الإصحَاحُ
الرَّابعُ

 

الخطاب
الثاني عشر

1يو
4: 1 – 6

"أيها
الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لأن أنبياء كذبة
كثيرين قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرفون روح الله. كل روح يعترف بيسوع المسيح إنه
قد جاء في الجسد فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي والآن
وهو في العالم. أنتم من الله أيها الأولاد وقد غلبتموهم لأن الذي فيكم أعظم من
الذي في العالم. هم من العالم لأجل ذلك يتكلمون من العالم والعالم يسمع لهم. نحن
من الله فمن يعرف الله يسمع لنا ومن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح
الحق وروح الضلال".

 

قبل
أن يواصل الرسول موضوع ثبوت الله فينا معروفاً بواسطة الروح المعطى لنا كما قرأنا
في نهاية الإصحاح الثالث (عدد 24) نراه يتحول إلى الموضوع الخطير الذي أمامنا
محذراً إيانا ضد هجمات العدة على أساس الإيمان وذلك بتذكيرنا بالحق الخاص بشخص
المسيح وبإعلان الله الصريح عنه بفم الرسل الملهمين والأنبياء الذين هم عطايا الرب
الممجد وكما هو مدون في كتب العهد الجديد.

 

فالكلام
هنا ليس كما في تعليمه السابق عن العلامات التي تميز المسيحي الحقيقي عن المدعين
أو الخادعين نفوسهم، ولكن إشارته إلى الروح القدس في ختام الإصحاح السابق قادته
إلى الخروج قليلاً عن خط سيره – كعادته كما رأينا – ليحدثنا عن موضوع له خطره
البالغ فيما يتعلق بالحق الأساسي خاصاً بالعلامات التي نستدل منها على الحق ذاته.
وهذه العلامات اثنتان: شخصية ذاك الذي ظهر في الجسد، ثم إعلانه بواسطة شهود
مختارين من الناس لكي يتسنى لنا، وقد كان له المجد إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً،
أن نحصل على الخبر الخاص بتلك البركة السامية الفائقة – الخبر الإلهي نظيره –
مطبوعاً بطابع سلطان الله بواسطة أناس ملهمين ومعينين لهذا الغرض* فهو الذي على
قبوله تتوقف الحياة الأبدية وكل امتيازات المسيحي وامتيازات الكنيسة التي كان
الرسول بولس خادماً لها بصفة خاصة. وهو الذي يترتب على رفضه حلول غضب الله على
جميع رافضيه (يو 3: 35 و36). وبما أنه جاء من السماء، وبما أنه هو الحق بالنعمة
المطلقة لذلك عنى الله بأن يهيئ للإنسان بواسطة الإنسان سمع أو لم يسمع – أضمن
إعلان في صورة مناسبة لضمير وقلب الإنسان ولكن بحراسة وإرشاد الله الذي لا يمكن أن
يخطئ.

 

وإذا
كان الله قد سر على أساس الفداء أن يعطي الروح القدس للمسيحي بصورة وكيفية لم تكن
ممكنة قبل موت المسيح وقيامته وصعوده، فإن الشيطان نصب نفسه لتقليد وتزيف العطية
السماوية ومعاكسة الآب والابن والروح القدس وذلك بواسطة أشخاص مرتدين، أنبياء كذبة
كثيرين ليسوا فقط يضلون الآخرين ويقودونهم إلى التهلكة بل يذخرون لأنفسهم نقمة أشد
وأقسى مما يصيب اليهودي المجرم أو الأممي المظلم. ومن هنا كانت عناية الرسول
بتقديم بينة الحق المزدوجة في بساطة تامة لمعاونة كل مسيحي يحتاج إليها.

 

 "أيها
الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله". فالأمر هنا ليس
تمييز المسيحيين الحقيقيين بل أولئك الذين يدعون أنهم يتكلمون بالروح. فهذا قد
قلده العدو، وله في هذا الميدان قدرة عظيمة على الإقناع الماكر منذ تجربة الإنسان
الأول في الجنة. "ذاك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس
فيه حق. متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب" (يو44:8)
ولقد كانت هناك أرواح شريرة أكثر من ذي قبل لمقاومة روح الحق لأن أروحا ً نجسة
كثيرة قد طردها قدوس الله ممن كانت ساكنة فيهم يوم كان له المجد هنا على الأرض.

 

 والواقع
أن إخراج الأرواح النجسة كانت أول معجزة يدونها لنا إنجيل خادم الله والإنسان
(إنجيل مرقس) – الخادم الإلهي المبارك – ومنها نفهم أن كلمة المسيح كانت فيها
القوة لبركة الإنسان وطرد الشيطان. والآن وقد مضى رسول الغرلة الباسل المقدام فها
هو تحذيره لشيوخ كنيسة أفسس قد أخذ يتحقق سراعاً " لأني اعلم هذا أنه بعد
ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية، ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون
بأمور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم" (أع20: 29 و 30).

 

وقد
تعاظمت موجة الشر أمام عيني آخر الرسل (يوحنا الحبيب) ولذلك هو يهيب بكل قديس
مناشداً إياه بحق أيمانه وبكلمة الله، مجرداً البدعة الإبليسية من كل رونق جذاب
ومن كل حاسة عاطفية خداعة يخفي العدو وراءها أخطر تعاليمه الهدامة التي هي في
الواقع ليست سوى ابتعاد عن الله وإنكار لكلمته تحت ستار الإدعاء بحق جديد أسمى.
فالبعض من أضداد المسيح أنكروا ناسوت المسيح الحقيقي والبعض الآخر أنكروا لاهوته
الحقيقي وآخرون أنكروا اتحاد اللاهوت والناسوت في شخص واحد. وبهذه الطريقة أو تلك
كانوا يحاولون تقويض حقيقة شخص سيدنا وبالتبعية حقيقة عمله أما القديسون فقد عرفوا
الآب ويسوع المسيح الذي أرسله وكان لهم الروح القدس لمعاونتهم. وهكذا كأولاد لله
بسطاء لم يكونوا مسؤولين فقط بل وبالنعمة قادرين على امتحان طبيعة الروح العامل في
تلك "الأنوار" الجديدة وقد كانوا تحت التزام من أجل اسمه ومن أجل خير
نفوسهم أن يغربلوا ما تنطوي عليه تعاليمهم من بدع ومستحدثات "لأن أنبياء كذبة
كثيرين قد خرجوا إلى العالم". أكان أولئك المغرورون أنبياء؟ لقد أعطى المسيح
"الرسل والأنبياء" الحقيقيين الذين يكونون معاً أساس الكنيسة تعليمياً.
فعندما مرقس ولوقا (فضلاً عن يعقوب ويهوذا كاتبي الرسالتين اللتين باسميهما)
اللذان (أي مرقس ولوقا) لم يكونا رسولين بل نبيين. وقد قام الشيطان يقلد هذا،
مستعينا في تقليده بأولئك الأشخاص غير المؤمنين اللذين خرجوا إلى العالم ليضلوا
ويتلفوا ويهلكوا. وهكذا كان " أنبياء كذبة كثيرون".

