الإصحَاحُ السَّادِسُ

 

شهادة القديس استفانوس
واستشهاده

 

الإنهاء
على التآخي المصطنع بين الكنيسة والهيكل (ص 15).

وبدء عاصفة
اضطهاد تؤدي إلى امتداد الكنيسة خارج أورشليم ووصولها إلى أنطاكية (ص 812).

 

مقدِّمة

نلمح علاقة ثابتة بين
الاضطهاد وبين ازدهار الكنيسة وامتدادها بعكس المنظور الفكري. فبمجرد أن انتبه
السنهدريم للكنيسة وبدأ في مقاومتها، وبدأ بالتهديد، خرج التلاميذ حاملين في
قلوبهم نية رفع القضية إلى الله بصلاة حارة زعزعت المكان، وأرسل الله لهم قوة
مجدِّدة من الروح عبروا بها التهديد، فجاهروا أكثر ومن داخل الهيكل بالبشارة
بالقيامة والإصرار في التعليم داخل هيكل سليمان.

وبعد أن قُبِضَ عليهم،
جُلدوا هذه المرة. فخرجوا فرحين وباشروا نشاطهم بالأكثر، ونمت الكنيسة بصورة
مُلفتة للنظر. وهكذا صارت متوالية روحية ثابتة، كرازة فاضطهاد فملء من الروح القدس
ومزيد من النشاط والمعجزات فاضطهاد وهكذا.

وهذا النموذج المتكرر
يوضِّح أن الكنيسة تسير بتدبير إلهي يقظ وتستجيب لموحيات النعمة ولا تبالي
بالصعوبات والضيقات.

كذلك في الأصحاحين
القادمين نرى ارتفاعاً حادًّا في
الاضطهاد، ولكن يواكبه
ارتفاع أشدّ في انتشار الكنيسة ونموِّها وخروجها من قوقعة أورشليم لتملأ النواحي
المحيطة، وسنرى كيف أنه من الواضح أن عوامل الاضطهاد بعد أن تبلغ أعنف نارها تعود
وتخبو ويخرج من رمادها عوامل النشاط والانتشار بصورة إعجازية ملفتة للنظر. فعندما
دخلت الكنيسة بقيادة الشماس استفانوس أقوى مواقف التحدِّي ضد المضطهدين وسقط هذا
الكارز المكرَّم والفذّ شهيداً تحت أرجلهم، خرج من المضطهدين أنفسهم أقوى مَنْ
فيهم لينضم إلى الكنيسة بصورة تَحدٍّ للسنهدريم واليهود كافة لم يروا له مثيلاً
قط. وبقدر ما ضُربت الكنيسة في أقوى شمامستها وبدا أن حصارها قد أُحكم إغلاقه،
بقدر ما انكسر طوقها الحديدي وخرجت تبشِّر في كافة المناطق المحيطة، اليهودية
والسامرة، وبعدها خرجت من دائرة البلاد لتبلغ قبرص وأنطاكية. وعِوَضَ الشماس الذي
فقدته الكنيسة استعاضت عنه برسول، وأي رسول؟ رسول اختارته السماء فانفتح للكنيسة
باب في السماء ترى منه الرب نفسه بوجهه الأكثر إشراقاً من الشمس، وتسمع صوته
وكلمات من شفتيه وتأخذ تدبيرها رأساً منه، ويعيِّن هو لها حركتها من شفتيه.

من كل هذا نفهم قوة
وعمق التعبير الذي اكتشفه بولس الرسول في نفسه وفي رسل الكنيسة كلها بل والمؤمنين:
» لا يتزعزع أحد في هذه الضيقات فإنكم أنتم تعلمون أننا
موضوعون لهذا
«(1تس 3:3) ليس فقط
أن الضيقات تناسبنا، بل وأيضاً نحن نناسبها، ولا هي موضوعة لنا نحن فقط للفائدة،
بل ونحن موضوعون لها لمزيد من الفائدة.

فالعلاقة بين الاضطهاد
والخلاص علاقة حتمية حتَّم بها المسيح أولاً في نفسه، وبعدها لنا بسرّ يفوق طاقة
قدراتنا التمييزية:

+ » إنه بضيقات
كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله.
«(أع 22:14)

+ » في العالم
سيكون لكم ضيق.
«(يو 33:16)

+ » إن كانوا قد
اضطهدوني فسيضطهدونكم.
«(يو 20:15)

+ » إن كانوا
بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس.
«(لو 31:23)

وأراد بولس الرسول أن
يُفَلْسفها فقال:
» أن الضيق يُنشئ صبراً والصبر تزكية، والتزكية
رجاء، والرجاء لا يُخزي
«(رو 3:55). ولكن الفلسفة الحقيقية ليست بتحليلها
فكرياً بل بتذوُّقها عملياً.

اسمع: » أمَّا هم
فذهبوا فرحين من أمام المجمع لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه
«(أع 41:5)، فخرجوا يبشِّرون بالفرح: » فرحين في
الرجاء، صابرين في الضيق.
«(رو 12:12)

وهذا يكشف لنا عن
معادلة إلهية وضعها الله سرًّا دون أن ننتبه إليها، وهي أن كل مَنْ يتألم أو
يتضايق أو يُهان من أجل الإيمان باسم ابن الله يحصل في الحال وبيد ملاك على وسام
الحب الإلهي، يوضع على قلبه. لأن الآب يحب الابن وبالتالي يحب كل مَنْ يُحبُّه:
» لأن الآب
نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم أني من عند الله خرجت
«(يو 27:16). إذاً، فالفرح في الاضطهاد من أجل الإيمان بيسوع المسيح
ابن الله هو فرح الحب الإلهي المجاني، لأن أتعاب وآلام الجسد والنفس لا توازن
أثقال أمجاد الحب الإلهي.

من أجل هذا كانت
الكنيسة تنمو في الاضطهاد وتزدهر بالحب الإلهي معاً.

 

الأصحاح السادس

 

(6: 1 6)
تعيين الشمامسة السبعة.

(6: 815)
شهادة استفانوس تثير عاصفة من المقاومة.

 

تعيين الشمامسة السبعة

[6: 16]

 

1:6 «وفي تِلكَ
الأيامِ إذ تكاثَرَ التلاميذُ حَدَثَ تذمُّرٌ مِنَ اليونانيينَ على العبرانيينَ
أَن أرامِلَهُم كُنَّ يُغفَلُ عَنهُنَّ في الخدمةِ اليوميةِ».

«وفي تلك
الأيام»:

يقصد بها الآية السابقة
التي تقول إنهم «كانوا لا يزالون في الهيكل …»، وهذا هو الحد الفاصل بين
تلك الأيام والأيام القادمة التي طُردوا فيها من الهيكل وتشتتوا في البلاد المحيطة
» ما عدا الرسل «(1:8)، لا كأنهم بقوا في الهيكل كمركز خدمة، ولكنهم تمركزوا في
أورشليم ولكن في غير الهيكل.

«تكاثر
التلاميذ»:

هنا نواجه هذا الاسم
“التلاميذ” الذي كان وَقْفاً على الرسل الملازمين للمسيح سواء الاثني عشر أو
السبعين وذلك فيما قبل الصعود. وهنا بدأ القديس لوقا يستخدمه للتعبير عن كل مَنْ
انضم للمسيح وبدأ يخدم اسمه مع الرسل. والمهم أن الكنيسة بدأت تدخل في عصر
الازدحام وبالتالي صعوبات الرعاية.

«اليونانيين»:
`Ellhnistîn

هذا الوصف يرد هنا لأول
مرة في كتابات العهد الجديد، وتحديد معناها يتحدد بما جاء في مقابلها وهي العبرانيين
`Ebra…ouj. أمَّا اليونانيون هؤلاء فهم المؤمنون اليهود
الذين يتكلَّمون باليونانية اضطراراً بسبب طول حياتهم لأجيال كثيرة وسط البلاد
اليونانية، ولكن قد يكون منهم أمميون يونانيون قبلوا الإيمان المسيحي يوم الخمسين
([1]). كما قد
يكون منهم
دخلاء أي أمميون
تهوَّدوا ثم تنصَّروا مثل الذي ذكرهم ق. لوقا على وجه الخصوص:
» ونيقولاوس دخيلاً أنطاكياً. «(أع 5:6)

«على
العبرانيين»:

هنا العبرانيون جنس
وربما كانوا يتكلَّمون العبرية الأصيلة (اللغة المقدَّسة)، وهؤلاء يمثلون نسبة
قليلة للمتضلعين فيهم في القراءة
والدراسة في
التوراة وفي الخدمة الهيكلية، أو قد يكونون قد تحولوا إلى الأرامية وهي منحدرة من
العبرانية وأقل صعوبة، ويستخدمها عامة الشعب. وكان الذي يتكلَّم العبرانية يُحسب
يهودياً أصيلاً (توراتياً) أي عالماً متعلِّماً. وق. بولس كان يتكلَّمها ويجيدها
بطلاقة:

+ » فلمَّا
سمعوا أنه ينادي لهم باللغة العبرانية أعطوا سكوتاً أحرى (خشية واحتراماً للغة
المقدسة).
«(أع
2:22)

نفهم من هذا أن الكنيسة
في أورشليم كانت تشمل يهوداً يتكلَّمون العبرانية أو الأرامية، ويهوداً يتكلَّمون
اليونانية فقط. وهذا بحد ذاته يُنشئ فُرْقة اجتماعية حتمية، لأن المسألة ليست لغة
فحسب، بل يكمن وراءها ثقافة وعادات وطباع وسلوك. وواضح جداً أن اليونانيين كانوا
إلى حد ما يحسون
بالتفوق المدني الثقافي؛ وأمَّا العبرانيون
فكانوا يحسون بالتفوق الوطني الديني. كما أن العبرانيين كانوا في أغلب الأحوال
أصحاب أعمال ومهن وأراضٍ وبيوت ورؤوس أموال، أي أغنياء إلى حدٍّ ما، أمَّا
اليونانيون فغالباً كانوا نازحين من الشتات وتخلفوا في أورشليم بعد قبولهم الإيمان
المسيحي، أي غرباء في بلادهم مما كان يحزُّ في نفوسهم.

وبما أن القائمين على
الخدمة كانوا في أغلب الأحوال عبرانيين، فمن هنا بدأت المفارقة في الخدمة اليومية
المُعبَّر عنها بالدياكونية
ولم يكن قد تحدد معنى
ووظيفة الذياكون كنسيًّا حينذاك
وهنا تأتي بمعنى توزيع
المخصصات من أموال وأطعمة وملابس وكل أعواز الحياة. ووضحت هذه المفارقة أو التمايز
في الخدمة بين فئة الأرامل بنوع خصوصي، إذ ليس من يطالب ولا مَنْ يدافع عنهنَّ،
فعلِيَ الصراخ وبدأ التذمُّر. علماً بأن الناموس والنظام اليهودي يعتنيان بالأرامل
والأيتام وكان لهم اكتتاب خاص تُسجَّل فيه أسماؤهم وأحوالهم ومخصصاتهم التي تؤخذ
من الخزانة الهيكلية.

