفل بذكرى إعادة تكريس الهيكل زمن الحروب المكابية السنة
165ق.م. بعد أن دنسه أنطيوخيوس ابيفانوس.ولم يكن يقام حسب التقويم الشمسي المتبع
آنذاك من الأسانيين لأنهم كانوا يرفضون ويمقتون كل ما من شأنه أن يذكرهم
بالمكابيين حتى إذا كان ذا صلة بتجديد الهيكل (8).

هناك
نظريات أخرى قدمت للتوفيق بين الأناجيل السينابتية وإنجيل يوحنا. فواحدة تقول بأن
اليهود الجليليين كانوا يأكلون الفصح قبل يهود أورشليم بيوم واحد. وأخرى تذكر أن
يهود أورشليم وكل فلسطين احتفلوا في تلك السنة بالفصح يوم السبت بينما احتفل به
يهود الشتات يوم الجمعة. فإذا صحت هذه النظرية يكون إنجيل يوحنا هو الذي يذكر
الموعد المحدد الصحيح فيما يحور إنجيل مرقس هذا الموعد لكي يلائم تقليد كنيسة روما
(9). كل هذه التفاسير قد تكون ممكنة ولكن لا يستطاع دعمها بحقائق لا يرقى إليها
الشك.

ينزع
علماء العهد الجديد اليوم إلى قبول الترتيب المتبع في إنجيل يوحنا لأسبوع الآلام،
بمعنى أن يسوع أقام العشاء الأخير يوم الخميس مساءً- ولم يكن ذلك اليوم يوم الفصح-
لكي يجعله بمثابة عشاء تذكاري (10). هذا الترتيب لا يدحض ما ورد في الأناجيل
السينابتية إنما يعطي تفسيراً مقبولاً لروايتهم التي تجعل من العشاء الأخير عشاء
الفصح. وأما بالنسبة ليسوع وتلاميذه فقد كان هذا العشاء طقساً فصحياً وفيه تأسس
طقس الأفخارستيا الجديد. ووصف العشاء الأخير في يوحنا 13 وكذلك معنى الأفخارستيا
في يوحنا 6 يشهدان لذلك. وكذلك فالمناخ العام في الإصحاح 13 يوحي بالفصح: فالذهاب
إلى أورشليم كان بعد الغروب (يو13: 30)، وكان الطاعمون متكئين (يو13: 23). كل هذه
الدلائل تشير إلى أن العشاء كان عشاء الفصح.

كانت
فيما مضى الأناجيل السينابتية، وعلى الأخص إنجيل مرقس، موضوع تقدير في الأوساط
العلمية من حيث دقتها التاريخية. وكلما تعارضت مع إنجيل يوحنا كان العلماء يقفون
إلى جانبها. والآن بدأت القيمة التاريخية لإنجيل يوحنا تبرز وتزداد وأصبح من
المسلّم به أن التقليد المتجسد في إنجيل يوحنا مستقل عن الأناجيل السينابتية إلا
أنه بنفس القدم والأصالة إذا لم يبزها في بعض أقسامه (11).