 

والعلامة
الأولى أو الامتحان الأول خاص بالروح. "بهذا تعرفون روح الله كل روح يعترف
بيسوع المسيح (أنه قد) جاء في الجسد فهو من الله". وهنا أقرر بأن الصيغة
الحالية لهذا العدد – سواء في بعض النسخ الإنجليزية أو في النسخ العربية – لا
تساعد كثيراً على تأدية المعنى الذي يريده الرسول. فان عبارة " أنه قد
جاء" ليس فقط لا يتطلبها الأصل بل تجعل الأمر كأنه مجرد اعتراف بحقيقة
تاريخية في حين أن الكلمة الرسولية تعني الاعتراف بشخص الرب متجسداً. وإلا فهل
صحيح أن أي روح شرير ينكر الحقيقة التاريخية بأن يسوع المسيح قد جاء في الجسد؟ ألا
يعترف المسلمون بهذه الحقيقة بغير تردد إن كان اليهود لا يسلمون بها؟ بل من المحقق
أن جانباً من أكثر الملحدين تطرفاً وأشدهم خطراً يسلمون بهذه الحقيقة ويثنون على
الرب بطريقتهم الخاصة باعتباره المعلم العظيم وأفضل من وطأت قدماه وجه الأرض.

 

ولكن
ليس هناك اعتراف حقيقي بشخص الرب كما يرسمه الرسول هنا إلا بروح الله. ولئن كانت
كلمات الرسول قليلة وموجزة إلا أنها تصل إلى صميم الموضوع لقد تسمى كثيرون باسم
"يسوع" في الفترة بين يشوع بن نون ويسوع ابن مريم العذراء. ولم يكن
أولهم – بحسب منطوق الكتاب – إلا رمزاً ليشوع أعظم منه بكثير. ومن المحتمل أن
كثيرين سموا بعد ذلك بهذا الاسم الكريم ولم يكونوا به جديرين. وبالأخص ذلك
"الباراباس" الذي فضله اليهود المجرمون على رب المجد. إذا كنا نصدق ما
يقوله عنه الكثير من كتب التقليد. أما المؤكد فهو أنه كان يلقب باراباس (أي ابن
الآب) تقليد إبليس لابن الآب الحقيقي.

 

وفي
الإصحاح الأول من إنجيل متى يعطينا الروح القدس ترجمته لهذا الاسم الكريم بالقول
"وتدعوا اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" فو إن كان يشوع استطاع أن
يقود إسرائيل إلى كنعان رغم حشود الأعداء الذين كانوا يترصدون لهم في كل مكان فإن
المرموز له وحده (الرب يسوع) هو الذي استطاع أن يخلص شعبه من خطاياهم. فهو ياه،
الرب-الكائن، الرب السرمدي، الأبدي المطلق، الأزلي نسبياً وتاريخياً. وحيث أنهم
كانوا شعبه فهو الذي كان عليه أن يخلصهم من خطاياهم الأمر الذي لم يكن يستطيعه
سواه، الذي هو أيضاً عمانوئيل، الله معنا، وليس غيره كان يحق له أن يتخذ هذا
اللقب. وإذا كان شعبه قد رفضه فجلبوا على أنفسهم الخسران الموقوت، فإن نعمته تتجه
إلى الأمم المسلوبين المساكين ولو على الأقل إلى الذين يسمعون صوته منهم. نعم
فإلينا نحن الأمم (- كما كنا قبلاً) اتجه هذا الخلاص. على الأمم وقد انتفخوا في
عدم إيمانهم وكبريائهم لابد أن يقطعوا كما قطعوا اليهود جزئياً لكي ندخل نحن. ولكن
أخيراً سيرجع إسرائيل إلى مسياهم الذي صلب، الممجد عندئذ والمرتفع والمتسامي جداً،
ويتحررون من كل خوف داخلي أو خارجي "وهكذا سيخلص جميع إسرائيل" فإن
محبته تكون قد صبرت عليهم طويلاً وظلت أمينة لهم وفية لعهدها بلا كلل ولا ملل حتى
وصلوا إلى أعماق شرهم وآلامهم، لأن إلى الأبد رحمته، وهباته ودعوته بلا ندامة.

 

هذا
هو "يسوع المسيح" الذي يعترف به كل روح من الله. مع هذا الفارق وهو أنه
الآن معروف في المسيحية معرفة أعمق وأوثق مما كان مقدماً لإسرائيل الذين سيعرفونه
في أمجاد ملكوته العتيد المنظورة. على أن الذي جاء في الجسد هو ياه المخلص (يسوع)
كما هو أيضاً مسيح الله أو المسيح. هو الذي يمجده روح الحق ويبغضه روح الضلال
"وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح جاء في الجسد فليس من الله".٭

 

إن
اسم يسوع هو التعبير عن كل ما في ذاته الكريمة كما أعلنه الله، وذلك لصالحنا إذ
نجد فيه كل ما يعوزنا، وكل ما فيه غبطتنا الأبدية. وليس هذا الاسم المحبوب معبراً
فقط عن السمو الفائق الذي لكل ما فيه أو ما ينال بواسطته بل هو وحده الذي يكشف لنا
عن حقيقة كل شخص وكل شيء. فهو الحق موضوعيا ً(أو خارجياً) كما أن الروح القدس هو
الحق داخلياً أي القوة الباطنية التي تعيننا على التعرف بالمسيح والاستمتاع بكل ما
فيه أو ما ينال منه (1يو5: 6) فهو (أي المسيح) وحده الذي يقودنا إلى معرفة صحيحة
بالله. هو الذي يرينا الآب، وهو الذي يعلن لنا – وليس للعالم – الروح القدس. أعني
أنه يعلن الثالوث الأقدس، وفي المسيح وحده نعرف النور والحياة و المحبة كما هي من
الله، وفيه نعرف الطاعة والبر والقداسة والوقار والاتكال والأمانة و التواضع
والوداعة. ونعرفها كلها في كمالها المطلق. وفيه نرى الإنسان موضوع لذة الله. وفي
نور حياته نرى الإنسان في عدائه لله تحت سطوة الشيطان – أي حقيقة الإنسان كما هو
بحسب الطبيعة. وكذلك بواسطته نعرف ما هو الشيطان في بغضائه وخداعه. وبدون المسيح
لا يكون لدينا سوى ظلال الفداء والكفارة، الذبيحة والتقدمة، الكاهن والقدس. فهو
وحده حقيقتها وتمامها جميعاً، معطيا ًلكل شيء صفته الحقيقية ونسبته الصحيحة لله،
وهو نفسه مركزها جميعاً وهكذا في المسيح وبالمسيح نعرف الله والإنسان والشيطان وكل
شيء. فهل أنت في شك من جهة أمر ما؟ أدخل المسيح في القضية وسلط نوره على المعضلة فحينئذ
سينجلي لك الحق من كل جوانبه. أليس هو محك الحق وقياسه الكامل؟

 