أمَّا الكنيسة الفتية
فقد فاتها منذ البدء هذا الأمر مع إنَّهنَّ كوَّنَّ رابطة خاصة بينهنَّ للمناداة
برفع الظلم وربما للخدمة العامة كما نسمع عن ذلك في أرامل يافا (أع 41:9). هذا في
الوقت الذي نرى فيه بولس الرسول لم يَغِبْ عن باله هذا الأمر إذ طالب تيموثاوس في
أصحاح خصصه لشرح كيفية الاعتناء بهنَّ ودراسة أحوالهن، ووَضَعَ شروطاً روحية حتمية
حتى يمكن أن تُكتتب الأرملة في سجل الكنيسة للصرف عليهن وخدمتهن.

ولمَّا بلغت الشكوى إلى
الرسل، وطبعاً أجروا التحقيق ووجدوا ذلك صحيحاً ابتدأت الكنيسة تنتبه إلى ضرورة
تنظيم الخدمة على أساس إعادة النظر في هيئة الخدَّام الذين ظهر الخلل من خلالهم.

2:64 «فدَعَا
الاثنا عَشَرَ جُمهُورَ التلاميذِ وقالوا لا يُرضِي أنْ نترُكَ نحنُ كلمةَ الله ونخدُمَ
موائِدَ. فانتَخِبُوا أَيـُّها الإخوةُ سبعةَ رِجالٍ منكُمْ مشهُوداً لهم
ومملُوئينَ من الروحِ القُدُسِ وحِكمةٍ فَنُقِيَمُهم على هذهِ الحاجَةِ. وأمَّا
نحنُ فنُواظِبُ على الصلاة وخِدمةِ الكلمَةِ».

«لا
يُرضِي»:

oÙk ¢restÒn

لاتيني =
non placet

والكلمة اليونانية
مشتقة من الفعل
¢ršskw وتعني يَسُرُّ to please. لذلك فهي تعني أكثر من عدم الرضى، بل عدم المسرة، أو في الحقيقة
“ليس حسناً”.

«نخدم
موائد»:
diakone‹n trapšzaij

ليس القصد منها خدمة
مائدة بل أكثر، فهي تعني كل المهام المالية، كيف تُجمَع وكيف توزَّع وكيف تُخصَّص
للأكل واللبس وكل شئون الحياة، طالما مالية الكنيسة أصبحت مشتركة بين كل أفراد
الكنيسة. وتصبح هنا كلمة
» نخدم diakone‹n «لا علاقة لها بخدمة الكنيسة ليتورجياً، غير أنها
صارت بعد ذلك تشمل هذا المعنى.

«فانتخبوا»: ™piskšfasqe

«فنقيمهم»: katast»somen

هنا فعل » انتخبوا «لا يشمل
دخول الرسل في عملية الانتخاب، إذ أعطوا حق الانتخاب بكامله للشعب دون التدخل
الرئاسي من الرسل، وهذا أول وضع كنسي على مستوى الحرية الواعية إعطاءً وممارسة
بالنسبة للرئاسة الكنسية مع الشعب. وهو أمر مُذْهل ويشغل البال حقاً! لأن بذلك
تكون الكنيسة قد أَدخلَت في صميم تكوينها نوعين من المسئولية، مسئولية الصلاة
وخدمة الكلمة وهذه يضطلع بها الرسل، ومسئولية خدمة ما هو خارج خدمة الصلاة والكلمة
ويعني مباشرة الناحية المالية والاقتصادية والاجتماعية بكل ما تشملها من اتجاهات
في خدمة الشعب جسدياً ومادياً واجتماعياً وهذا مسئولية الشمامسة في الخدمة.

وهكذا أصبحت الخدمة في
الكنيسة محدَّدة تماماً بالخدمة الروحية والخدمة المادية الجسدية، والثانية قائمة
بذاتها.

وقد أعطى الرسل السبب
واضحاً وهو التفرغ الكامل للمسئولية العظمى الملقاة عليهم من جهة الحياة الروحية
للشعب وكل ما يتبعها من صلاة عامة وخاصة وتعليم إنجيل وشرح قواعد الإيمان والسلوك
الروحي. وهذا الفصل بين الخدمتين دمغوه بكلمة تعني اللارجعة في ذلك، وحدَّدوها
تحديداً بقولهم: «لا يُرضي» بمعنى أنه لا يصح أن يمزج هذا بذاك، وحصروا
خدمتهم بكلمة شاملة كاملة وهي المواظبة على الصلاة وخدمة الكلمة:
» أمَّا نحن فنواظب
على الصلاة وخدمة الكلمة.
«(أع 4:6)

والرجاء من القارئ
العودة لشرح الآية (أع 42:2) التي تشرح كلمة «نواظب» في معناها اليوناني
الصحيح.

«انتخبوا»:

عودة مرة أخرى على كلمة
» انتخبوا «كأمر الرسل للتلاميذ
للقيام بعملية الاختيار «بالانتخاب الحر». هنا لا نسمع قط
عن القرعة، فقد انتهت من الإنجيل بحلول الروح
القدس.

وأصبحت الكنيسة المملوءة من الروح القدس مسئولة عن «الانتخاب» لمن هو لائق
لكل عمل في الكنيسة، من الرئيس (الأسقف) حتى الشماس. وذلك على أساس الروح القدس
الذي يدبر الكنيسة في كل أمورها، وعلى المسيح الرأس الذي ينظر ويسمع ويبارك. لذلك
نجد هنا الانتخاب يقوم أول ما يقوم على شهادة الجماعة أن المختار أو المنتخَب
هو «الممتلئ من الروح القدس».
هذا هو الشرط الأول والأساسي.

إذاً هنا استحالة كل
الاستحالة أن تدخل القرعة مرة أخرى، لأن الالتجاء إليها يكون معناه غياب الروح
القدس وتجاهله، وحينئذ يصبح الانتخاب باطلاً! بل ولهذا السبب عينه تنحَّى الرسل عن
الدخول في الانتخاب حتى يتركوا للروح القدس حرية التدخُّل المباشر عن طريق
التلاميذ، وبالتالي شهادة الجماعة كلها. فهنا تكون سلطة المنتخِبين غير مستمدَّة
من الرسل بل مستمدة من الروح القدس مباشرة، وهذه أضمن وسيلة للخدمة لتكون حرّة
وموحاةٍ بتدبير الله رأساً. كذلك ليكون الشعب واثقاً وراضياً ومسئولاً أيضاً عن
الذي سينتخبه ليخدمه! لأنه هو الذي سيختاره.

ولقد وضع الرسل خمسة
شروط للانتخاب:

الأول: أن تقوم به
الجماعة كلها:
» فدعا الاثنا عشر جمهور التلاميذ. «(أع 2:6)

الثاني: عددهم
سبعة. ليس جزافاً أن يحدد الرسل الشمامسة بالعدد سبعة فهو العدد المقدَّس
والمحبوب. نقرأ عنه في السبعين رسولاً الذين اختارهم الرب ليكونوا به واحداً
وسبعين أخاً بين إخوة كثيرين يحملون هَمَّ خلاص العالم. ونسمع به عند موسى كأول
هيئة يُحدد عددها الله لتحمل هَمَّ الشعب الغليظ الرقبة، وهُم الواحد والسبعين
شيخاً. ونسمع عنها في اختيار السبعين من علماء التوراة المتضلعين في اللغة العبرية
واليونانية لترجمة العهد القديم ليهود الشتات. والعدد سرِّيٌّ للغاية، فهو الذي
اختاره الله أول ما اختار وقبل الخليقة ليحصر به دورات الزمان في السبعة الأيام،
وليوقِّع على مفرداته الخليقة كلها كل يوم بما يخصُّه، وقد خصَّنا بالعدد (6) لنظل
نطلب السابع لنستريح فيه مع الله. ودورة الزمان السبعة بلغت ذروتها بمجيء المسيح وقيامته
في الثامن منها متخطياً أسبوع الخليقة كلها فَحلَّها وانفتحت الخليقة على الزمن
الأبدي المنزَّه عن الأيام والانحصار، ودخلت الخليقة العتيقة في جدة الحياة مع
الله فانفرط عقد الزمان وصار كل شيء جديداً.

أمَّا السبعة الشمامسة
فتعيَّنوا بحكمة الله ليكملوا خدمة الكنيسة في غربتها على الأرض من حيث أعواز
الزمان، إلى أن يأتي صاحب اليوم الثامن ليأخذها إلى وطنها الأبدي.

الثالث: » مشهوداً لهم «من الجماعة
كلها، لأنهم سيعملون وسط العائلات والأرامل. هنا تلزم شهادة السيرة.

الرابع: » مملوئين من
الروح القدس
« الروح القدس فيهم
يشهد لمَنْ فيه الروح القدس.

الخامس: » مملوئين من
الحكمة
« الصفة الأُولى
للروح القدس وألزم ما يلزم للعمل والخدمة، حيث يطالب الشماس أن يحكم بالعدل ويزكي
الأضعف وينحاز للمظلوم ويميِّز بين الصادق في دعواه والمدّعي، وبين المغالي في
الطلب والخَجول. يتجنَّب التبذير ويقتصد في القليل.

«فنقيمهم
على هذه الحاجة»:

واضح هنا ارتضاء الرسل
بالذين ينتخبهم الشعب وإظهار استعدادهم للتصديق على اختيارهم وذلك برسامتهم فوراً،
بمعنى أن الشعب ينتخب، والرسل يصدِّقون ويرسمون، وهكذا يأخذ الذين اختارهم الشعب
الصفة الرسمية لخدمة الكنيسة كلها في كل ما يخص مالياتها واجتماعياتها وفضِّ
المنازعات فيها سواء من جهة التوزيع أو الخلافات الأخرى التي تنجم عن تعدد الأجناس
واللغات واختلاف البيئة، ويكون حكمهم نافذاً بالروح القدس الذي فيهم وأنفاس الرسل
القديسين.

وقد انقسم هذا الطقس،
طقس خدمة السبعة، بعد ذلك إلى شمامسة يخدمون مع الرسل في الصلاة وخدمة الكلمة وإلى
شمامسة ظلّوا على الأساس الذي قاموا من أجله لخدمة أعواز الشعب في كل ما يحتاج
إليه خارجاً عن الصلاة وخدمة الكلمة، الذين دُعُوا قديماً بشيوخ الشعب وحديثاً
بكلمة “الأراخنة” أي رؤساء الشعب، وهي الوظيفة التي بدأت منذ أيام موسى وظلت كما
هي جنباً إلى جنب مع رؤساء الكهنة يتقاسمان فيها مسئولية الشعب عامة والحكم فيه.
فالسنهدريم كان قوامه الأساسي من رؤساء الكهنة ورؤساء الشعب حتى أيام
المسيح. وقد اشتركوا معاً في صلب المسيح، فاعتُبر أن الشعب كله بكل هيئاته مسئولاً
عن الصلب.