محاكمات
يسوع

المسألة
الأخيرة التي ينبغي إثارتها في موضوع التسلسل الزمني وتاريخية الأحداث هي فيما إذا
كانت المحاكمة أمام مجلس اليهود تاريخية أم لا. وهل سبقت المحاكمة السياسية التي
جرت أمام بيلاطس؟ بكلام آخر، هل نجد في الأناجيل سرداً ذا تسلسل تاريخي يمتد من
العشاء الأخير وحتى إعلان بيلاطس عن حكم الموت على يسوع؟ ولقد أبدت الأناجيل
اهتماماً عظيماً لتسلسل الأحداث في هذه الحقبة القصيرة من الزمن. فقد ألقي القبض
على يسوع ليلاً تحاشياً لإثارة الشغب بين الشعب. كما أن استعداد يهوذا لقيادة
الجنود إلى الجثمانية جعل من مساء الخميس الوقت الأكثر ملائمة لمجلس اليهود
ليقبضوا على يسوع، لأن اليهود كانوا منهمكين بتعييد الفصح. ثم أُخِذَ يسوع إلى
حنانيا رئيس الكهنة المعزول من الحاكم الروماني السابق لبيلاطس والذي كان تأثيره
على شؤون الشعب اليهودي لا يزال قائماً. حنانيا هذا سأل يسوع عن تعليمه وعن
تلاميذه (يو18: 12-14، 20-21) إلا أن المحاكمة الحقيقية ابتدأت حين اقتيد يسوع إلى
رئيس الكهنة قيافا. ووصلت المحاكمة إلى قمتها عند سؤال قيافا له: “أأنت
المسيح ابن الله الحي؟” (مر14: 61 وما يوازيها). فكان جواب يسوع بعد صمت مطبق:
“أنا هو وسترون ابن البشر جالساً عن يمين قدرة الله وآتياً على سحاب السماء
…” (مر14: 62 وما يوازيها). هذا الجواب كان كشف المسيح عن سر شخصه. وهذا ما
فهمه قيافا لذلك “مزق ثيابه وقال: ما حاجتنا إلى شهود؟ “. وبعمله هذا
أظهر قيافا أن يسوع وجد مذنباً بجرم التجديف. وإعلان يسوع نفسه ابن الله كان خطيئة
لا تغتفر، لذلك قال لأعضاء المجلس اليهودي: “قد سمعتم تجديفه، فما هو حكمكم؟
“. فكان الجواب: “إنه مستوجب الموت (مر14: 63، متى 26: 65”. عند
ذاك حكم عليه بالموت لأن “من جدف على اسم الرب يقتل، ترجمه كل الجماعة رجماً.
الغريب كالوطني عندما يجدف على الاسم يقتل” (لاويين 24: 16). لكن تنفيذ حكم
الإعدام لم يكن من صلاحيات المجلس اليهودي: “لا يجوز لنا أن نقتل أحداً”
(يو18: 31). هذا الشأن، أي محاكمة يسوع أمام مجلس اليهود، شكك فيه بعض البحاثة
واللاهوتيون المعاصرون وضربوا صفحاً عما ذكره يوحنا عن عدم استطاعة مجلس اليهود من
تنفيذ حكم الإعدام، بيد أن بعض علماء التاريخ المعاصرين يعتقدون العكس تماماً.

والسؤال
يصبح: إذا كان مجلس اليهود لا يملك هذا الحق فما هو هدف المحاكمة اللاهوتية
المدونة في الأناجيل؟ هل حصلت فعل، أم كانت، كما يدعي النقاد، من خلق الكنيسة
الأولى لأجل تبرئة الرومان من موت يسوع وإلقاء اللوم على السلطات الدينية
اليهودية؟

يحاول
بول ونتر، وفي كتابه “حول محاكمة يسوع”، البرهان على عدم اشتراك السلطات
اليهودية مباشرةً في محاكمة يسوع. وأن ما فعلته بهذا الصدد كان نتيجة الضغط
الروماني، وأن الكنيسة والإنجيليين شوهوا هذه الحقائق لاتهام أورشليم وإرضاء روما.
صحيح أنه يوجد في الأناجيل مظهر عدائي للكهنوت اليهودي، ولكن هذا العداء غالباً ما
يعكس الوضع التاريخي وتخوف الأوساط الحاكمة في أورشليم من يسوع ومقاومتها له. وبما
أن بول ونتر وهانس ليتزمان وغيرهما من العلماء يؤكدون حق السلطات اليهودية في
إنزال عقوبة الموت، فهم يشككون بالتالي بما ورد في الإنجيل بهذا الشأن ويتساءلون:
إذا كان مجلس ليهود قد حكم على يسوع بالموت، كما زعم النص الإنجيلي، فلماذا لم يقم
هو بتنفيذ ذلك الحكم؟

من
جهة أخرى ترى شروين وايت يدافع بقوة وبكثير من الإقناع عن المحاكمتين الواردتين في
الأناجيل. فيقول أن الدولة الرومانية كانت تعطي حق الحكم الذاتي الكامل للمدن
وللمقاطعات التي قدمت لها خدمات جمة، وكانت تعتبرها مقاطعات و”مدناً
حرة” (12). وبما أن أورشليم لم تحظ بدرجة “المدينة الحرة” فلم يعط
لليهود حق إنزال عقوبة الإعدام، بل ما كان يسمح به هو ممارسة معتقداتهم الدينية.
وأما حكم الإعدام، فكان يمكن أن ينزلوه فقط بالذي يدخل إلى الهيكل رومانياً أم
يهودياً. لذلك كان يوجد على باب الهيكل إعلان يقول: “لا يحق لأي أممي أن يدخل
رواق الهيكل. من يقبض عليه هناك يكون قد ارتكب خطيئة مستوجبة الموت”. وكان
هذا نتيجة اتفاق بين الرومان ومجلس اليهود، كما يقول يوسيفوس. ولم يكن للسلطة
الدينية اليهودية الحق في إنزال عقوبة الإعدام في الحالات الأخرى (13).