وهكذا
بينما نرى عشاق الجدل والنقاش يهيمون في بيداء الحدس والتخمين طلباً لمعرفة الحق
الذي يشق على أصلب العقول الطبيعية عوداً، إذا بالنعمة تهب الحق في المسيح لأبسط
مؤمن يعتمد عليه كمن هو كل شيء له. وهذا هو سر المسألة: إن المسيح هو الحق
موضوعياً كما أن الروح والحق كقوة داخلية لإعانة روح الإنسان. ولئن كان أولئك
"الأنبياء الكذبة" الأنانيون المنتفخون يقولون "للأولاد
الصغار" أنهم لا يقدرون أن يستغنوا عنهم لن عندهم وحدهم "الروح" في
حين أن الأولاد لا يملكون سوى "الحرف" فان المؤمن يعلم إن له المسيح
الابن ظاهراً في الجسد، ويأتي أن يفرط في ما سمعه "من البدء" وهو الحق
المدون الآن في كلمة الله المكتوبة هو لا يدعى بأنه يحقق في نفسه في وقت واحد كل
ما هو مكتوب عن الحق وإنما يعلم أنه وقد فاز بالمسيح الحق، فقد امتلك الحق كاملاً
في شخصه المحبوب ويعتمد على مسحة الروح للتطبيق والاستفادة العملية على قدر
الحاجة. ومن أجل ذلك هو يشعر بأهمية ثباته هو في الابن وفي الآب. أما التفريط في
المسيح المعلن على هذه الصورة فمعناه التجرد من المسيحية. ولذلك فعندما كان العدو
يستعمل معول الادعاء بحق أسمى ليهدم به شخص سيدنا نرى الروح القدس يعيد النفوس إلى
ذاك الذي كان ولا يزال هو الحق. وإذ هو كذلك فلا مجال فيه للتطور أو التدرج الذي
لا يعدو أن يكون أكذوبة شيطانية تعلن عن حقيقتها بواسطة نكران الحياة الأبدية كشيء
معروف ومدرك باعتبارها هبة الله في الوقت الحاضر. أما الأكذوبة فلا تقدم سوى
"آراء" ونظريات جوفاء.

 

وإزاء
ذلك تعطينا النعمة محكاً أكيداً مضموناً به نعرف متى يكون الله معلماً الحق ومتى
يكون روح الضلال موحياً بالأكذوبة العظيمة. وهذا هو المحك: أن روح القدس يمجد الرب
يسوع، أما روح الضلال فيطري العالم باعتباره الأداة التي يستخدمه إبليس للخداع
والتضليل بقدر ما يستطيع. وإن كان لا يقوى على تضليل المختارين، فإن على اتهامهم
قدير، يحاول أنت يظهرهم قوماً متزمتين متعصبين ضيقي الفكر، وكل ذنبهم أنه لم تغرر
بهم الأولان البراقة التي يضفيها الشيطان على أعماله الشريرة، وإنهم يصدقون الله
فيما شهد به عن ابنه وهنا يجب التفرقة بين الإيمان والتسليم الأعمى الذي ليس هو
إلا تصديق الإنسان فلا يمكن بحال من الأحوال إيجاد علاقة ورابطة بالله إلا على
أساس تصديق الله وذلك عن طريق كلمته المكتوبة. فإذا قد شهد الروح القدس للرب كابن
الله المتجسد فما على الإنسان إلا أن يصدق كلمة الله ويؤمن بالرب يسوع المسيح
الحياة الأبدية أما معرفة أية حقيقة عنه مهما كانت صحيحة وهامة فهي ليست الإيمان
به والاعتراف بشخصه. إن الحياة هي في ابنه. وقد جاء الابن في الجسد، ولهذا كان
يسوع "أعجوبة النعمة الإلهية ومحك الحق الإلهي". وبالاعتراف به معناه
الإقرار بحقيقة شخصه كمن جاء في الجسد.والفرق هائل وبالغ الأهمية. وهو ليس هاماً
وخطيراً فقط بل وحيوياً أيضاً. ليس الإيمان بحقيقة ميلاده بل الإيمان بشخصه الأزلي
مولوداً بهذا الاعتبار. وهذا هو الاعتراف الذي يعترف به كل من هو من الروح القدس.

 

يظن
كثيرون أمن المراد هنا إنما هو حقيقة التجسد. لا شك أن التجسد متضمن فيها وهو حق
خطير الشأن من حقائق المسيحية الجوهرية وثمرة النعمة الغنية، وقد كان هناك من قام
بنكره حتى في تلك الأيام القديمة نازلاً به إلى مستوى الأديان الأخرى التي تقول
بنظرية التشبه. وهنا ليسمح لي القارئ أن أشير إلى ذلك الكتيب الخرافي البالي الذي
يقال إنه اكتشف حديثاً باسم "إنجيل بطرس" وهو كتيب ليس فقط زائفاً
ومزوراً بل هرطوقياً من الدرجة الأولى – وإن دل على شيء فعلى صدق أقوال يوحنا إذ
هو يحمل في طياته الشهادة على وجود روح الظلال القتال منذ الأيام الأولى، ويحزننا
أنه كتب على الإطلاق، ذلك لأنه ينطوي على ضلالة لا يمكن أن تخرج من فم مسيحي عادي
فكم بالحري من بطرس. لكن بطرس الذي ظلموه كان محبوباً لغيرته، ولعل الكثيرين ممن
كان يصعب عليهم استيعاب تعاليم بولس استيعاباً كاملاً كان يشوقهم جداً أن يستمتعوا
بكرازة بطرس وقد استغل المزور الأثيم صيت الرسول (على الأرجح بعد موته) ومهد لقبول
أسطورته الأغنوسطية تحت ستار اسمه، وذلك لأن محصل تلك الأسطورة هو أن المسيح لم
يأتي في الجسد لكي يموت على الصليب بل إن من اتخذ الجسد خيمة كما يسكن الإنسان في
بيت، بمعنى أن الجسد المادي لم يكن جزءاً من شخصه، وإنه بعدما عاش في الجسد فترة
من الزمن. وإذ اقترب من الصليب ترك ذلك المسكن ومضى إلى السماء.

 

أو لا
يرى القارئ شبهاً لهذه الضلالة في دين ما؟ فهناك يزعمون أو يتصورون أنه في اللحظة
الأخيرة الحاسمة استعمل الله سلطانه واستبدل يهوذا الإسخريوطي بالرب يسوع الذي
رفعه إليه. فالبدعة الأغنوسطية وأختها التي أشرنا إليها تزعمان أن الرب لن يأتي
فوق الصليب، ولو أن أصحاب هذه النظرية الأخيرة يعتقدون أن الرب سيأتي مرة ثانية
ليدين العالم وأنه سيجد كل العالم حينئذ في حالة الارتداد. وهم في ذلك أحسن من
كثيرين من الجهلة في النصرانية ممن ينادون في كل مكان لتحسين مطرد في العالم
ويمنون أنفسهم وسامعيهم بحالة من الكمال الإنسان على الأرض بدون المسيح. وليس
مخجلاً ومذلاً أن ينادوا بملكوت بغير ملك؟ لا ريب في أن البعض يتوقعون انسكاباً
آخر للروح – انسكاباً اعظم من الأول – لتحقيق هذا التحسين والكمال المنتظر
المنشود، ولكن الواقع المستفاد من كلمة الله هو أن الروح القدس سيسكب هكذا مرة
ثانية تكريماً لملك المسيح على الأرض.وهناك دين من الأديان (وهو الذي أشرنا إليه
سابقاً) يعتقد أصحابه أنه في الأزمنة المقبلة سيكون قد هجروا كتابهم كما سيهجر
اليهود العهد القديم والنصارة العهد الجديد (أي الارتداد العام) والكتاب المقدس
يرينا أن النصرانية تسير صوب هذا الارتداد بسرعة، ولعل أقوى حافز وعامل على هذا
الاتجاه يقوم في تلك النظرية اللا دورية التي تنكر صحة الوحي والتي تسود في
النصرانية منذ الآن.