وفي الواقع إن طقس
إقامة السبعة الشمامسة الذين أقامهم الرسل بوضع اليد مماثلٌ لطقس إقامة السبعين
شيخاً الذين عيَّنهم موسى. لقد عيَّنهم بوضع اليد عليهم فأخذ الله من روحه الذي
فيه وأعطى السبعين. وهؤلاء السبعون شيخاً هم أصل طقس رؤساء الشعب
Senates، وهم أصل فكرة مجلس الشيوخ في الحكومات.

وتشديد الرسل هنا على
ضرورة أن يكونوا مملوئين من الروح القدس بالرغم من أن الخدمة التي تعيَّنوا عليها
هي خدمة أموال وموائد وأعواز الشعب ورعاية أرامل وأيتام، ذلك لأن الكنيسة تحتسب أن
كل أعمالها مقدَّسة وتحتاج لتدبير الروح القدس وخاصة في الأعمال الحسَّاسة التي قد
تأتي منها العثرات. ولكن بمجرد أن وُضع هذا الشرط لم يستطع أحد ولا الرسل أن
يمنعوا هؤلاء الشمامسة من الوعظ والصلاة وخدمة الكلمة لأن هذا العمل هو من اختصاص
الروح القدس وبالتالي كل مَنْ يحمله.

وأخيراً يلزم أن نفرِّق
بين الاختيار أو الانتخاب، ثم الرسامة وبعدها التعيين. والرسامة هي قلب الكنيسة
النابض وموهبتها الأُولى والعظمى، فالرسامة بوضع اليد تعني تماماً كما كانت تعني
في اختيار السبعين شيخاً ووضع موسى يده عليهم: فأخذ الله
من الروح
الذي في موسى وهو روح الله، روح الحكمة والمشورة والفهم الذي خصّ الله موسى به،
وأعطى السبعين فصارت لهم موهبة موسى في التدبير. وبهذا يكون معنى وعمل وضع اليد في
الكنيسة هو ارتباط الكنيسة في شخص واضع اليد بالإنسان الذي وُضعت
اليد عليه. والرباط إلهي هو، وهو الروح القدس، فيصبح المرسوم متحداً بالكنيسة
ومتكلماً باسمها وعاملاً بروحها وقوتها:

+ » ويشوع بن
نون كان قد امتلأ روح حكمة إذ وضع موسى عليه يديه فسمع له بنو إسرائيل وعملوا كما
أوصى الرب موسى.
«(تث 9:34)

وفي هذا يقول ذهبي
الفم:

[لأنهم يلزم حقاً أن يصنعوا
الاختيار بأنفسهم
كما يحركهم الروح القدس، بل وأيضاً يحتاجون إلى شهادة الشعب.
أمَّا تحديد العدد وأمَّا الرسامة بالنسبة لهذه المهمة فهي من اختصاصهم، ولكن
اختيار الرجال جعلوها للشعب، حتى لا يحسب اختيارهم أنَّ فيه انحيازاً وتفضيلاً.
تماماً كما ترك الله لموسى أن يختار الشيوخ حسب معرفته هو (عد 16:11).]([2])

لكي نشرح الآية (3:6): «فنقيمهم
على هذه الحاجة»،
يلزم أن تكون على أساس الآية (6:6): «الذين أقاموهم أمام
الرسل فصلّوا ووضعوا عليهم الأيادي».

ونترك هنا الشرح
للقديس
يوحنا ذهبي الفم فيقول:

[وهكذا أفرزوهم من
الجماعة، والشعب هو الذي انتخبهم وقدَّمهم وليس الرسل. فانظر كيف يتحاشى الكاتب
الإضافات التي ليست في الموضوع إذ يقول مباشرة إنهم رسموهم
ceirotÒnhsan بالصلاة لأن هذا هو
معنى الشرطونية
ceiroton…a، أي وضع اليد، أي الرسامة ordination؛
فيد الإنسان توضع فوق (الشخص) ولكن العمل كله من الله لأن يده (يد الله) هي التي
تلمس الذي يُرسم، إن كان يُرسم صحيحاً.]([3])

من هذه الآية يتبين أن
الرسل وحدهم هم الذين كانوا حائزين على موهبة (خاريزما) وضع اليد لحلول الروح
القدس خاصة في الرسامات. وحتى في البداية كان الرسل هم الذين يعمِّدون ويضعون اليد
لحلول الروح القدس، ولكن انتقل منهم إجراء المعمودية بعد ذلك إلى الذين حُسبوا
أهلاً لهذه النعمة، ومن بعد الرسل استلم هذا العمل الأساسي، أي الرسامة ووضع اليد،
الأساقفة فقط.

وضع اليد: ceiroton…a

وتُعرف في العبرية باسم
» سامك Samakh «
وفعل وضع اليد للرسامة يُعرف بـ
» سميكا([4]) Semukhah «وكان يتضمن
سرًّا توصيل قوةٍ أو فعلٍ من واضع اليد إلى الموضوع عليه، إما سلباً أو إيجاباً.
فالخاطئ يضع يده على رأس الذبيحة قبل أن تُذبح لتنتقل خطاياه إلى الذبيحة، تماماً
كما يضع الكاهن يده على رأس الخاطئ ليعطيه البركة أو الصحة أو الشفاء:

+ » فحدث أن أبا
بوبليوس كان مضطجعاً مُعترى بحمَّى وسَحْجٍ (دوسنتاريا) فدخل إليه بولس وصلَّى
ووضع يديه عليه فشفاه.
«(أع
8:28)

«وأمَّا
نحنُ فنواظبُ على الصلاةِ وخدمةِ الكلمةِ».

«نواظب»:

نقدِّم هنا شرحاً لهذه
الكلمة في معناها اليوناني الصحيح كما ذكره القديس يوحنا ذهبي الفم إذ يقول ما
معناه:

[أمَّا نحن
يقول ق. بطرس فنعطي أنفسنا باستمرار
continually للصلاة وخدمة الكلمة. وهكذا فإن الرسل يظهرون كمَنْ يتوسلون في
البداية وفي النهاية “نُعطي أنفسنا بصورة مستمرة للصلاة”، لأنه فعلاً يليق بهم ليس
مجرد فعل الصلاة أو حينما تحين الفرص (أو المواعيد) إنما بصورة مستمرة ودائمة.]([5])

أمَّا تعليق الشعب على
هذا التوسل الرسولي من جهة تفرُّغهم كلية للصلاة وخدمة الكلمة فيجيب الشعب:

5:6 «فحَسُنَ هذا
القولُ أَمامَ كُلِّ الجمهورِ فاختارُوا استفانُوسَ رَجُلاً مملُوًّا مِنَ
الإيمانِ والرُّوحِ القُدُسِ وفيلبُّس وبُرُوخورُس ونِيكانُور وتيمون وبَرمِيناس
ونيقُولاوُس دَخيلاً أَنطاكياً».

هؤلاء القديسون السبعة
اعتدنا أن نسمِّيهم شمامسة. ولكن لم ترد هذه الكلمة بهذا المعنى في سفر الأعمال
قط، ولكن التسمية التي سادت في الكنيسة آنئذ هي “السبعة” فقط دون ألقاب، في مقابل
“الاثنى عشر” للرسل. أمَّا كلمة “خُدَّام” فهي متعلقة بنوع خدمتهم إذ تعيَّنوا
ليخدموا الموائد. فهنا الكلمة لم تعني الشموسية وإنما الخدمة في معناها المنحصر في
الأمور المادية غير الكنسية. ولكن كانت درجتهم في وسط الشعب بعد الرسل مباشرة.

وكما يقول القديس يوحنا
ذهبي الفم:

[ولكن ما هي درجة ومقام
هؤلاء السبعة
˜pt£ وما هي وظيفتهم رسمياً
التي قبلوها من الرسل؟ هذا ما نريد أن نعرفه: هل كانوا شمامسة؟ ولكن هذا اللقب لم
يكن موجوداً بعد في الكنيسة. هل تحسب خدمتهم ما يخص الكهنة؟ ولكن حتى ذلك الوقت لم
يكن يوجد أساقفة بل رسلٌ فقط. إذاً، بحسب ظني فإنه واضح أنهم لا هم شمامسة ولا هم
كهنة بحسب درجتهم، ولكنهم رُسموا وعُيِّنوا لهذه الخدمة الخاصة فقط، أي خدمة حاجات
الكنيسة (المادية والتوزيع وخدمة الأرامل)، ولم تُسلَّم لهم هذه المهمة إلاَّ بعد
إقامة صلوات رسمية في الكنيسة لأن الرسل صلُّوا عليهم حتى ينالوا قوة.]
([6])

[لم يكونوا فقط مجرد
رجال روحيين بل كانوا
» مملوئين من الروح القدس
وحكمة
« لأن خدمتهم تحتاج
إلى مستوى عالٍ من التصرُّف بتعقُّل
filosofi£j حتى يتحمَّلوا شكاوي الأرامل (وينصفوهن). لأن ما الفائدة أن يكون
الخادم مجرد رجل أمين لا يسرق ومن ناحية أخرى يبدد الأموال أو يتعامل بفظاظة
وتَسهُل إثارته؟
]([7])

والملاحَظ أن السبعة
ذوو أسماء يونانية، فواضح أن السبب أنهم أُقيموا لخدمة المتذمرين اليونانيين
بعناية ودراية وتعاطف أكثر، ولكن لم يكن ولا واحدٌ منهم يهودياً بالميلاد أصلاً بل
كان أحدهم دخيلاً من أنطاكية وهو نيقولاوس. وربما كان هؤلاء السبعة سابقاً قادة
للجماعات اليونانية التي قَبِلَت الإيمان والعماد وظهرت عليهم نعمة الروح القدس
والقوة([8]).

ومعروف أن الرسل جميعاً
عبرانيون، فاختيار السبعة من اليونانيين يُعتبر محاولة للمساواة في الرعاية
والمسئولية على مستوى مبدئي.

وبخلاف القديس استفانوس
لا نعرف مِنْ السبعة حالياً إلاَّ فيلبس الذي سُمِّي بالإنجيلي أو المبشِّر:
» فانحدر
فيلبس إلى مدينة من السامرة وكان يكرز لهم بالمسيح
«(أع 5:8) وذلك بعد أن أُجبروا للخروج من أُورشليم
تحت ضربات شاول:
» ثم خرجنا في الغد نحن رفقاء بولس وجئنا إلى قيصرية فدخلنا بيت فيلبس المبشِّر eÙaggelistoà إذ كان واحداً من
السبعة
˜pt£ وأقمنا عنده وكان لهذا أربع بنات عذارى كُنَّ يتنبَّأنَ «(أع
8:21). وواضح من هذا أن هؤلاء السبعة
الخدَّام لم يكونوا في عمر الشبَّان بل
كانوا رجالاً متزوجين، ولهم أولاد وبنات أتقياء ذوو مواهب.