كتب
يوسيفوس أن يعقوب أخي الرب أعدم على نحو غير قانوني نتيجة فريق متطرف من مجلس
اليهود دون موافقة السلطات الرومانية. ولكن عدم وجود سلطة لمجلس اليهود على حياة
رعاياه لا يعني عدم تمكنه من إجراء المحاكمة دون التنفيذ. فالحاجة كانت ملحة لفصل
يسوع عن الجماهير. لذلك أجريت له محاكمة أمامه لإظهاره أمام الجماهير مجرم ومستوجباً
الموت وفق الشريعة. فالمحاكمة كانت ضرورية إذا ما أراد مجلس اليهود تغيير موقف
الشعب من يسوع.

وجه
الذين اقتادوا يسوع أمام بيلاطس اتهامات عديدة لم يكن بينها التجديف. لأنهم كانوا
عارفين بأن بيلاطس لن يتصرف بحزم تجاه خطأ لاهوتي صرف، لذلك أضافوا الاتهامات السياسية
التي ارتكز عليها قرار بيلاطس. فزعموا أنهم وجدوا يسوع “يثير الفتنة في
الشعب”، وأنه “يمنع أن تدفع الجزية لقيصر”، وأنه “يدعي بأنه
المسيح الملك” (لو23: 2-3). كل هذه الاتهامات تحمل معنى سياسياً ولكن الاتهام
الأخير كان الأشد خطورة مما أثار انتباه بيلاطس وجعله يسأل يسوع: “أأنت ملك
اليهود؟” (متى27: 11، مر15: 2، لو23: 3، يو18: 33). في جوابه كشف يسوع عن
طبيعة ملكه قائلاً أن مملكته ليست من هذا العالم، أي أنه ليس ملكاً بالمعنى الذي
يفهمه بيلاطس. وبالتالي فإنه ليس صاحب ثورة ومثيراً للشغب بل هو ملك أتى إلى
العالم “ليشهد للحق” (يو18: 37-38).

ولأول
مرة تقدم رؤساء اليهود “بالاتهام الديني” قبل أن يعلن بيلاطس الحكم
الرسمي: “لنا ناموس وبحسب الناموس يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله”
(يو19: 7). هذا الناموس نجده في اللاويين 24: 16. ومن ثم لجأوا إلى اتهام آخر ذي
طابع سياسي: “إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر. كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم
قيصر”(يو19: 12). يرى شروين وايت أنه لا يوجد في تلك الممارسات أي شيء يتعارض
مع ما نعرفه من العادات الرومانية في المحاكمات. كما أنه يجد وصف يوحنا للمحاكمة
مقنعاً وكذلك قبول بيلاطس الحكم تحت ضغط الشعب (14). إذن خضع يسوع لمحاكمتين،
واحدة لاهوتية وأخرى سياسية. ووجد في كلتيهما مذنباً (15).

ويميل
عدد من البحاثة المعاصرين أكثر فأكثر إلى اعتماد ترتيب الأحداث التي تلي العشاء
الأخير كما هي واردة في الأناجيل. ولكن بالإضافة إلى قصة الآلام، تمدنا الأناجيل المدونة
بدلائل قلة لتحديد موعد الأحداث في حياة يسوع. إن سرد الأحداث يسير إلى حد ما وفق
التسلسل الزمني. ولكن، كما رأينا سابق، نجد قسماً منها رتب وجمع حسب الأهداف
اللاهوتية. ولقد اتخذت بعض الأحداث المنفلتة من إطارها التاريخي أهمية فريدة في
ضمير الكنيسة. وجمعت الأحداث من التقليد الشفهي الواسع الانتشار إلى مواد تقليدية
أخرى. ولذلك علينا الآن النظر في كيفية قبول الكنيسة للأناجيل ودفاعها عنها.