 

ولكن
أمامنا هنا محك الحق "كل روح يعترف بيسوع المسيح جاء في الجسد فهو في
الله" فالروح الصادق الحقيقي يعترف بشخص المسيح. ومن المهم جداً أن نفهم هذا
الحق، لأن مجرد التشديد على حقيقة أنه "جاء في الجسد" قد تؤدي إلى نسيان
من هو الذي جاء هكذا. لا شك أن مجيئه في الجسد حق خطير وهام ولكن أخطر منه وأهم
حقيقة ذاك الذي جاء هكذا. فمن هو الذي حاء في الجسد؟ إنه لا يمكن أن يقال عن أي
إنسان بشري أنه جاء في الجسد. خذ أعظم الأباطرة الذين شادوا الإمبراطوريات العظيمة
– نبوخذ نصر أو كورش أو الإسكندر أو القيصر وخذ أشهر الأسماء التي لمعت في عالم
الأدب أو الفلسفة أو الخطابة أو العلوم وما إليها. لا يستطيع أحد أن يقول بحق أن
أياً منهم جاء في الجسد. والسبب بسيط، وهو أنه لم يكن ممكناً لهم أو لنا أ، نظهر
في عالم الوجود بالمرة ما لم نولد في الجسد. أما العجب، والحق، والنعمة
اللانهائية. فهي أن سيدنا جاء في الجسد. فهو أقنوم إلهي، ابن الله الخالق الذي به
كل شيء كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. ومجيئه في الجسد هو شيء مجيد للغاية لله
وللإنسان في وقت واحد. والحق أن شيئاً في الأزل السحيق لا يقارن بمجيئه متجسداً
سوى موته على الصليب، أما في الأبد العتيد فليس لهذه الحقيقة الفريدة من مثيل.

 

لكن
الأمر الجوهري ليس مجرد ما صار له المجد، بل من هو الذي صار جسداً. كان في مقدوره
بكل تحقيق أن يأتي في غير هذه الصورة. كان في مقدوره. أن يأتي في مجده الشخصي، أو
في مجد ملائكي (كما ظهر فعلاً مراراً في هذه الصورة في أزمنة العهد القديم لفترات
عابرات) غير أنه سر أخيراً أن يأتي في الجسد ليمجد الآب ويبرر الله كالله، ويبارك
الذين يؤمنون، ويدين الذين يرفضون، ويرد الخليقة، ويبيد إبليس وينقض أعماله. وكل
هذا يدور حول كيانه الأزلي ومجده الإلهي. وهذا هو تعليم يوحنا في رسالته كلها كما
في إنجيله، ونبوياً في سفر الرؤيا. وهو متضمن هنا في المحك الذي يزودنا به للتمييز
بين روح الله وروح الضلال.

 

إن
روح الضلال لن يعترف به. ذلك لأن جميع هذه الأرواح ترهب الرب يسوع وتخافه خوفاً
عظيماً والسبب في هذا الخوف الطبيعي فيها هو إنها تعرف يقيناً أنه أقنوم إلهي وإنه
الشخص المعين ليس فقط ليدين العالم بل على وجه خاص ليعاقبها باعتبارها الأداة
الماكرة الخبيثة التي لا تكف عن مقاومة الله وإيصال الأذى للإنسان. ومن هنا كان
خوفها الرهيب وارتعادها العظيم كلما ألفت نفسها في حضرة الرب أو كلما وجهت بطلعته
البهية. كما هو مكتوب في رسالة يعقوب "الشياطين يؤمنون ويقشعرون". ومن
الأسف أن الإنسان لا يساويهم في هذا. فهو لا يؤمن ولا يقشعر. ولكن سيأتي يوماً فيه
يتحتم عليه ذلك ولا مفر. إذاً فقد عرفنا المحك الأول. وهو شخصية ذاك الذي جاء في
الجسد. والواقع أن الحق الخاص بيسوع المسيح يضيء في هذه الرسالة من مطلعها حتى
نهايتها.وهو هنا يقدم لنا في كلمات قليلة مركزة باعتباره المحك الذي به نميز روح
الحق الذي جاء ليمجد المسيح.

 

بعد
ذلك يقدم لنا الجاني العكسي. "وكل روح لا يعترف بيسوع فهو ليس من الله".
وهذه هي الصيغة المختصرة التي يقرها أبرز النقاد، وهي في هذا الوضع تعزز الأقوال
السابقة وتوضح جلياً أن الاعتراف بشخص المسيح – لا بمجرد حقيقة متعلقة به – هو
المقصود هنا، لأن غواية روح الضلال لا تقوم على إنكار حقيقة مجيء المسيح في الجسد
بل تدور حول إنكار شخصية الرب يسوع الأزلية ومن هنا كان ذكر الاسم الكريم فقط
"يسوع" في هذا العدد مسبوقاً كما قلنا في الأصل اليوناني بأداة التعريف
"أل" أي بالشخص السابق وصفه. هذا الاعتراف وحده هو الكفيل بالكشف عن روح
الضلال. ليس فقط أنه جاء وأنه كان إنساناً حقيقياً وأنه سيأتي ثانياً. هذا كله
يعترف به أصحاب الدين الذي أشرنا إليه ومع ذلك فهم – كما يسمون غيرهم – غير
مؤمنين، وذلك لأنهم لا يؤمنون بمجد شخصه. وإنما هم يعتبرونه نبياً، رجلاً عجيباً،
يفضل جميع أبناء البشر، والمعين دياناً للعالم يوم يأتي ليملك سبع سنين! ولكنهم لا
يؤمنون بلاهوته أو انه أخلى نفسه من مجده الإلهي ليظهر نعمة الله.

 

فإذا
سلمنا بهذه الصيغة المختصرة فإننا نجد أنها لا تجعل فارقاً بين الجانب السلبي
والجانب الإيجابي من الاعتراف، وإن كانت في الحقيقة تؤيد إلى أقصى حدود التأييد أن
الاعتراف الذي يتطلبه روح الله ليس اعترافاً بمجرد حقيقة من الحقائق بل بشخص سيدنا
ذاته، لأن العدد الثالث المتعلق بالجانب السلبي من الاعتراف لا يذكر إلا الاسم
الكريم ولو أنه يتضمن الاعتراف الأكمل الوارد في العدد الثاني والخلاصة أن النبرة
هي على حقيقة الشخص وليس على حقيقة المجيء.

 

هذا
هو إذاً المحك الأول: شخص الرب يسوع المسيح كمن جاء في الجسد. كل روح يعترف به
هكذا هو من الله، وكل روح لا يعترف به هكذا ليس من الله، "وهذا هو روح (أو
مبدأ) ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي والآن هو في العالم". فليس الناس فقط هم
الذين كانوا يعملون مفسدين بل الأرواح الشريرة أيضاً. ولذلك فإن الرسول وهو يتكلم
بلغة المحبة العميقة يستخدم أسلوباً عظيماً للغاية. ولا عجب فإن كان شخص إلهي
تنازل في طريق المحبة للإنسان ليولد من امرأة، كيف يكون هذا موضع ريبة وجدل؟ إن
عدم الاعتراف به معناه محاربة الله.