وواضح أنه كان لفيلبُّس
رحلات خاصة للكرازة والتبشير سواء في السامرة أو على ساحل فلسطين. ويبدو أيضاً أن
ق. لوقا كان على صلة وثيقة به، ومنه تعرَّف على الكثير جداً مما ورد في روايته
التاريخية التي يرويها سواء عن هؤلاء السبعة أو عمَّا ورد بعد ذلك. ويلزم جداً
الانتباه للتفريق بين فيلبس الذي من السبعة وفيلبس الرسول. ويقص علينا المؤرِّخ
يوسابيوس القيصري([9])
نقلاً عن حوار دار بين الكاهن غايس الروماني (200م) وبين الهرطوقي بروكلوس
(المونتاني) أنه كان لفيلبس المبشِّر أربع بنات كُنَّ نبيَّات وكُنَّ يتنبأن،
عاشوا في هيرابوليس، بأسِيَّا وكان قبرهن يوجد هناك، وكذلك قبر والدهنَّ فيلبس
نفسه. وكان بوليكرات أسقف أفسس يعتبر قبرهن بمثابة أنوار مضيئة في هيرابوليس، مما
يوضح أن فيلبس جال يبشِّر مع بناته النبيَّات في أسِيَّا حتى رقد هو ونبيَّاته
القديسات الأربع في هيرابوليس.

سلام لكِ يا هيرابوليس
التاريخ، سلام لأرواح قديسيكِ وقديساتك. ويا لهذا التاريخ المجيد الذي نتنفس منه
رائحة القديسين ذكية كرائحة المسيح.

نيقولاوس:

الأخير في السبعة
والوحيد الذي ليس من أصل يهودي بل هو أممي دخيلٌ أنطاكيٌ.

واعتناء ق. لوقا بذكر
أنه دخيلٌ أنطاكي يوضِّح ضمناً اهتمام ق. لوقا بأنطاكية ومعرفة دخلائها مما يوحي
بأن ق. لوقا هو نفسه أصلاً من أنطاكية.

وقد جرت محاولات
للتعرُّف على نيقولاوس هذا من هرطقة النيقولاويين الذين ذكرهم سفر الرؤيا (2:
6و15)، ولكن لم يعثر العلماء على دليل واحد للربط بين هذا الاسم لهذا الشخص وبين
تلك الهرطقة.

وواضح أن عمل السبعة “˜pt£” لم يدُمْ طويلاً، لأن استشهاد استفانوس وما حدث بعد ذلك للكنيسة
من الاضطهاد الضاغط من شاول وفئة المتعصبين اليهود معه بغرض القضاء على الكنيسة في
أُورشليم شتَّت مَنْ بقي من السبعة، بل والمسيحيين معهم وخاصة الذين من الشتات وهم
كانوا الأكثر تحرراً من الناموس والهيكل والعبادة اليهودية، الأمر الذي كان لا
يطيقه اليهود ولا حتى المسيحيون من أهل الختان الذين كانوا أكثر تحفظاً من جهة
تكريم الناموس والعبادة اليهودية بأعيادها وصلواتها الهيكلية، وهم الذين لم
يَنَلْهُم من الاضطهاد إلاَّ القليل.

ومن طقس السبعة “˜pt£”، هذا الذي لم نستطع أن نُجَدْوِله تحت اسم الشمامسة ولا اسم
الكهنة بحسب تحقيق ذهبي الفم المذكور سابقاً، فمن هذا الطقس “السبعة” خرج طقسان
بالتتابع فيما بعد، طقس الكهنة وطقس الشمامسة؛ وقد ظهرا في رسائل بولس الرسول([10]).
حيث نجد بداية طقس الكهنة الذي يحمل رسالة الذياكونية التي كانت للسبعة إضافة إلى
خدمة الصلاة، كما ظهرت البدايات الأُولى لإقامة شمامسة في الكنيسة لهذا الغرض
أيضاً.

6:6 «الذينَ
أَقامُوهُم أمامَ الرسُل فصلُّوا ووضَعُوا عليهم الأَياديَ».

سبق شرح هذه
الآية ضمن الآية (3:6) صفحة
306.

7:6 «وكانت كَلِمَةُ
اللهِ تَنمُو وعَدَدُ التلاميذِ يتكاثَرُ جدًّا في أُورشليمَ وجُمهُورٌ كثيرٌ من
الكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإيمانَ».

تأتي هذه الجملة دائماً
للتعبير عن الوقفة بين حديثين لتعطي فرصة لنقل الفكر من موضوع لموضوع. علماً بأن
كل موضوع يطرقه ق. لوقا كان له زمن معيَّن، فإذا انتقل من موضوع لآخر بعده فهذا
يكون معناه أن فترة زمنية ليست بالقليلة قد مضت. لأن سفر الأعمال يجمع بين دفّتية
حوادث تمت في غضون أكثر من ثلاثين سنة. وقد قام بعض العلماء ومنهم العالِم ك. هـ.
ترنر([11])
بفحص هذه الظاهرة بدقة فوجد أن هذه الوقفات جاءت لتقسيم السفر إلى ستة أقسام:

1 الأصحاح 7:6: كما هو في الآية التي
نحن بصددها.

2 الأصحاح 31:9: » وأمَّا
الكنائس في جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام وكانت تُبنى وتسير في
خوف الرب وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر
«

3 الأصحاح
24:12:

» وأمَّا كلمة الله فكانت تنمو وتزيد «

4 الأصحاح 16: 5: » فكانت
الكنائس تتشدَّد في الإيمان وتزداد في العدد كل يوم
«

5 الأصحاح
20:19:

» هكذا كانت كلمة الرب تنمو وتقوى بشدة «

6 الأصحاح
31:28:

» كارزاً بملكوت الله ومعلِّماً بأمر الرب يسوع المسيح بكل
مجاهرة بلا مانع
«

وقد قام المؤرخون
بالاهتمام بفحص هذه الحركة، فوجدوا أن القديس لوقا قد جعل من كل وقفة من هذه
الوقفات فاصلاً يفصل بها الحوادث لكل خمس سنوات. ونحن نرى أن بهذه الدراسة يمكن
للقارئ أن يعيد النظر في القراءة ليوقِّع الحوادث على الزمن المناسب لها، فإن ذلك
يفيده للغاية. لأن الحادثة إذا عُرف زمانها، ازدادت الأضواء المسلَّطة عليها
وارتبطت في الذهن بغيرها، لأن الزمن بُعدٌ أساسي في القياس التصوري الذي يبني
الفكر.

وبالنسبة للوقفة التي
نحن بصددها، فالزمن الذي يحكمها خطير في مفهومه واتجاهه، فقد جاءت لتوضيح مدى
النمو والنهضة التي ازدهرت داخل الهيكل نفسه، ذلك بالنسبة للماضي، أمَّا المستقبل
فهو الاضطهاد الشديد جداً الذي شتت الكنيسة، حيث تبدَّد المؤمنون، فخرجت الكنيسة
من الهيكل وتوقف عملها فيه!

تجيء هذه الآية مباشرة
بعد استحداث طقس السبعة (وقبل كارثة تشتت الكنيسة) لتوضيح أن للطقس الفضل في هذه
النهضة الجديدة ذات الدفعة المتميزة بدخول طغمات الكهنة إلى الإيمان المسيحي! لقد
تفرَّغ الرسل بالفعل للصلاة وخدمة الكلمة واستطاعوا أن يعطوا كل وقتهم وكل جهدهم
وكل اهتمامهم للنفوس المتعطشة من اليهود لمعرفة المسيح والتقرب إليه. كان هذا في
عمق أعماق ضمير الرسل لأنهم كانوا واثقين أنهم إذا أكرموا الصلاة والكلمة بإعطائهم
كل حياتهم واهتمامهم ووقتهم لهما، فحتماً سوف ترتد هذه النهضة على الكنيسة بانفتاح
باب الخلاص متسعاً أمام اليهود، وقد كان.
ولكن من
الأمور المثيرة للبهجة في النفس سماع خبر دخول أفواج كبيرة من كهنة اليهود، لأن
لذلك معناه، على المستوى اللاهوتي، غاية في الأهمية. إن من بين هؤلاء كان هناك فئة
الصدُّوقيين الذين لا يؤمنون بالقيامة من الأموات. إذاً، فقد حدثت لهؤلاء قيامة
بالفعل، لقد غمرتهم بقوتها وبهجتها ودخلوا في نورها وفرحها، لقد وُلِد هؤلاء
اليهود حقاً من جديد ونالوا ما لم يكن يخطر لهم ولا لنا على بال.

كنَّا نقرأ عنهم أيام
المسيح، ونشعر بالحزن والأسى، كونهم تأثروا ولكنهم تخلَّفوا، آمنوا ولكنهم خافوا:

+ » ولكن مع ذلك
آمن به كثيرون من الرؤساء أيضاً غير أنهم لسبب الفريسيين لم يعترفوا به لئلاَّ
يصيروا خارج المجمع، لأنهم أحبُّوا مجد الناس أكثر من مجد الله.
«(يو 12: 42و43)

«يطيعون
الإيمان»:

هنا التعبير عن إيمان
الكهنة يأتي بصيغة مريحة للنفس ومبهجة، وكأنه أتى بدون نقاش أو تردد أو حوار،
ويبدو وكأنه صار بالاستعلان وكان على ميعاد وانتظار مع الروح القدس. وهذا يكشف لنا
عن أن مواظبة الرسل على التواجد طول النهار في الهيكل يعلِّمون ويعظون ويبشِّرون،
أعطى فرصة نادرة للكهنة، فرقة وراء فرقة، كلٍّ منها حسب قرعة وقتها وخدمتها لتسمع
عن قُرب، وبلا عناءِ الجري وراء الرسل في البيوت. وقد كانت هذه إرادة الله
الواضحة، نسمعها لمَّا ظهر الملاك لبطرس ويوحنا في السجن وفتح لهما الأبواب بالليل
وقال لهما:

+ » اذهبوا قفوا
وكلِّموا الشعب في الهيكل
بجميع كلام هذه الحياة!
«(أع 20:5)

فعين الله كانت على
هؤلاء الكهنة الذين كانوا يئنُّون تحت ثقل معاملة رؤساء الكهنة وجشعهم وسرقاتهم
العلنية، ويترجُّون الخلاص الحقيقي الذي لم تكن سيرتهم تمنع من التعرُّف عليه
وقبوله.

وبهذا يكون الرسل قد
نجحوا في غزو الهيكل من الداخل. ووصْفُ ق. لوقا للكهنة الذين يطيعون الإيمان أنهم “جمهور
كثير
polÚj te Ôcloj وترجمتها الحرفية “جماعات
عظيمة
great “croud، توضِّح أنه كانت هناك في الحقيقة حركة إيمان كبيرة سرت داخل
الهيكل وسط فرق الكهنة! لقد تعرَّفوا على رئيس كهنتهم الأعظم الحقيقي، وعوض تيوس
وعجول قدَّموا أنفسهم ذبائح حية ناطقة تنطق بفضل المسيح وجلاله.