————–

حواشي
الفصل الرابع

(1)
“مع أن محاولة الجدل استناداً إلى سياق الأحداث الموجودة في مرقس تنطوي على
مجازفة، توجد أسباب كافية للاعتقاد أن هذا السياق يمثل، من حيث الخطوط العريضة
تسلسلاً حقيقاً للأحداث، يمكن من خلاله معرفة سير الأحداث وتطورها” . راجع:

C.H. Dodd: << The
Framework of the Gospel Narrative>>
، in New Testament
Studies
، Manchester، Manchester
University Press
، 1953، p.11

لقد
انتقد كثير من العلماء هذه النظرة، لكن هذا النقد لم يغير رأي دود في بنية إنجيل
مرقس بطريقة أساسية. راجع:

C.H. Dodd: Historical
Tradition in the Fourth Gospel
،
Cambridge، Cambridge
University Press 1963
،
pp.233-234، fn.2.

يجب
الإشارة إلى أن الكرازة الأولى اتبعت أيضاً مخططاً زمنياً (أعمال 10: 37 …) فإذا
كانت أساس الأناجيل، فلا بد للأناجيل أن تتبع المخطط نفسه.

(2)
إن معمودية يسوع لا تشير إلى آلامه فحسب، بل إنها تلخص، في حدث واحد العمل الخلاصي
الذي قام به ابن الله الذي هو في الوقت ذاته، الخادم. لا يبرز كل ما تحقق في
المعمودية دفعة واحدة، بل تدريجي، أثناء حياة يسوع وموته وقيامته. فالروح الذي
استقر على ماسيا يشير إلى الدهر الآتي. كذلك السماء المفتوحة وحلول الروح وصوت
الآب والماسيا الحاضر “تشير إلى أن الأيام الأخيرة قد بزغت وأن الخلاص أصبح
قريباً”. ليست المعمودية بالتالي، قبول يسوع للموت فحسب، بل “فجر
الخليقة الجديدة ووعد الحياة والخلاص من الموت”. راجع:

G.R. Beasly-Murray:
Baptism in the New Testament
،
London، MacMillan، 1962،
p.61.

يشير
أيضاً خروج المسيح من الماء إلى صعوده إلى السماوات، لأن العبارة نفسها (
anabaino) “استخدمت سبع مرات للدلالة على صعوده (يوحنا 1: 51،3: 13،
6: 62، 20: 17، أعمال 2: 34، رومية 10: 6 أسس 4: 8-10)”. راجع:

G.W.H. Lampe: The Seal
of the Spirit: A Study in the Doctrine of Baptism and Confirmation
، in the New Testament
and The Fathers
، London، SPCK Press، 1951،
p.43.

(3)
“ولما نزل من الجبل تبعته جموع كثيرة. وإذا أبرص قد جاء وسجد له” طالباً
منه الشفاء، “فمد يسوع يده ولمسه قائلاً: أريد فاطهر”. وللوقت شفي
المريض. وتنتهي الرواية الإنجيلية لهذا الحدث بتحذير يسوع: “انظر أن لا تقول
لأحد” (متى 8: 1…) . هناك مشكلتان في هذا النص تشيران إلى الوضع الأصلي
الذي حصلت فيه هذه المعجزة لم يسجل. أول، كان البرص يعيشون في مستوطنات بعيدة عن
العالم، أما في هذه الرواية فالأبرص دنا من يسوع المحاط بجموع كثيرة. أما المشكلة
الثانية فهي أنه إذا كان الشفاء قد حصل على مرأى من الجمع، فمن غير المعقول أن
يقول يسوع له: “انظر أن لا تقول لأحد “. إذن هذه الرواية لا تنسجم مع
الإطار الخارجي الذي وضعت فيه. راجع:

Xavier Leon-Dufour: The
Gospels and the Jesus of History
،
London، W. Collins Sons، 1968،
pp. 163 f.

(4)
راجع:

Comm. In Ioann. X، 5 quoted by R.L.P. Milburn، Early Christian
Interpretation of History
،
London، Adam and Charles
Black
، 1954، p. 49.

(5)
“يجب فصل (حدث كهذا) عن إطاره الزمني، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لإعطاء
معناه اللاهوتي حقه”.