 

ولذلك
فبجانب المحك الأول نجد المحك الثاني الذي نتبين فيه هداه الحق المعطى للمسيحي. لا
شك أنه هو شخصياً الحق (يو 14: 6) الكلمة الذي صار جسداً وحل بيننا. غير أن الله
في غنى نعمته شاء أن يعطينا إعلانا جديدا ً محوره ومركزه شخص ربنا يسوع المسيح.
وهذا الإعلان هو كلمته التي هي الحق. وهي التي يدور حولها الكلام هنا. إنها كلمة
الآب، وهي تعلن الآب والابن بالروح القدس وأين نجد هذا الإعلان؟ نجده في كتب العهد
الجديد التي هي مجموعة تعاليم رسله وأنبيائه القديسين. والأمر الغريب أنه حتى في
ذلك الوقت قام أنبياء كذبة يدعون بأن لديهم نور الله الأكمل ولم يسلموا بأن
"تعليم الرسل " هو كلمة الله. قد يكون هذا التعليم حسناً كبداية، أما
الحق الكامل فعندهم هم. كانوا يشبهون جماعة الكويكرز في الوقت الحاضر الشغوفين
بالشهادة، ولكنها شهادة هي وليدة أفكارهم الخاصة. وهناك آخرون أيضا ممن يعتمدون
على الرؤيا والأحلام لتريهم المسيح أو لتدلهم على واجبهم كمسيحيين أكثر من
اعتمادهم على كلمة الله المكتوبة. وعندنا العقليون الذين ينكرون على الكتاب أنه
كلمة الله، ولو أن جانبا منهم يسلم بأن في الكتاب بعضاً من أقوال الله ولكنهم
ينكرون أنه في مجموعة كلمة الله. على أن عدم إيمانهم هذا من شأنه أن يزعزع كل شيء
في الكتاب إذ من ذا الذي من حقه في هذه الحالة أن يقرر ما هو من كلمة الله وما ليس
منها ما دامت الكتابات التي بين يديك غير مؤكدة؟ هذه دعوى المتشكك التي يحبها
ويرتاح إليها لأنه يرهب سلطان الكتاب، ويفزع من الخطر الذي يحذر منه جميع الذين لا
يطيعون الله. أما إذا كان الكتاب هو كلمة الله، كما هو كذلك بالحقيقة فيالها من
إهانة لله أن تقف موقف المتشكك فيه ويالها من إهانة بصفة خاصة للروح القدس الذي
أعلن سيدنا أنه لا غفران لمن يجدف عليه!.

 

ولاشك
أن الذين كان يخاطبهم الرسول أحسوا خطورة أقواله ولذلك نراه على الفور يضيف محكاً
آخر من نوع مماثل هو كلمة الله الجديدة، إعلانه الأخير المؤسس على يسوع الرب وعمله
الفدائي الذي تم وقبله الله، فيقول " أنتم من الله أيها الأولاد (الأعزاء)
". ومن الخير أن نعرف أن هذا هو معنى الكلمة المستعملة هنا " الأولاد الأعزاء"
ذلك أن الرسول يستعمل ثلاث كلمات في هذا الصدد: واحدة معناها الأولاد بصفة مطلقة
وهي الواردة في (ص 3: 1 و 2) وفي القول " أولاد الله" والثانية معناها
" الأطفال أن الأولاد الصغار" وهي المستعملة في (ص2: 13 و 18) والثالثة
معناها " الأولاد الأعزاء أو الأحباء" ويقصد بها الطبقات الثلاث التي
تتكون منها مجموعة عائلة الله. وهنا نلاحظ أن لفظ " الأولاد" المذكور في
(ص3: 1و2) يضم كل العائلة حيث ندعى أولاد الله، وفعلاً نحن كذلك من الآن، ومن
الخطأ أن يقال "أبناء الله" مع أننا أبناؤه أيضاً غير أن المقصود هنا "أولاد"
الله، ليس الأبناء بطريق التبني، بل مولودون من الله ولذلك فإننا أولاده. أما
الكلمة الثالثة فعبارة عن مصغر كلمة "أولاد" وتعبر عن المودة والمعزة
نظير ألقاب التدليل التي نستعملها أحيانا مع أولادنا إظهاراً لمودتنا نحوهم، ولذلك
كان من الخير أن نترجمها هنا " الأولاد الأعزاء" تمييزاً لها عن تلك
المترجمة " أولاد" من جهة والأطفال أو "الأولاد الصغار" من
الجهة الأخرى.

 

إذاً
الرسول يخاطب عائلة الله جميعاً بالقول "أنتم من الله أيها الأولاد
الأعزاء" مشدداً النبرة على ضمير المخاطب "أنتم". فمع إن الأنبياء
الكذبة كانوا يعمون أنهم هم القادة الموثوق بهم إلا أن الرسول يفند زعمهم وكأنه
يقول ما معناه. كلا إنهم أعداء المسيح وسفراء الشيطان، أما "أ،تم"
فأولاد الله بالمفارق مع هؤلاء الأدعياء والقادة الكذبة والأردياء الذين يحتقرون
الأولاد الأعزاء. والله في المسيح هو لكم مصدر كل بركة: الحياة الأبدية والغفران
والانتساب إلى الله نفسه كالآب وعطية الروح القدس الساكن فيكم "أنتم من الله
أيها الأولاد الأعزاء وقد غلبتموهم" أي الأنبياء الكذبة. ولكن مرجع هذه
الغلبة ليس إلى شيء فيكم تفتخرون به كما من حكمتكم أو قوتكم أو قداستكم الخاصة بل
"لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم" ذلك أن مصدر قوة المسيحي هو روح
الله الماكث فيه. الله نفسه ماكث فيه وذلك بواسطة روحه الساكن فيه. ولذلك استطاع
الرسول أن يقول "لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم" أو كقوله في (ص
5: 19) "العالم كله قد وضع في الشرير" وهذا معناه بكل وضوح أن إبليس هو العامل
بهذه الأرواح الشريرة.

 

وهكذا
يتبين أن النبرة على "أنتم" تحمل في طياتها تعزية كبرى وتثبيتا عظيماً
إذ يخاطبهم الرسول بأنهم بكل يقين "من الله" بمعنى إنه مصدر كل بركاتهم.
وإذا كان الله هو مانح البركة فهو تعالى لا يتغير، وهبات الله هي بلا ندامة من
جانبه. قد يقال إنه "ندم" حينما لا يكون الأمر متعلقاً بهبة أو دعوة من
الله، كما ندم على الخليقة (تك 6: 6) وأهلكها، لأنها لم تكن هبة بل مجرد عمل مهما
كان خطيراً. ولكن عندما يدعو لنفسه في مطلق محبته خطاة بائسين لكمي يجعلهم خاصته،
وحينما يهب الحياة الأبدية أو مغفرة خطايانا أو منزلة الأولاد فمثل هذه العطايا هي
هبات الله ودعوته، وجميعها بلا ندامة. وهنا لن يتغير فكره. قد يظهر الأولاد جهالة
وغباء وانحرافاً محزناً، ولكنه تعالى لا يتغير.