يا لفرحة داود النبي
ويا لسعادة إشعياء والأنبياء إرميا وحزقيال الذين راهنوا على هذا اليوم. تعالَ يا
زكريا، تعالَ إلينا مع فرقتك “أبيا”، فاليوم يومك، والرؤيا والبخور والملاك
ويوحنا، فهذا عيد الكهنوت الحقيقي، فهذه نوبة النهاية واضربوا بالبوق فقد أشرق يوم
الخلاص.

يقول أحد العلماء
الألمان وآخَر فرنسي أنه يبدو أن هذه الجماهير من الكهنة صارت لهم خدمة خاصة في
الكنيسة وكوَّنوا جماعات متحدة متماسكة مؤمنة بالمسيح، ولكن بسبب العادات المتأصلة
فيهم ضعفت حرارتهم ودخلوا في حالة قلق بسبب وقوع اضطهاد مباشر عليهم، وإن الرسالة
إلى العبرانيين كانت هي رسالتهم([12]).
ونحن نميل إلى هذا التفسير.

 

القديس
استفانوس

نقطة
التحوُّل الكبرى في حياة الكنيسة

 

كنيسة
أورشليم أكملت رسالتها

وبدأ التوجه
نحو الأمم

 

عرض سريع
حتى أصحاح 17:12

بدخول اسم القديس
استفانوس، الأول بين السبعة
˜pt£، دخلت الكنيسة عصرها
الجديد، ولكن على دمائه الذكية، بعد أن أُرسى دستور الكنيسة الجديد للأمم أمام
السنهدريم وشاول يستمع.

والقارئ المدقق
المنتبه، يجد أنه بعد خطاب ق. استفانوس الذي ألقاه أمام السنهدريم وبحضرة كل شيوخ
وفريسيي إسرائيل، والذي انتهى بقتله، لم يبقَ عمل لكنيسة الختان
بأورشليم. فقد خرجت
للتو لتلاحق فلول المؤمنين الذين توجَّهوا إلى البلاد المحيطة:

( أ ) » وحدث في ذلك
اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التي في أورشليم
فتشتت الجميع في كور
اليهودية والسامرة …
فالذين تشتتوا جالوا مبشرين بالكلمة. «(أع 8: 1و4)

(ب) » فانحدر فيلبس (الثاني من
السبعة
˜pt£) إلى مدينة من السامرة.
«(أع 5:8)

» ولمَّا سمع
الرسل الذين في أُورشليم أن السامرة قد قبلت كلمة الله أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا.
«(أع 14:8)

( ج ) » وحدث أن
بطرس وهو يجتاز بالجميع، نزل أيضاً إلى القديسين (من أهل الختان)
الساكنين في
لدّة.
«(أع
32:9)

( د ) » ومكث (بطرس)
أياماً كثيرة في يافا
عند سمعان رجل دبَّاغ.
«(أع 42:9)

( هـ) » وبينما بطرس
متفكر في الرؤيا قال له الروح … قُم وانزل واذهب معهم
(إلى قيصرية
إلى كرنيليوس)
. «(أع
10: 19و20)

» ففتح بطرس
فاه وقال بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه، بل
في كل أُمة الذي
يتَّقيه ويصنع البر مقبول عنده … أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعتمد
هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضاً،
وأمر أن يعتمدوا باسم
الرب.
«(أع
10: 34و35و47و48)

» فسمع الرسل
والإخوة الذين كانوا في اليهودية
أن الأمم أيضاً قبلوا كلمة الله. «(أع 1:11)

» وكانوا
يمجدون الله قائلين إذاً
أعطى الله الأمم أيضاً التوبة للحياة. «(أع 18:11)

( و ) » أمَّا الذين
تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس فاجتازوا
إلى فينيقية (لبنان) وقبرص،
وأنطاكية …

كانوا يخاطبون
اليونانيين مبشرين بالرب يسوع.
«(أع
11: 19و20)

» فسُمع الخبر
عنهم في آذان الكنيسة التي في أورشليم (الرسل)
فأرسلوا برنابا لكي يجتاز
إلى أنطاكية.
«(أع
22:11)

» ودُعي
التلاميذ مسيحيين في أنطاكية أولاً.
«(أع
26:11)

( ز ) » وفي ذلك
الوقت مدَّ هيرودس الملك يديه ليسِيءَ إلى أُناس في الكنيسة. فقتل يعقوب أخا يوحنا
بالسيف …

وإذ رأى أن ذلك يرضي
اليهود عاد فقبض على بطرس أيضاً.
«(أع
12: 1و2)

» وإذا ملاك
الرب أقبل ونور أضاء في البيت. فضرب جنب بطرس وأيقظه قائلاً قُم عاجلاً فسقطت
السلسلتان من يديه … فقال له البس رداءك واتبعني فخرج يتبعه.
«(أع 12: 79)

» وقال (بطرس)
اخبروا يعقوب (أخا الرب) والإخوة بهذا. ثم خرج. وذهب إلى
موضع آخر. «(أع 17:12)

وإلى هنا نكون قد بلغنا
سنة 44م. وبذلك انقطعت أخبار كنيسة أُورشليم من جهة الكرازة وبدأت كنيسة الأمم!
ليتولى شاول المدعو بولس رعاية الأمم كرسول معيَّن من السماء.

معنى هذا أنه قد مضى
على كنيسة أورشليم 14 سنة إلى لحظة خروج بطرس من السجن واختفائه. علماً بأن دخول
شاول الإيمان كان سنة 33م. وأول إرسالية لبولس إلى قبرص مع برنابا سنة 46م.

 

خدمة استفانوس تستعلن
خطوط الإيمان المسيحي النقي بقوة

فتفضح اليهودية المتخلِّفة
والمتقوقعة في ناموسها وهيكلها

ويقوم أعنف اضطهاد
جازته الكنيسة

 

8:6 «وأمَّا
استفانوس فإذ كانَ مملُوءاً إيماناً وقوَّةً كان يَصْنَعُ عجائِبَ وآياتٍ عظيمةً
في الشعبِ».

حينما يرتاح الروح
القدس في إنسان استوفى استيعاب الإيمان بالمسيح استيعاباً صحيحاً، يبدأ الروح
القدس في الحال يعمل عمله للشهادة لهذا الإيمان. فالعجائب والآيات العظيمة هي لغة
الروح القدس التي يخاطب بها الناس، فالذي له أذن للسمع وعين للنظر يؤمن في الحال،
لأن لغة الروح القدس مفهومة لذوي النفوس التي تهيأت منذ أن كانت في البطن للسعي
نحو الوطن السمائي المعدِّ: الذين يصفهم الكتاب بقوله:
» المعيَّنين
للحياة الأبدية
«

أمَّا الذين يرفضون
الإيمان ويحتقرون الكلمة فهؤلاء يسمعون ولكن يزدرون بما يسمعون، لأن اهتماماتهم
وآمالهم ارتبطت بهذا الدهر وهذه الأرض، ويَرْون ولا يجدون فيما يَرَوْن أيـًّا مما
يسترعي انتباههم، لأن انتباههم ابتلعته أمجاد هذا الزمان فسرقت منهم ذواتهم
وقلوبهم.

والشعب هنا هو الشعب
اليهودي بكل فئاته. فمنهم من آمن بالذي مات وقام، فأقام النفس من موتها، فصار هو
بعينه النسل الموعود المبارك الذي رآه إبراهيم وفرح. ومنهم مَنْ استنفذت الختانة
إيمانه، وبقية إيمانه توزَّع بين السبت والتطهير بالماء ولا تمسْ ولا تذُقْ
والتهليل للهلال كل شهر وكل عيد في أوانه.

هذا التمييز والتفريق
هو الذي عمله الروح القدس بواسطة قديسنا الشهير الشماس، وهو على مستوى رسول بل
نبي.

أمَّا الذي قاله
استفانوس بالروح القدس فقد ارتفع إلى مستوى كرازة المسيح فنال في الحال ما ناله

المسيح!

9:6 «فَنَهَضَ
قومٌ مِن المجمعِ الذي يُقالُ لهُ مجمعُ الليبرتينيِّين والقيروانيِّينَ
والإِسكندريِّينَ ومِنَ الذينَ مِنْ كيليكيَّا وأسِيَّا يُحاورُونَ
استفانوسَ».

«المجمع»: sunagwgÁ

وبالعبري beth-keneseth أي بيت الاجتماع، وبالأرامي kenishta.
وهي البديل للهيكل للعبادة المحلية بدون ذبائح، والتي اقتصرت على قراءة التوراة
والشرح والتعليم، وهي نواة الكنيسة المسيحية التي ورثت منها حتى الاسم.

معروف أن المجامع بدأ
العمل بها منذ سبي بابل حتى لا يُحرم الشعب من القراءة والسمع في الأسفار
المقدَّسة، كذلك شرحها والتعليم بها. وكان عددها منتشراً بكثرة في البلاد، وفي
أورشليم وحدها كان كما يقول التلمود 480([13]) مجمعاً وذلك
قبيل هدم الهيكل وإخلاء أورشليم. وأسماء هذه المجامع تتبع أسماء البلاد التي كوَّن
اليهود فيها رابطة تمثلهم في أورشليم ذاتها حيث يجتمعون ليبحثوا في شئونهم
ويعيِّدون ويصلُّون بلغتهم التي كانت هي لغة البلاد التي عاشوا فيها، وليس كما
يقول العالِم بروس([14])
إن مجمع الليبرتينيين يضم القيروانيين والإسكندرانيين إلخ … فهذا خطأ لأن مجمع

الليبرتينيين
هو مجمع أهل روما وسُمِّي بالليبرتينيين لأنهم اليهود الذين كانوا قد أُسروا على
يد بومبي من أورشليم وما حولها ورُحِّلوا إلى روما، واستُعبِدوا هناك كعبيد تحت
السخرة، ثم حررهم الرومان فدُعوا بالأحرار أو المتحررين. وهو أكبر وأهم المجامع،
لذلك ذُكر أولاً. وأن يُذكَرَ اسمه باللاتيني دوناً عن الجميع
فهذا أكبر برهان على صدق ما نقول.