راجع:

E. Hoskyns: The Fourth
Gospel
، London،
Faber and Faber، 1947،
p.126.

يعتقد
هسكنس أن، فقط أتباع يسوع الذين رأوا مجده (يو 1: 14) وآمنوا به (يو 17: 20)
يستطيعون أن يتكلمو ويكتبوا بجرأة وثقة عنه (رجع المصدر نفسه أعلاه).

(6)
راجع:

A. Jaubert: The Date of
the Last Supper
، Staten Island، New-York، Alba House، 1965.

(7)
هذا الكتاب هو من الكتب الأبوكريفية اليهودية. لقد وجدت نسخ عديدة منه في مكتبة
قمران. وقد اعتبرته هذه الجماعة جزءاً من الكتاب المقدس. آلف هذا الكتاب في منتصف
القرن الثاني قبل الميلاد، وربما بعد إدخال التقويم القمري إلى الهيكل. وقد يكون
القرار بإدخال التقويم هذا سببا في انفصال الأسانيين عن أورشليم وكهنوتها. بما
يختص بجماعة قمران راجع الفصل السادس.

(8)
راجع:

Raymond E. Brown: New
Testament Essays
، Milwaukee، Bruce Publishing
Co
1965، pp. 166 f.

(9)
ترتبط النظرية الأولى باسم
Julian
Morgenstern
والثانية باسم M.H. Shepherd. راجع:

Sherman E. Johnson: The
Gospel According to St. Mark
،
New York، Harper and
Brother
، 1960 p. 227 f.

(10)
“لقد أراد أن يجعلها مائدة تحل محل فصح الخروج”.

راجع:

A.Feuillet: <<
Some Major Themes of the New Testament>>
، in A. Robert and
A. Feuillet
، eds
Introduction to the New Testament، New-York، Desclee Co1965،
pp.794 f.

(11)
أصبحت النظرية المرقسية اليوم موضع شك وتساؤل. هناك بعض النقاط التي يضيفها يوحنا
إلى الخطوط الكبرى لحياة يسوع الموجودة في الأناجيل السينابتية. فتلاميذ يسوع
كانوا من تلاميذ يوحنا المعمدان سابقاً (يوحنا 1: 35- 43). كما أن يسوع، وفقاً
ليوحن، لم يبدأ عمله في الجليل، إنما في أورشليم واليهودية. كذلك يبدو من خلال
إنجيل يوحنا أن عمل يسوع في اليهودية قبل موته وقيامته دام مدة أطول مما توحيه
الأناجيل السينابتية.

(12)
راجع:

A.N. Sherwin-White:
Roman Society and Roman Law in the New Testament
، Oxford، Clarendon Press، 1963،
p.36.

ونرى
هذه الحجة موسعة في مقالته:

<<
The Trial of Jesus>>، in D.E. Nineham
and others
، Historicity and Chronology in the New Testament، London، SPCK، 1965.

(13)
راجع: يوسيفوس: الحرب اليهودية، 6: 2، 4، وأيضاً:

Sherwin-White:
<<The Trial of Jesus>>
،
pp. 107، 109

يضيف
هذا الكاتب أن استفانوس الشهيد الأول قتل من غير محاكمة قانونية (صفحة 107 وما
يليها)

(14)
راجع:

Sherwin-White: Roman
Society and Roman Law
،
pp.46-47.

(15)
لقد خلقت قصة الآلام صعوبات للمسيحيين ولليهود معاً. فوجد النساخ المسيحيون الأول
صعوبة في قبول القول بان يسوع صلى من أجل المسؤولين عن موته، ولذلك حذفوا في بعض
الأحيان الكلمات التالية: “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا
يفعلون” (لوقا 23: 34).

ويواجه
المفسرون اليهود للعهد الجديد مشاكل من نوع آخر. فيميل بعضهم إلى تبرئة الزعماء
اليهود وفي سعيهم هذا يتجاهلون الشواهد الإنجيلية ويعتبرونها غير جديرة بالثقة.
وقد أدت هذه التحريفات من قبل الطرفين إلى جعل المشكلة أكثر صعوبة وإلى خلق جو من
سوء التفاهم والعداوة بينهما.


تم نسخ الرابط

مشاركة عبر التواصل الاجتماعي