 

لا شك
أن لأقوال الرسول هنا قوتها الخاصة. فلم يكن الأمر قاصراً على أن القديسين نالوا هذه
البركات جميعها من الله، بل إنهم هم (هم أنفسهم) من الله، "أنتم من
الله". مولودون من الله، ومحبوبون منه باعتبارهم أولاده، وثابتون في هذا
المقام باعتباره كيانهم الجديد. وإذا كانوا قد "غلبوهم" (أي آلات خداع
الشيطان) فذلك "لأن الذي فيكم أعظم من الذي في العالم" وإن كان رئيسه
وإلهه. ولئن كان الأنبياء الكذبة يستمرون في غيهم وضلالهم وشرهم الروحي فإن
القديسين قد غلبوهم. ذلك أنهم لم يتحولوا نحوهم بل ظلوا بمعزل عنهم. سمعوا صوت
الراعي الصالح وتبعوه، عرفوا أنه وحده يستطيع أن يهب الحياة والحرية والطعام (يو
10: 9) وإنه جاء مرسلاً من الآب في مهمة محبة الله هذه ومن تلقاء محبته هو لخاصته.
وإن ابن الله وحده يستطيع أن ينطق بمثل هذه الأقوال، كما أنه هو وحده الذي وضع
حياته عنهم في الكفارة. آمنوا بذاك الذي يدعو خرافه الخاصة بأسماء وهي تتبعه لأنها
تعرف صوته. أما الغرباء فهي لا تعرف صوتهم بل تهرب منهم ولا تتبعهم. والآن وقد
استقرت نفوسهم على فداء المسيح فإن الله نفسه أصبح فيهم بروحه ويثبت فيهم.

 

وبعد
ذلك يصف الرسول هؤلاء الأنبياء بعبارات قاطعة حازمة دامغاً إياهم بوصمة مرعبة
وشنيعة وواضعاً نبرة أخرى عليهم بالقول "هم من العالم" بمعنى إن مصدر كل
تعليمهم وسلوكهم وأهدافهم ليس من الله بل العالم الذي هو عداوة لله. إذاً فالأمر
كله من تحريض الشيطان الذي هو منشأ جميع الأكاذيب التي تزعم أنها الحق "من
أجل ذلك يتكلمون من الله". العالم الذي طرد الله في المسيح وصلبه هو مصدر
وينبوع كل تعليمهم. هم لا يتكلمون عن العالم كموضوع بل يتكلمون منه كينبوع.
"والعالم يسمع لهم" لأن العالم يحب خاصته فعلاً، وإذ ليس له معرفة الله
ولا معرفة الخطية التي تقتضي تدخله بواسطة الرب يسوع لمنح الحياة الأبدية والفداء
الأبدي، فإنه يكتفي بفلسفة المتفلسفين وخيالات ومضاربات العميان المتحذلقين التي
تترك الله وتمجد الإنسان. والواقع أن هؤلاء العميان أو الأنبياء الكذبة لم يسمعوا
صوت ابن الله قط بل هم أموات ويستمدون حقائقهم من دائرة الموت.

 

بعد
ذلك يتحول الرسول إلى نبرة أخرى. "نحن من الله" وهو شيء مختلف ومتميز عن
التوكيل الأول "أنتم من الله". فإن كانت "أنتم" تنصرف إلى
مجموع المسيحيين الحقيقيين، وإن كانت "نحن" تساهم مع "أنتم"
في البركة العامة، غير أن الله هو مصدر القوة الإلهية التي جعلت الرسل أكفاء
ليكونوا أبواق كلمته، بحيث أننا نسمعه إذ نسمعهم. إذاً "نحن" يقصد بها
الرسول والأنبياء المرسلون من المسيح والمعطون لبركة قديسيه. لقد ألهموا من الله
ولذلك علمونا الحق كما هو في يسوع. والعهد الجديد يتضمن هذه التعاليم الإلهية
بصورة ثابتة مستديمة. فكما علموا هكذا كتبوا. وكما كتبوا هكذا نطقوا. وبما أن
العهد الجديد يجمع بين دفتيه عدداً من الأجزاء أضيف بعضها إلى بعض تدريجياً ولم
تكن يومئذ مجتمعة في مجلد واحد كما هي الآن، فربما كانت هناك صعوبة لدى البعض. أما
سلطان الرب فكان نهاية كل مشاجرة فيما يتعلق بالعهد القديم في نظر جميع رجال
الإيمان. ولربما قيل في تلك الأيام الأولى أن الأقوال الجديدة كانت مختلفة عن
أقوال العهد القديم من حيث عمق تلك وبساطة هذه، اختلافاً كان يصعب معه القول عن
جميع الكتب الصغيرة التي كانت متداولة يومئذ – الأناجيل والرسائل – إنها موحى بها
من الله بكل تأكيد. ولذلك فعن كلمة الله الجديدة هذه المتضمنة فيما نسميه العهد
الجديد يتكلم الرسول هنا باعتبارها المحك الأخير الذي يقدمه لنا الله لاختبار الحق
وتمييزه. فكل ما شهد به الرسل والأنبياء في الروح القدس عن الآب والابن في وقته
المعين قد تذخر في هذا المستودع الجديد من مستودعات الوحي. والرسول يشير هنا إلى
شهادتهم المشتركة بوصفها الحق كم أن المسيح هو الحق. فالمسيح هو الحق مشخصاً.
والعهد الجديد الذي هو سجل شهادة هؤلاء الشهود المختارين هو الحق مكتوباً. لذلك
يقول عن هؤلاء الشهود "نحن من الله" كأنه يقول للقديسين: "لقد
رسمنا لكم بقلم الروح القدس حق المسيح من الأول للآخر. ونحن من الله في هذا العمل
ولأجله فمن يعرف الله يسمع لنا".

 

وإنه
لخطأ جسيم وضار للغاية تطبيق مثل هذا القول على كل مسيحي يكرز بالكلمة مهما كان
مبلغ إخلاصه وصحة دعوته، أو كل معلم للحق مهما كانت كفايته ودرايته. ومن هو المبشر
أو المعلم الذي يستطيع أن يدعى لنفسه مثل هذه المنزلة؟ حشا لأيهما أ، يدعى بأن
أحداً من أصحاب هذه المواهب الذين يعطيهم الرب لكنيسته في هذه الأيام قد يرتفع على
هذه الدرجة وشكراً لله لني شخصياً لم ألتقي في حياتي بأي خادم حقيقي يدعي لنفسه
مثل هذه اللغة التي تخص أواني الوحي دون سواهم. تأمل جدياُ أيها القارئ في ما
يقوله الرسول "من يعرف الله يسمع لنا". هل لي خادم على الأرض أن يتوقع
هذه الحالة بصفة مطلقة؟ كلا. ليس فقط انه في حالة الانقسام التي عليها النصرانية
في الوقت الحاضر لا يستطيع أي إنسان أن يتوقع مثل هذا الاستماع بل أن الأمر في
حقيقته لم يتعدى في يوم من الأيام دائرة خدمة الرسل والأنبياء. إن الرسول يتكلم
هنا فقط عن الأشخاص الذين كانوا يشغلون مركزاً مثله في تلك الأيام التي فيها وضع
أساس المسيحية، وكان من الصواب واللازم أن يعرف المؤمنون من ذلك الوقت فصاعداًُ
مبلغ السلطان الإلهي الذي يضيفه الله على التعليم الرسولي ويصر عليه، ولكنه سلطان
قاصر على أواني الوحي في العهد الجديد كما كان قاصراً على أواني الوحي في العهد
القديم. وكل ما في الأمر انه يوجد في الوقت الحاضر كما كان في ذلك الوقت إرشاد
الهي بالروح القدس لكل كارز أو معلم بالحق، غير أن للوحي صفته الخاصة وهي تحرره من
كل خطأ في ما أعطى كقاعدة الإيمان وأساسه.