أمَّا مجمع القيروانيين
(شمال إفريقيا) فمعروف أنه كان يشمل رُبْع الأعداد تقريباً. ومجمع الإسكندرية كان
يشمل اثنين من الأحياء الخمسة التي تتكون منها الإسكندرية، وقد بُني على نفقتهم.
وكانت تُدرَّس فيه اللغة اليونانية وأقوال الفلاسفة والحكماء، وقد تخرَّج منه
أبلُّوس الذي تعمَّد على يدي أكيلا وبرسكلا، وكان فيلسوفاً حقاً. ويُظَنُّ أن ق.
استفانوس هو ربيب مجمع الإسكندرية بسبب ذِكْر الحكمة التي يتّصف بها حيث ذُكرت هذه
الكلمة أربع مرات في سيرته. وحينما يُقال أنهم لم يقدروا أن يقاوموا الحكمة التي
يتكلَّم بها، فالمقصود الفلسفة كعلم ومنهج وهي طبعاً في ثقافتها تفوق مستوى جماعة
يهود أورشليم المتعصبين الأُميين فلسفياً مما جعل يهود
أورشليم يضيقون بهم. ولكن الذي أطاح بعقولهم هو استمالة استفانوس اليونانيين
اليهود لأنهم استطاعوا أن يتذوقوا في لغتهم دفاعه ويفهموا عمق حكمته ودرايته
باللاهوت ومفهوم الإيمان الحر، وأدركوا صدق دعوته، إذ جعل الإيمان المسيحي على
مستوى كل الناس والعالم، الأمر الذي دوَّخ اليهود المتعصبين، خاصة حينما أحسُّوا
بالقوة التي فيه والمعجزات التي صنع، فلم يكن في جعبتهم إلاَّ الحكم بأنه جدَّف
على هيكلهم وعلى ناموسهم وعلى موسى. وهذا هو نفس الحكم الذي انتهى إليه اليهود
بالنسبة للمسيح، حينما أُعيوا في ملاحقة إيجابيته وتكريمه لله أبيه بجوار
المعجزات. لذلك فهم لم يجدوا ما يتهمونه به إلاَّ القول بالتجديف على الله والناموس
والسبت والهيكل. واضح أنها الظلمة تناطح النور والجهالة تتطاول على الحكمة.

والذي يهمنا هنا هو
مجمع الذين من كيليكيَّا، لأن شاول عضو هام وبارز فيه لأنه من كيليكية وعاصمتها
طرسوس، التي هي بلده التي نشأ فيها وتربَّى، فكان شاول مُحاوره الأول والأخطر.

أمَّا موضوع التحاور
فلا يصعب علينا تحديده، عكس ما يقول به بروس وبقية العلماء، إذ يتضح من خطاب ق.
استفانوس خطوطه الأساسية والعريضة. فقد نادى بالإيمان الذي وهبه الله بواسطة يسوع
المسيح للعالم كله وليس لليهود فقط. وبالتالي فالناموس استُنفذ زمنه ولم يعد على
مستوى إيمان العالم كله لأنه وُضع لشعب واحد لم يأتِ بثماره، وهذا الهيكل بذبائحه
الحيوانية لم يَعُدْ يليق بعبادة الله الكلي الوجود والذي لا تَسَعه السموات،
فالله لا يسكن هياكل مصنوعة
باليد. وبالاختصار نجد
أن خطابه يحوي كل النقاط التي ألهبَتْ جنون اليهود وأفقدتهم صوابهم، ولكن في
إيجابية وحكمة واتساع ونور مذهل للعقل. فالتحاور الذي دار بين ق. استفانوس وأصحاب
هذه المجامع، التي لا بد أنه مرّ عليها جميعاً وأفحم اليهود المتكلمين فيها، هو
الذي جمع كلمتهم ضده. فليس مجمع واحد بل كل المجامع استثارها مع أنه أراد أن ينير
بصائرهم ويشرح لهم حقيقة إيمان المسيح الذي كان يملأ قلبه ويُلهب روحه ويجعله
يتمادى في الحوار ويتمادى في
المقارعة ليَهُدَّ
تعصبهم الأعمى.

10:6 «ولَمْ
يَقْدِرُوا أن يُقاوِمُوا الحِكمَةَ والروحَ الذي كانَ يتكلَّمُ بِهِ».

القديس استفانوس كان من
طراز آخر غير الرسل، فالرسل التجأوا إلى النبوات وحسب، ووضعوها كما هي أمام
السنهدريم، وتمسَّكوا بحقائق سمعوها ورأوها وشهدوا لها وتمسَّكوا بشهادتهم
وبالمعجزات التي عملوها بالروح القدس.

أمَّا القديس استفانوس
فهو حكيم بمعنى فيلسوف، زاد فوق درايته العميقة بالفلسفة قوة الروح القدس فصارت حكمة
مسيحية لا تُضارع. ولك أن تتصور عزيزي القارئ فيلسوفاً متعمقاً في حكمته ودرايته
بأصول الكلام والحوار وإعطاء البيان والبرهان والتضييق على المقاوم والمكابر حتى
يسد أمامه كل طرق المماحكة. ثم أضف على ذلك نعمة الروح القدس وحكمة الروح الوديع
الهادئ الذي في نُطْق الكلمة يخرج معها نوراً وسيفاً معاً، نوراً إلهياً يكشف
الباطل وسيفاً يخترق النفس المُماحِكَة ويوقعها صريعة أمام الحق تتلوَّى وتختبئ في
ضلالها وكذبها، وبعد ذلك “قوة” الروح القادر بالآية والمعجزة أن يُخرس
المقاوم والمعاند.

وعندما يقول ق. لوقا
إنهم لم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلَّم به فإنه كان يعني أنه
صرعهم قبل أن يصرعوه، صرعهم بالحكمة والنعمة والروح، وهم صرعوه بالحجارة. أمَّا هو
فمات شهيداً لله والمسيح، وأمَّا هم فماتوا مشهوداً ضدهم من الله الحق.

11:6 «حينئذٍ
دَسُّوا لرجالٍ يقولُونَ إننا سَمِعناهُ يتكلَّمُ بكلامٍ تجديفٍ على مُوسى وعلى
الله».

شهادة الزور تلاحق
اليهود أينما لاحقهم الحق، وإلاَّ كيف يتخلَّص عابد الحرف من الحق إلاَّ بتحريفه!

أمَّا ناموس الحرف
فيقول في أمر الذي يجدِّف وكيف يُحاسَب:

+ » وأمَّا
النفس التي تعملُ بيدٍ رفيعةٍ (عن إرادة وقصد) من الوطنيينَ أو مِنَ الغرباءِ فهي
تزدري بالرب، فتقطع تلك النفس من بين شعبها لأنها احتقرت كلام الرب ونقضت
وصيَّتهُ، قطعاً تُقطع تلك النفس، ذنبها عليها.
«(عد 15: 30و31)

أمَّا استفانوس فقال عن
الله

شاهداً ممجِّداً هكذا بالحرف الواحد:

+ » ظهر إله المجد
لأبينا إبراهيم…
«(أع
2:7) فكيف يُقال أنه جدَّف؟

وعن موسى النبي
والناموس قال:

+ «فتهذَّب
موسى بكل حكمة المصريين وكان مقتدراً في الأقوال والأعمال … هذا أرسله الله
رئيساً وفادياً بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة، هذا أخرجهم صانعاً عجائب وآيات
في أرض مصر وفي البحر الأحمر وفي البرية أربعين سنة … الذي قَبِل أقوالاً حيَّة
(الناموس) ليعطينا إياها.» (أع 7: 22و35و36و38)

وعلى الهيكل قال:

+ » إلى أيام داود
الذي وجد نعمة أمام الله والتمس أن يجد مسكناً لإله يعقوب (أي أن الله لم
يأمره بل الإنسان طلب لنفسه ذلك). ولكن سليمان بنى له بيتاً. لكن العلي لا يسكن
في هياكل مصنوعات الأيادي كما يقول النبي:
السماء كرسيٌّ لي والأرض موطئ
لقدمي. أي بيت تبنون لي يقول الرب وأي هو مكان راحتي. أليست يدي صنعت هذه الأشياء
كلها.
«(أع 7: 4550)

فانظر أيها القارئ
العزيز كيف حرَّفوا
الحرف وصاغوا الحق
باطلاً، ومن كلام الله الذي استشهد به قلبوه تحريفاً وأقاموا أنفسهم التي باعت
نفسها للكذب والشيطان لتشهد بما لم تسمع، وتتكلَّم بكلام الكذب. ومأساة المسيح
التي أتقنوا تمثيلها مثَّلوها هنا أيضاً، ليستقر ذنب دم استفانوس عليهم وعلى
أولادهم مع دم المسيح هذه الآلاف من السنين.

لذلك لم يجد ق. لوقا
أصدق من كلمة
» دسُّوا «ليعبِّر بها عن تمثيلية
الغش والتدليس.

«حينئذ
“دسُّوا” لرجال يقولون»:
طpšbalon

والكلمة باليونانية
تعني وضعوا الكلام بعناد وتحت ضغط وبتدليس أو احتيال في أفواه هؤلاء الرجال
وبإحساس بالتزوير والخيانة للحق. كل هذه المعاني تحملها كلمة
» دسُّوا «

«كلام تجديف
على موسى وعلى الله»:

هنا استخدم اليهود
الذين يتمسكون بالحرف ويقتلون الروح مجرد نطق استفانوس “باسم الله”، في غير ما
ذكرته التوراة، أنه تدنيس للاسم بحسب قانون المِشْنَاه والسنهدريم الذي يقول: [أن
المجدِّف لا يُعتبر مذنباً حتى ينطق بالاسم]([15]).
وهنا أصبح “التجديف” هو “مجرد ذكر اسم الله”، إذ كان محرَّماً في
التوراة أولاً أن ينطق أحد باسم الله، لا حقًّا ولا باطلاً، وكان ذلك تخريجاً
متشدداً من الوصية التي سبق وذكرناها. والقانون التخريجي الذي كان يتعامل به
الرؤساء في أيام المسيح لم يكن فقط الاسم بل والتعبير عن الله بأي شكل. فالمسيح
اتُّهم بالتجديف لمَّا سأله رئيس الكهنة:
» أَأنت
المسيح ابن المبارك؟ فقال يسوع أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين
القوة وآتياً في سحاب السماء.
فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه وقال ما حاجتنا بعد
إلى شهود. قد سمعتم التجاديف، ما رأيكم، فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت.
«(مر 14: 6164)

والآن، لو ينتبه القارئ
يجد أن القديس استفانوس رأى بالفعل السماء مفتوحة «ويسوع قائماً عن يمين الله»
(أع 55:7) وهو النطق الذي حُسب على المسيح أنه تجديف، لأن السنهدريم كان متحيِّراً
على أي تهمة يستخرج حكم الموت، إلى أن قالها استفانوس بفمه فانقضُّوا عليه ورجموه
دون تكميل المحاكمة:
» فقال ها أنا أنظر السموات مفتوحة وابن الإنسان
قائماً عن يمين الله، فصاحوا بصوت عظيم وسدُّوا آذانهم وهجموا عليه بنفسٍ واحدة
(المجلس) وأخرجوه خارج المدينة ورجموه.
«(أع 7: 5658)

 ولكن قبل أن يعثر
السنهدريم على علَّة الحكم بالتجديف والقتل بقول استفانوس أنه رأى
» ابن الإنسان
قائماً عن يمين الله
«
كان المجلس قد عزم على استخراج حكم القتل بأنه تكلَّم ضد الهيكل وبالتالي ضد موسى
والله، بحسب ما أوصى المجلس شهود الزور أن يقولوا، الأمر الذي لم ينجح فيه نفس
السنهدريم سابقاً في استخراج القضية على المسيح بسبب هذه العلَّة:
» ثم قام قوم
وشهدوا عليه زوراً قائلين نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيدي
وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ، ولا بهذا كانت شهاداتهم تتفق
«(مر 14: 5759). والعجيب حقاً أنهم توقفوا عند هذه
التهمة الفاشلة وبدأوا يستجوبون المسيح لعلهم يعثرون من فمه على تهمة علنية
يأخذونها عليه
» فسأله رئيس الكهنة أيضاً وقال له أأنت المسيح ابن المبارك؟
فقال يسوع أنا هو، وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً في سحاب
السماء فمزَّق رئيس الكهنة ثيابه … إلخ
«(مر 14: 6163)

وهذا الإجراء والترتيب
في التحقيق الذي فشل شفوياً عن طريق الشهود، ثم عثروا على العلَّة من فم المسيح،
هو نفسه الذي تمَّ للقديس استفانوس. وهكذا فإن العقلية اليهودية وخطط القتل لا
تتغيَّر فهي متأصلة فيهم.

