تَفْسِير
سِفْرُ حَبَقُّوق

 

مقدمة في سفر حبقوق

1. أصل الكلمة "حبقوق"
غير
معروف، يرى البعض أنها تعني "المحتضن" أو "المعانق" بينما يربطها Friedrich وDelitxsch  بالكلمة
الأشوريّة "
حمبقوق"
وهو نبات حديقة[1].

2. واضح من مزموره الوارد في الأصحاح الثالث ومن توجيهاته لرئيس
المغنين (3: 19)، أنه كان من سبط لاوي كأحد المغنّيين في الهيكل، أي في فرقة
التسبيح، إن لم يكن صاحب دور قيادي بالفرقة[2].

تاريخ السفر
وواضعه
:

لا يحمل
السفر أي تاريخ، لكن من الواضح أنه كتب في أيّام الملك يهوياقيم بيهوذا (609 – 598)،
وإن كان من الصعب تحديد الزمن بدقّة.

ما ورد بالأصحاح
الأول (ع 5-6) يخص ما قبل انتصارات الكلدانيّين الأمر الذي جعل بعض النقّاد يرون
أن السفر قد سُجل قبل انتصارهم على نينوى عاصمة أشور وسقوطها تحت يدهم، فقد قام
الكلدانيّون بثورات ضدّ أشور تجلّت بسقوط نينوى عام 612 ق.م. الأمر الذي رفع من
دورهم في العالم في ذلك الحين، وصار لهم مركزًا قياديًا، تزايد بالأكثر بغلبتهم
على نخو ملك مصر في موقعة كركليش عام 605 ق.م. (2 أي 35: 20، إر 46: 2). ويعتقد
غالبيّة النقّاد أن النبوّة ترجع إلى زمن هذه المعركة.

واضح أن هذا
السفر كتب في عصر الكلدانيّين[3]،
أولاً لأن الهيكل كان لا يزال قائمًا (2: 20) والخدمة الموسيقيّة تُمارس فيه (3:
19)، ثانيًا لأنه يعلن أن الكلدانيّين يصبحون قوّة مرهبة بين الشعوب أثناء ذلك
الجيل (1: 5-6)، وأنهم قد بدءوا فعلاً في قتل الأمم (1: 6، 17).

يرى البعض
أن حبقوق النبي كان بعد ناحوم بفترة قصيرة[4]،
وأنه كان معاصرًا لإرميا، وإن كانت مدة خدمة الأخير النبويّة أكثر طولاً وفيّاضة[5].

الكلدانيّون[6]:

كان
الكلدانيّون يسكنون كلديا
Chaldea جنوب بابل، وهو الجنس الغالب في بابل منذ 721-539 ق.م، شغلوا
المناصب الرئيسية القيادية، كما مارسوا العمل الكهنوتي في العاصمة حتى أصبح اسم
"كلداني" يُرادف "كاهن بعل مردوخ" كما ذكر المؤرخ هيرودت[7].
كان الشعب يعتقدون فيهم كأصحاب حكمة وفهم، كسحرة ومنجمين يعرفون الغيب (دا 1: 4،
2: 2، 4).

سماته :

1. في
دراستنا لسفر يونان رأينا الوحي الإلهي قد أفرد السفر لإبراز اهتمام الله بمدينة
نينوى عاصمة أشور الوثنيّة، معلنًا محبته لكل البشريّة واشتياقه لخلاص العالم كله،
وفي دراستنا لسفر عوبديا لاحظنا كيف تركزت النبوّة ضدّ أدوم بكونه يمثل الإنسان
الدموي المحب للقتال والشخص الترابي محب الأرضيّات (أدوم تعني دموي أو أرضي)، أما
سفر حبقوق فيكشف عن الكلدانيّين الذين يسبون شعب الله ويذّلونه لأجل تأديبه. دخل
حبقوق في حوار مفتوح وصريح مع الله، يسأله عن سرّ سماحه لإذلال هذه الأمّة
الشرّيرة الوثنيّة لشعبه وعدم دفاعه عنه. إنه سؤال الأجيال كلها: لماذا يسمح الله
لأولاده بالضيقات بواسطة الأشرار؟ إذ كان النبي يسأل بقلب منفتح فالله يُجيب في
صراحة ووضوح.

2. يكشف لنا هذا السفر عن مفهوم "كلمة الله" إنها ليست
حديثًا منفردًا من الله نحو الإنسان، لكنّها حوار حب مشترك بين الله والإنسان،
كلمة الله هي مونولوج حيّ غير منقطع، فيه يتكلّم الله والإنسان يسمع، والإنسان يتكلّم
والله بالحب ينصت… كلمة الله هي علاقة الحب الحقيقي بين الله والإنسان…

3. هذا السفر بأصحاحاته الثلاثة يكشف عن سمات النبي أو خادم الرب،
وهي:

أ. القلب
المفتوح أمام الله، يتعامل معه على مستوى الحوار لا على مستوى الرسميات والشكليات،
وإنّما على مستوى الابن الذي يلتقي مع أبيه في دالة البنوة التي تسمو فوق الرسميات…

ب. القلب
المفتوح من نحو المخدومين، فإن كان حبقوق قد تألم بسبب الظلم الذي ساد بين شعب
الله، لكن حين سقط الشعب تحت التأديب بواسطة الكلدانيّين لم يحتمل

النبي أن
يرى شعبه يئن ويتوجع، وانطلق يتشفع في شعبه، أو بالحري في شعب الله.