 

وفضلا
عن ذلك فقد عني الله في نعمته أن يحتفظ لنا – حتى بعد أن مضى الرسل والأنبياء –
بأقوالهم المعطاة من الروح، لا مجرد شهادتهم بل ذات الكلمات التي أعطاهم الروح
القدس أن ينطقوا بها، حتى كما كانت حينئذ "من الله" لا تضيع أبداً بل
تبقى طالما بقي مسيحي ليستفيد منها. فهذه رسالة يوحنا الأولى مثلاً، هاهي بين
أيدينا بالضبط كما كانت بين أيدي الذين كتبت إليهم، ولنا أيضاً نفس روح الله التي
كانت لهم والذي يبقى إلى الأبد. غير أنه كان من نصيب الملهمين الموحى إليهم أن
يضعوا الأساس، ولا يوجد على الأرض الآن مثل هذه الطبقة من خدام الله ولكن لنا
الخدمة التي أتموها بصفتهم كتبت الوحي، وهي دستور المسيحية والكنيسة المكتوبة.
والرسول هنا يتكلم فقط عما قالوه وأذاعوه وسمعه القديسون، وكان معظمه مكتوباً
يومئذ ولو أن بعض منه بقي من حصة هذا الرسول أن يضيفه ولكنه لم يتردد في القول أن
"من يعرف الله (أي كل مسيحي) يسمع لنا" رافضاً الأنبياء الكذبة كمن هم
من الشيطان وليسوا من الله. "يسمع لنا" كمن أقامنا الله وخصصنا لإعلان
الحق المتضمن الآن في العهد الجديد

 

إن
أقوال الرسول هذه لها خطورتها وأهميتها البالغة فهناك من تجاسروا على القول أنه لا
يوجد في العهد الجديد ما يدل على أنه يدعي لنفسه سلطان الله، وإنما هو جهلهم الذي
أعمى عيونهم عما يقول الله هناك طابعاً العهد الجديد بسلطانه الإلهي وليس ما يقوله
الرسول يوحنا هنا هي الشهادة الوحيدة لهذا الحق، بل هناك شهادات أخرى عديدة من هذا
القبيل في طيات العهد الجديد. وأول هذه الشهادات التي نسوقها للقارئ نجدها في (1كو
2)، فإنه حتى في تلك الأيام الأولى كانت الشياطين تعمل بنشاط وقد عني الرسول بولس
في الإصحاح الثاني عشر بحماية المؤمنين ضد كل روح يأتي أن يقول يسوع رب. غير أن
العدد 13 من الإصحاح الثاني من نفس الرسالة يأتينا من الله "معلناً"
بالروح كانت مكتومة حتى على الأنبياء القدامى. وأما وقد جاء ابن الله، فقد جاء
الوقت الذي فيه يعلن لنا بالروح حتى "أعماق الله". وبد ذلك يضيف إشارة
إلى الوحي الذي عهد إليهم أن يبلغوه للمؤمنين "الأمور التي نتكلم بها أيضاً
لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح" – ليس أن الروح أوصل
إليهم مجرد الأفكار فقط، لأنه بمثل هذه النظرية الفاسدة يحاول الكثيرون تقويض
الوحي أو التقليل من شأنه حيث يزعمون أن الأفكار جاءت من روح الله، أما اللغة أو
الأقوال التي صيغت فيها الأفكار فقد ترك لأناس صالحين أن يبذلوا أقصى جهودهم
لاختياره.

 

ولا
عجب إن كان الأمر كما يعلمون أن يقع الناس في أخطاء، غير أن زعمهم هذا هو باطل
بعينه. فالرسول بولس يقول هنا بصريح اللفظ أن الأمور المعلنة هي نفسها لا يتكلمون
بها أيضاً (أي الرسل)، وذلك بأقوال من تعليم الروح القدس بدلاً من تركهم للضعف
البشري أو الحكمة الإنسانية. وبالاختصار كان الروح الذي أعلن الحقائق حريصاً في
نفس الوقت على صياغة الأقوال "قارنين (أي شارحين أو موصلين) الروحيات
بالروحيات" أي موصلين الأمور الروحية بأقوال روحية وبعبارة أخرى إن وسيلة
التوصيل كانت أقوالاً علمهم إياها الروح ولم يترك أمرها للإنسان الضعيف. وهكذا
يخبرنا هذا العدد بكل وضوح أن الأقوال وليس فقط الأفكار كانت موحى بها.

 

وإليك
شهادة أخرى بنفس المعنى من آخر الرسالة كتبها الرسول بولس وهي رسالته الثانية
لتيموثاوس. فهو يروي هناك أن الوقاية الصحيحة التي تحفظ القديس في الأيام الأخيرة
الصعبة ليست في التقاليد الغامضة المجهولة المصدر بل بالثبات في الحق الذي تعلمناه
عن اقتناع تام ونحن عالمون مصدره، والمتضمن في اليوم في الكلمة المكتوبة. فيقول
لتلميذه لاحظ الذين يتكلمون كيف يسلكون وما هي سيرتهم وحياتهم، ومن ثم يقول
"وأما أنت فقد تبعت (أو عرف تماماً) تعليمي" بالمقابلة مع أولئك الناس
الأردياء الأدعياء الذين يقارنهم بسحرة مصر الوثنية – "وأما أنت فقد تبعت
تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبتي وصبري واضطهاداتي (لا ترحيب الجماهير
بي) وآلامي مثل ما أصابني في أنطاكية وإيقونية ولستره. أية اضطهادات احتملت ومن
الجميع أنقذني الرب. جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع
يضطهدون" – هذه هي علامة المسيحي الحقيقي الآن كما كانت في كل أوان –
"ولكن الأشرار المزورين سيتقدمون إلى أردأ مضِلين ومضَلين. وأما أنت فأثبت
على ما تعلمت وأيقنت عارفاً ممن تعلمت". ومن هذه الأقوال نرى أهمية الدور
الذي تلعبه أخلاق الذين ينادون بالحق وصفاتهم، فإنه مهما يكن سمو الحق الذين
ينادون به، ومهما تكن مهارة المتكلمين به ولباقتهم ونعومتهم فلا قيمة مطلقة لكل
ذلك ما لم يكونوا عائشين في الحق لدى ضمير مختاري الله.