12:614 «وهيَّجوا
الشعبَ والشيوخَ والكتبةَ فقاموا وخطفُوهُ وأَتَوا به إلى المجمعِ وأقامُوا
شُهُوداً كذبةً يقولُونَ هذا الرجُل لا يَفْتُرُ عن أَن يتكلَّم كلاماً تجديفاً
ضدَّ هذا الموضعِ المقدَّسِ والنامُوسِ، لأَننا سَمِعناهُ يقُولُ إنَّ يسُوعَ
الناصريَّ هذا سينقُضُ هذا المَوضِعَ ويُغيِّرُ العوائدَ التي سلَّمنا إِيَّاها
مُوسى. فَشَخَصَ إليهِ جميعُ الجالسينَ في المجمعِ ورأَوا وجهَهُ كأَنهُ وجهُ
ملاكٍ».

نحن في أُورشليم،
والهيكل هو مجدها وبهاؤها، والشعب لا يُستثار بقدر ما يعلم أن هناك مَنْ يهدد
هيكلهم، فهو رمز الأُمة والمعبِّر عن مجدها وتراثها وآبائها وبالأخص موسى والله.
لهذا كان الشعب أول مَنْ أُثير، أمَّا الشيوخ فهم شيوخ الشعب ولا يمكن أن يُثار
الشعب إلاَّ وشيوخه على رأسهم، فشيوخ الشعب يحملون شخصية الشعب وفكره وعوائده
كأمانة، وكل ما كان لموسى هو ما لهم تماماً، فهم الحُفَّاظ على اسم موسى وكل ما
قال وعمل. والكتبة هم أصحاب الحَرْف ينسخونه ويتلونه، ولا وجود ولا قيام لهم بدون
الناموس الذي يتعيَّشون عليه، ويعيشون بمقتضاه، ويرتزقون من حروفه. وهكذا زاغ متعصبو
هذه المجامع المهزومون أمام حكمة استفانوس وقوة الروح الذي فيه وقد صغرت نفوسهم
فيهم إذ أحسُّوا أن لا حياة لهم ولا رجاءَ ولا عبادة طالما هذا الـ“استفانوس ”
يعيش، فموته هو حياتهم.

وفي حماسة الموتورين
وعلى عادة اليهود التي اشتهروا بها حتى اليوم قاموا وخطفوه وأتوا به إلى المجمع
كأبطال حرب ومنقذي الأمة من الفساد، وهم كقول كبيرهم غمالائيل إنما يحاربون الله
ويُفسدون تاريخهم ويحطّون أمجادهم إلى التراب، ويضعون نهاية لهيكلهم بأيديهم
ويلقون بأُورشليم وكل تاريخها ومجدها في البحر.

«هذا الرجل
لا يفتر عن أن يتكلَّم كلاماً تجديفاً

ضد هذا
الموضع المقدَّس والناموس»:

نفس الاتهام الذي
قُدِّم ضد بولس الرسول كما جاء في سفر الأعمال:

+ » فأهاجوا كل
الجمع وألقوا عليه الأيادي صارخين يا أيها الرجال الإسرائيليون أعينوا، هذا هو
الرجل الذي يعلِّم الجميع في كل مكان ضداً للشعب والناموس وهذا الموضع.
«(21: 27و28)

 

وقفة قصيرة
هامة للغاية

هذا الهياج وهذه التهم
وقومة الشعب قومة واحدة مع شيوخه وكتبته ليس من فراغ، فهو عن إحساس حقيقي بالخطر
عليهم وعلى عبادتهم وعلى هيكلهم وعلى أمتهم، فالذي علَّم به استفانوس هو حقاً
وبالفعل يُحسب حسب الحق المسيحي أنه هكذا بل وقد صار هكذا بالفعل، وهو الآن هكذا،
أين موسى؟ وأين الناموس؟ وأين الهيكل؟ وأين العبادة فيه بذبائحه؟ وأين العوائد؟
والختان؟ والسبت؟ والأهلّة؟ والأعياد؟ أين كل ما كان لإسرائيل في العالم المسيحي
الآن؟ وفي أُورشليم المسيحية نفسها؟

استفانوس كان يعلِّم بالحق
ولكن الذي كشف استفانوس وعرَّاه هذه الكشفة والتعرية المفاجئة والخطيرة، وأوقعه
هكذا وحيداً دون كافة الرسل فريسة في أيديهم وكأنه المسيحي الوحيد والتلميذ
للناصري الذي ينبغي أن يُقتل، هو أن الرسل لم يعلِّموا أو يتكلَّموا هذه المدة
كلها ضد ناموس موسى بل وقَّروه واحترموه باعتبار أن المسيح هو النبي الذي جاء مثل
موسى، فالمسيح بحسب تعبير ق. بطرس هو موسى الجديد! فالرسل لم يعلِّموا ضد الناموس
بل عاشوه وتعايشوا معه وصلَّوا مع المصلِّين في الهيكل وعيَّدوا معهم وجاملوهم،
ولذلك نسمع أن الشعب اليهودي كان يكرِّمهم ويعظِّمهم:
» ولهم نعمة
لدى جميع الشعب
«(أع 47:2). كذلك لم
يتكلَّموا قط ضد الهيكل، كما قال به المسيح، بل احترموه وعقدوا اجتماعاتهم فيه
وحافظوا على مواعيد صلواته واشتركوا فيها جميعاً. كذلك لم يتكلَّموا بكلمة واحدة
ضد العوايد، فكرَّموا السبت والهلال والعيد والصوم والختانة، وكانوا يختنون
أبناءهم. فلماذا يهيج الشعب ضدهم؟ أو كيف يُتَّهمُون أنهم ضد موسى أو الناموس أو
الهيكل أو العبادة؟

هنا تتضح معالم رسالة
استفانوس وتعاليمه الخطيرة، لتظهر وتتسجَّل في الكنيسة والتاريخ المسيحي أنها أول
كرازة بحسب تعاليم المسيح وبالنص، والتي صرخ بها استفانوس في وجه اليهود
والسنهدريم: إن هنا مَنْ هو أعظم من موسى، وهنا مَنْ هو أعظم من الهيكل، وهنا مَنْ
هو والله الآب واحد، وأن ابن الإنسان هو رب السبت، وأن ابن الإنسان جلس بالفعل عن
يمين الله في العظمة والمجد، وأن أُورشليم سوف تُحاط بمترسة و
» هوذا بيتكم
يُترك لكم خراباً … ولن يُترك فيه حجر على حجر إلاَّ ويُنقض
«

الرسل أبداً لم يكشفوا
الستار عن مثل هذه الحقائق بل لم يتصوَّروا أن المسيحية يمكن أن تصير ديانة بدون
الهيكل وصلواته وعوائده. أَمَا رأوا المسيح معلِّمهم يعلِّم في الهيكل ويصلِّي
ويعيِّد؟ ألم يكن المسيح مختوناً في اليوم الثامن؟ وهكذا وُلدت كنيسة الرسل داخل
الهيكل وعاشت وعايشت رؤساءَه وكهنته وفريسييه وكتبته، وظلت الكنيسة تجتمع في أروقة
الهيكل كل أيام الرسل، حتى ضاق الله بهم فحطّمه لهم تحطيماً، فلم ينتبهوا لما كان
الرب يسوع يرمي إليه حينما قال:
» هوذا بيتكم يُترك
لكم خراباً
«(مت 38:23)، حيث لا
يعني ذلك إلاَّ أن الهيكل لليهود فقط وسينتهي بنهايتهم. أمَّا أُورشليم فلم
ينتبهوا أنها ليست مدينتهم كما قال لهم:
» ومتى رأيتم
أُورشليم محاطة بجيوش فحينئذ اعلموا أنه قد اقترب خرابها … والذين في وسطها فليفرُّوا
خارجاً
والذين في الكور فلا يدخلوها.
«(لو 21: 20و21)

ولم يكن الرسل يعتقدون
أنهم سيتخلَّصون من عوايد اليهود الثقيلة التي صرخ ق. بطرس من تحتها وهو لا يزال
متمسِّكاً بها فيقول:
» فالآن لماذا تجربون
الله بوضع نير (الناموس) على عنق التلاميذ (في الأُمم) لم يستطع آباؤُنا ولا
نحن أن
نحملهُ
«(أع
10:15). وهكذا نرى كيف كان ضمير ق. بطرس يتمزق وهو مثقَّل بعوايد الناموس كنير على
ظهره يشتهي أن يلقيه عنه، ولا يعرف كيف، واليهود أمامه بالمرصاد!!:
» ولمَّا صعد
بطرس إلى أُورشليم خاصمه الذين من أهل الختان قائلين إنك دخلت إلى رجال
ذوي غلفة وأكلت معهم
«(أع 11: 2و3). فبطرس نفسه يقول بهذا: » ثم دخل (بيت
كرنيليوس الأُممي) وهو يتكلَّم معه ووجد كثيرين مجتمعين فقال لهم (مشيراً إلى
نفسه) أنتم تعلمون كيف هو محرَّم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو
يأتي إليه، وأمَّا أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما إنه دنس أو نجس
«(أع 10: 27و28). إذاً، فبطرس يؤمن ويعتقد أنه رجل يهودي يعيش بحسب
الناموس وعوايد اليهود تماماً. وبهذه الكيفية عاش يهودياً، وبالرغم

من
أنه تلقَّى تعليماً من الله أن لا يحجز نفسه عن الأُمم، عاد سريعاً ونسي الدرس:

+ » ولكن لمَّا
أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة (القديس بولس هو الذي يتكلَّم) لأنه كان
ملوماً.
لأنه قبلما أتى قومٌ من عند يعقوب (كنيسة أُورشليم) كان يأكل مع
الأُمم، ولكن لمَّا أتوا كان يؤخِّر ويفرز نفسه خائفاً
من الذين هم من أهل
الختان ورَاءَى معه باقي اليهود أيضاً.
«(غل 2: 1113)

انظر أيها القارئ وافهم
لماذا أبرز الله استفانوس في أخطر ميعاد، إذ كانت الكنيسة في أُورشليم بقيادة
القديسين يعقوب وبطرس تعيش يهودية مع اليهود وتراعي أنظمة اليهود والهيكل، ولا
رجاء إطلاقاً في تحرُّرها وذلك بسبب الخوف!! فكان يتحتَّم ظهور استفانوس
لا يخاف لينقذ الكنيسة المسيحية من مستنقع اليهودية. ولقد أنقذها
فعلاً بتعاليمه النارية المصوغة بالحكمة والروح القدس التي شملت كل مضمون المسيحية
الحقيقي كما قصده المسيح ونادى به، وكما نطق به الروح القدس في قلبه. وبعد أن
استراحت روحه أنه قد سلَّم الرسالة “للقاتل”، رقد تحت وابل الحجارة تاركاً
لشاول قيادة “كنيسة استفانوس” كما رسمها المسيح تماماً!