ج. القلب
المملوء فرحًا وتسبيحًا (ص 3)، لو أن حبقوق ركّز كل نظره على الفساد الذي دبّ في
الشعب وعلى تأديبات الله لهم لسقط في اليأس خلال المنظور المؤلم، لكنّه وسط
الأوجاع كان يرى يد الله الخفيّة تعمل للخلاص، فقدّم تسبحة حمد لله تنعش نفسه
بالفرح، فلا تسمح لليأس أو القنوط أن يتسلّل إلى قلبه. الخادم محتاج إلى النظرة
المملوءة رجاءً وسط آلام الخدمة وأتعابها.

أظنها سمات ثلاث هامّة في حياة الخادم الحقيقي،
متكاملة ومتلازمة: الحديث مع الله بقلب مفتوح، وخدمة الناس بحب داخلي منفتح مهما
كانت تصرّفاتهم، والفرح الروحي الداخلي المشبع للنفس.

4. هذا السفر يمس حياة كل مؤمن، ففي الأصحاح الأول إذ يئن النبي بسبب الظلم
الذي يسود وسط الشعب إنّما يُشير إلى الفساد الداخلي للنفس، والأصحاح الثاني إذ
يئن بسبب متاعب الأمّة الكلدانيّة الغريبة يُشير إلى الحروب الروحيّة الخارجيّة،
والأصحاح الثالث حيث مزمور الفرح والتسبيح… كان السفر ينطلق بالمؤمن إلى ما فوق
المتاعب الداخليّة والحروب الروحيّة الخارجيّة لتحيا بروح الفرح والتسبيح لله.
حقًا إنه يئن ويتوجّع بسبب الضيق الداخلي أو الخارجي لكنّه مع الضيق توجد تعزيات
الروح القدس المبهجة للنفس.

5. عرض لنا
هذا السفر مشكلة الشرّ وانتهت بنصرة العدل. فالأشرار يعبرون أما الأبرار فيحيون إن
كانوا مؤمنين (2: 4). وقد استخدم الرسول بولس "قلب سفر حبقوق" هذا في
تعليمه عن الإيمان (رو 1: 17، غلا 3: 11، عب 10: 38)[8].

6. خلال هذا السفر نتلمس شخصية حبقوق النبي كشخص عميق في تفكيره،
له خبرته الأدبية المعتبرة، كما يقدّمه لنا "كمصارع مع الله" كقول
القدّيس جيروم[9].

وحدة السفر :

هاجم بعض
النقّاد وحدة السفر متطلّعين إلى السفر كأجزاء منفصلة، كل جزء كتب في وقت يختلف عن
الجزء الآخر، أو عصر مختلف، وقد لخص رأي هؤلاء النقّاد والرد عليهم[10]:

1. لما كان
ما جاء في (حب 1: 5-6) ينطبق على تاريخ سابق لقيام الكلدانيّين، بينما ما ورد في (1:
13-16، 2: 8 ( أ )، 10، 17) يتحدّث عن انتصاراتهم كأحداث ماضية لذا فإن
 Wellhausen, Gieseberecht رأيا أن (حب 1: 5-11) يمثل نبوّة مستقلّة أقدّم من
بقيّة الأصحاح الأول والأصحاح الثاني.

ويعتقد أن Kuenen, Stade أن ما جاء في (حب 2: 9-10) لا ينطبق على الكلدانيّين وأن كاتب هذا
الجزء جاء في عصر متأخر.

ويردRaven  بأنه يُفترض أن كاتب السفر كله واحد، الحامل السفر اسمه ما لِم
يوجد دليل قوي على عكس ذلك. وهنا لا نجد مثل ذلك الدليل. فليس المطلوب هو البرهان
على أصالة كل جزء من السفر، إنّما على المعترض أن يُقدّم براهينه.

هذا ومن ناحيّة أخرى
فإننا لا نعرف بطريقة إيجابيّة زمن حبقوق النبي بدقّة، وليس لدينا تفاصيل عن
الأحداث التاريخية لأيّامه، لهذا فإن مجرد افتراض بأن بعض أجزاء السفر لا تعكس
الظروف المحيطة بالنبي افتراض هزيل.

2. تطلّع
بعض النقّاد إلى أن ما ورد في الأصحاح الثالث أنه مقتبس من تجميع ليتورجي، وليس من
عمل حبقوق النبي، ودليلهم على ذلك أن ما ورد لا يُناسب الظروف المحيطة به. ويرد
Raven على ذلك بأن الأصحاح
حمل عنوانًا "صلاة حبقوق" فما ورد ليس إلا صلاة ولا يلتزم أن تعكس
الأحداث المعاصرة كبقيّة السفر.

ومع هذا ففي حديثنا عن سمات السفر رأينا السفر
يمثل وحدة واحدة متكاملة في الفكر الروحي الإيماني.

أقسامه :

1. سؤال حول
تأديب الله شعبه             
[ص 1].

2. سؤال حول
معاقبة الكلدانيّين            
[ص 2].

3. مزمور
حمد لله                           
[ص 3].

 

المحتويات

مقدمة

الأصحاح
الأول

سؤال حول
تأديب الله شعبه

الأصحاح
الثاني

معاقبة
الكلدانيين

الأصحاح
الثالث

مزمور حمد
لله



[1] J. H. Raven: Old
Testament Introduction, P 234.

[2] New Westminister Dict.
of the Bible, P 396.

[3] Ibid.

[4] Jerome Biblical Comm.,
P 296.

[5] J. H. Raven, P 235.

[6] New Westminister
Dict., P 155.

[7] Herod 1: 181, 183.

[8]Jerome Biblical Comm.,
P 296.

[9] Ibid.

مشاركة عبر التواصل الاجتماعي