 

من أين جاءت هذه
المفارقة بين استفانوس والرسل

في فهم رسالة المسيح

 

كون استفانوس ليس من
يهود فلسطين بل يهودي يوناني من الشتات، فإن في ذلك تكمن كل الحقيقة. صحيح أننا لا
نعرف شيئاً عن عائلة استفانوس، أو في أي بلد من بلاد الشتات عاش وتربَّى، غير أن
ذكر كلمة
» الحكمة «أربع مرات في سيرته
المذكورة هنا توضِّح أنه ربيب سنهدريم الإسكندرية أي مجمعها، وربما
كان زميل أَبلُّوس أو فيلو، لأنه صاحب حجَّة ومنطق وحكمة لا تُجارَى ولا تُهزم.
فهو متضلِّع
في اليونانية ومتربِّي
على السبعينية. وأحكم دراسة التوراة على معناها المتسع وبالفكر اليوناني الذي
يتعمق الكلمات وما وراء الكلمات. ومَنْ يدرس الفسلفة اليونانية لا يصبح يونانياً
بل يصبح مثقفاً عالمياً والعالم كله يصبح جُزْءاً منه، فالإنسان في عرف اليونان هو
العالم الكبير
macrocosm والعالم بالنسبة له هو الصغير microcosm.
فاليهودية
التي تربَّى فيها استفانوس، تقبلت اليونانية
بارتياح على السبعينية، ولا بد أنه تخرَّج من تحت يد أعاظم الحكماء الربيين فصارت
يهوديته أكثر اتساعاً وأكثر فهماً للمسيح، بل وأكثر قدرة على فهم آفاق المسيح التي
تتجاوز الهيكل وأُورشليم والناموس وموسى. فحكمة المسيح حكمة الله، والله لا يُحصر
في قطر ولا في هيكل ولا في قانون أو ناموس ولا في سبت ولا في ختان، حتى ولو وُلد
تحت الناموس. فالمسيحية التي تَقبَّلها استفانوس ارتاحت على الحكمة وعلى المسيح
كمسيح العالم كله وكرب المجد. ومن هنا نشأت أسس المفارقة بين استفانوس ورسل
أُورشليم، لا مفارقة إيمان بل مفارقة تطبيق الإيمان. فإيمان الرسل يتسع لأهل
الختان من مواطني إسرائيل وأُورشليم، ولكن يضيق بأهل الشتات ذوي ختانةٍ كانوا أو غرلةٍ.
إذ كان يتحتَّم عليهم بحسب تعاليم الرسل أن يتهوَّدوا أولاً ويختتنوا ويحفظوا
السبت والتقاليد، وهذا كان تعليم اليهود المتنصِّرين الذين كانوا يأتون
» من عند
يعقوب
«ليزعجوا متنصِّري الأُمم.

لهذا فإن استفانوس
استظهر على الرسل في مجامع الشتات التي كانت بأُورشليم، ولكن أهل الختان من يهود
أُورشليم ضاقوا به، حتى رجموه.

وشخصية استفانوس ذات
سمات تكشف عن علو قَدْرِه ومقدرته. فبالرغم من الوداعة التي فيه، إلاَّ أنه كان ذا
سلطان في حديثه وخطابه. فبينما نسمع ق. بطرس يخاطب السنهدريم وقت محاكمته بقوله:
» يا رؤساء
الشعب وشيوخ إسرائيل …
«(أع 8:4) وكأنه يطوي نفسه تحت رئاسة الرؤساء ويتصاغر تحت شيوخ
إسرائيل! نجد استفانوس وهو عالم بأنه قادم إلى محاكمة ستؤدي إلى قتله فلم يطأطئ
الرأس لقتلة المسيح أبداً إذ خاطبهم:
» أيها الرجال الإخوة
والآباء…
«(أع 2:7)، وهي
مقولة تُنطق بروح الحرية:
» الإخوة «لكل مَنْ هم
دون رؤساء الكهنة و«الآباء» لرؤساء الكهنة الذين يمثّلون الآباء! وقد كان
استفانوس كثير الشبه بشاول المدعو بولس، وكأن روحه استقرت فيه. فشاول لم يتعلَّم
تحت رجليِّ غمالائيل، بل تحت حكمة استفانوس وتتلمذ لروحه. وإشراق وجه استفانوس كوجه
ملاك هو الذي أهَّل شاول لرؤية وجه المسيح من السماء.

ونحن إذا اعتبرنا بطرس
رسول الختان لليهود وبولس رسول الغرلة للأُمم، فاستفانوس هو الصلة التي حملت
وسلَّمت كل ما لبطرس لبولس. وسوف نرى في خطاب استفانوس كيف انتقلت التوراة إلى
الإنجيل ومعها كل التقليد ومذَّخرات أمجاد الآباء والقديسين، بل والتاريخ القديم
برمّته. فمركز استفانوس هو خلف المسيح مباشرة يمسك التوراة بيد ومعها العهد
القديم، وباليد الأخرى الصليب ومعه العهد الجديد. فكل مبادئ المسيح وأفكاره
واستعلان أعمق تعليمه وأهدافه ومحيط رؤياه من الألف إلى الياء كانت مطبوعة على قلب
استفانوس وذهنه نطقها في خطاب واحد علني وشفاهي وفي جلسة سنهدريم واحدة كانت هي
جلسة الموت. كان كنور البرق الذي ظهر فجأة قوياً شامخاً ممتداً لينحسر بعد لحظة،
ولكن شدة هذا النور وومضاته رددتها السماء والتقطتها الأرض لتطبعها على شاول المدعو
بولس، وكل مَنْ سمع وتتلمذ على بولس. لقد نُسي استفانوس ولكنه بقي مُخلَّداً في
بولس.

15:6 «فَشَخَصَ
إليهِ جميعُ الجالسينَ في المجمعِ ورَأَوا وجهَهُ كأَنَّهُ وجهُ ملاكٍ».

[أيها الحمل
الوديع المتقدِّم في القطيع (الأول بين السبعة)،

وَقَفتَ تحارب بين
الذئاب (وأنت لا ظفر لك ولا ناب)،

سِرْ فأنت في ظل القدير
وعلى نفس درب الصليب تسير،

وما بقي لك إلاَّ
اليسير. وها وجهك كوجه ملاك ينير،

الذئاب حولك (تعوي)
وشمس البر فوقك والمجد والتجلِّي،

وقفت بين عدو ومنتقم
وأنت بريءٌ من غش ومن ظلم.]

(عن القديس أغسطينوس
بتصرُّف)

 

هذه الآية جاءت متقدمة
نوعاً عن مكانها، فمكانها:
» وأمَّا هو فشخص إلى
السماء وهو ممتلئ من الروح القدس فرأى مجد الله ويسوع قائماً عن يمين الله
«(أع 55:7). هي هي أشعة المجد الأسنى وجدت لها في وجه استفانوس صفحة
ناصعة حساسة لتنعكس عليها! ما أبهى وجه الإنسان حينما تنعكس عليه صورة وجه المسيح!
موسى كان أول مَنْ التقط صورة المسيح من وراء الدهور وعكسها على شعبه ففزعوا
وطالبوه بلبس البرقع كما طالبوه أن لا يتكلَّم الله معهم أبداً. استفانوس نقل صورة
وجه المسيح لهم كما نقل كلامه فقتلوه حالاً إذ لم يطيقوا وجه المسيح ولا كلامه.
نظر استفانوس إلى السماء فرأى مجد المسيح، فتمَّ فيه قول بولس خليفته:
» ناظرين مجد
الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغيَّر إلى تلك الصورة عينها.
«(2كو 18:3)

ويقيناً قالها بولس
وصورة استفانوس في ذهنه التي ألهمته الرؤيا والنظر والمجد الذي ينطبع في القلوب
فيضيء الوجوه. ومَنْ الذي نقل لنا هذه المقولة إلاَّ شاول نفسه سابقاً وهو في حالة
الذئب الجالس في وسط السنهدريم، وها هو هنا يحكي للقديس لوقا أعزَّ وأمرَّ ذكريات
حياته. أمَّا كيف قاوم شاول مشاعره فيقتل هذا الملاك، فاسأل عنه الناموس ورئيس
الكهنة:
» لأن الخطية (القتل) وهي متخذة فرصة بالوصية (الناموس)
خدَعَتني بها وقتلَتْني (فتجرأ وقتل حامل النور والشاهد له).
«(رو 11:7)

ولماذا لا يشهد الله
لشهيده؟ فقبل أن يقتلوه وهبه مجده الأسنى، فلمع وجهه كوجه موسى أو كملاك، هي
الذُكْصا التي قدمها استفانوس للمسيح على الأرض، فردَّها له من السماء تحية
واعترافاً برضاه! لقد خرج من الجسد بهذه الذُكْصا والنور يلفُّه، تحمله الملائكة
إلى حيث المسيح جالس! وكأن الله يقول لهم:
» هذا ملاك
وليس إنساناً
«

ثم عود مرة أخرى للنص
لأن فيه عجباً عجاباً. إذ يقول إن الذي شَخَصَ والذي رأى هذا هو جميع
p£ntej الجالسين، يا للعجب!
رئيس الكهنة رأى ذلك؟ وما تحرَّك قلبه! لقد صحَّ فيهم قول المسيح عن قول إشعياء بل
عن كل الأنبياء: لهم عيون تبصر ولا يبصرون، وقد أعمى عيونهم حتى لا يبصروا فأعود
فأشفيهم!!



([1]) Bruce, I, p.
151.

([2]) .Chrysost. Acts. op. cit.,
p. 90 od boc

([3]) Ibid.

([4]) قد يكون اسم “سميكا” الذي يُطلق على تسمية إنسان يعني “المختار”
من أصل عبري.

([5]) Ibid., p. 90.

([6]) Chrysostom, op. cit., p. 91.

([7]) Ibid.

([8]) Bruce., I. p. 153.

([9]) H.E. III, 31, 4.

([10]) Rackham, Acts, p. 86.

([11]) C.H. Turner in Hasting Dict. 1898.

([12]) K. Bornhauser & C. Spicq. cited by
Bruce II p. 131.

([13]) Bruce II. p. 133.

([14]) Ibid.

([15]) Ibid. 134.

مشاركة عبر التواصل الاجتماعي