 

ثم
يقول له "وإنك منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة (أي كتب العهد القديم) القادرة
أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع". هذا ما يقوله في عدد 15. أما
في عدد 16 فيقول "كل الكتاب
every scripture وهو موحى به من الله" وكلمة "كل" هنا لا يقصد بها
كل الكتاب المقدس
all scripture كما
كان مكتوباً حينئذ (وإن كان هذا صحيحاً) لأن جزءاً من الكتاب – على الأقل كتابات
يوحنا – لم يكن قد كتب بعد، بل المقصود هو كل كتاب أي كل جزء من الكتاب (
every) وبذلك يترك الباب مفتوحاً للأسفار
الإلهية التي لم تكن قد كتبت بعد فليس فقط أن الكتبة كانوا ملهمين، موحى إليهم، بل
إن كل ما هو من الكتاب سواء كان سفراً أو فصلاً أو عدداً هو موحى به. وللمرة
الثانية نفهم أنه ليست فقط الأفكار موحى بها بل ذات الأقوال التي صيغت فيها هي
موحى بها كذلك، ولولا أنه كذلك لما بقي لنا شيء يمكننا الاستناد عليه تمام
الاستناد.

 

ولندع
جانباً أصحاب الحلول الوسط الذين يحاولون أن يوقفوا بين الأناجيل وبعضها توفيقاً
مصطنعاً فيخلطون بين الوحي والأضاليل. لندع هؤلاء وشأنهم، أما نحن الذين نؤمن أن
وحي الله منزه ويستبعد كل نقص استبعاداً كاملاً فإننا مدعوون لأن نرفض النظريات
ونتقبل الحقائق ولكننا في الوقت نفسه ننكر اعتراضاتهم التي لا أساس لها.

 

ولعله
لا توجد بين كل نظرياتهم واحدة عرجاء خالية من روح التوقير مثل تلك التي تقول
بوجود وحي إلهي تتخلله أخطاء ومتناقضات تعم جزءاً حيوياً من الكتاب هو الأناجيل الأربعة
وسفر أعمال الرسل. وكيف يعقل – ولو كان الأمر كما يزعمون – أم مجموعة مشوهة وكثيرة
الأخلاط يمكن أن تحمل سلطان الله أو يجوز لها أن تسمى كلمة الله؟ الواقع أن ما
يبدو لأول وهلة كأنه تناقض أو اختلاف يرجع إلى غرض الله في كل إنجيل وإلى الهدف
الذي أعطى لكل كاتب أن يستهدفه وهو يكتب، مؤهلاً كل كاتب بالنعمة للخدمة المعينة
له بحيث استطاع أربعتهم أن ينتجوا بمهارة الروح القدس الفائقة تلك الشهادة الغنية
المشتركة لمجد الرب يسوع، وهي الشهادة التي فاقت أفكارهم الشخصية، والتي بقيت على
المن سنداً للإيمان المسيحي في كل عصر وجيل. أما أن نسلم بأن الله أوحى إلى
البشيرين الأربعة وقادهم لإتمام غرضه في تمجيد المسيح بقوة الروح القدس ثم نزعم
بعد ذلك بأنهم تركوا يتورطون في أخطاء فتلك بكل يقين أعرج وأسخف نظرية يمكن أن
تخطر على بال إنسان عاقل ولا يمكن الدفاع عنها ولو حتى من الوجهة المنطقية فضلاً
عن كونها غير لائقة إطلاقاً بالروح وبذلك الذي هو الحق. والواقع أن هذه النظرية
المبتورة – كسائر نظريات الحلول الوسط والتوافق المصطنع – لا يمكن أن تقف على
قدميها إلا في مخيلة مخترعيها، وعلى الأرجح لا يمكنها أن تستقيم في مخيلتهم هم
أيضاً فكلنا نعلم أن الرب وعد الرسل بنوال قوة الروح ليعلمهم كل شيء وليذكرهم بكل
ما قاله لهم. وعلى ذلك يكون مؤدي هذه النظرية العرجاء أن الروح قد ذكرهم بأقوال
السيد بطريقة عرضتهم للأخطاء والنقائض المزعومة. وهذا لاشك تجديف على الروح القدس
وانتقاض لأمانة الرب في ما وعد به الرب قد أنجزه الروح القدس تماماً وإن كل الكتاب
every scripture جدير
ليس فقط بمن كتبوه بل بالله مؤلفه الحقيقي.

 

إذن
فمن القول أن كل "من يعرف الله يسمع لنا" ينتج أن كل مسيحي يتقبل العهد
الجديد باعتباره من الله. وبالتالي كل من لا يتقبله هذا القبول ليس مسيحياً حقيقياً
بل ملحداً، فإن سماع رسل العهد الجديد وأنبيائه أمر غير منفصل الآن عن معرفة الله.
إن هذا المحك الثاني المتعلق بالحق الكتابي يذهب في تدليله إلى أبعد مما إذا كان
الشخص مسيحياً حقيقياً أم لا لأن مجرد الاعتراف بالمسيح مع رفض كمال الوحي هو من
عمل الأرواح الشريرة. إن الإلحاد يبدأ عادة بالعهد القديم ولكنه يتجاوزه إلى العهد
الجديد فيهاجمه ويرفضه هو أيضاً ولعله من أغرب ما يروي أني التقيت مرة بشخص كان
يشغل مركزاً هاماً في نظر أهل العالم وله نشاط موفور في مدارس الأحد ومعروف بأنه
مسيحي غيور، أعلن لي فجأة ونحن تتجاذب أطراف الحديث أنه وإن كان يؤمن بالعهد
القديم إيماناً كاملاً إلا أنه لا يؤمن بالعهد الجديد! ومثل هذا التصريح كان
كفيلاً بأن يجرح أي مؤمن جرحاً يجل عن كل وصف. والحق أن التجرؤ على قتل إنسان
بغدارة هو في نظري خطية أهون من هذا التهجم الجريء على كلمة الله. وأليس مرعباً أن
يصدر مثل هذا الإلحاد الشنيع من شخص معترف به كمعلم مسيحي؟ "من هذا نعرف روح
الحق وروح الضلال".

 

وحسن
أن نلاحظ إلى أي مدى ينطبق المبدأ الذي يقرره الرسول هنا بكيفية حازمة وقاطعة
"من يعرف الله يسمع لنا ومن ليس من الله لا يسمع لنا". فإنه مبدأ يبهج
نفس المسيحي الذي يجد أدسم طعامه الروحي لا في العهد القديم فقط (مع أنه كذلك موحى
به من الله وحياً كاملاً) بل بالأحرى في العهد الجديد حيث لم يعد المسيح بعيداً أو
مستتراً بحجاب بل معلناً في ملء مجده ونعمته في جلال الله ووداعة ألطف إنسان وطأت
قدماه وجه الأرض. إننا نسمع الله متكلماً قديماً بعبيده الأنبياء، ولكنن نسمعه
كالآب متكلماً في الابن، كأبيه وأبينا وإلهه وإلهنا. وهذا يدين الإنسان متديناً
كان أو ملحداً ويعطى الله مكانه ويضعني في مكاني. يدين خرافات المتدين كما يقضي
القضاء المبرم على إلحاد الملحد وعلى كل شكل من أشكال عدم الإيمان الذي يأبى أن
يسمع لصوت الله في أقوال رجاله المهمين بصفة عامة وفي أقوال رسل المسيح وأنبيائه
بصفة خاصة. ولعله لا يفوتنا أن نلاحظ أن الرسول بولس لا يقل شعرة واحدة في تأكيد
الوحي لكتاباته عما يؤكده يوحنا بالنسبة للرسل جميعاً "إن كان أحد يحسب نفسه
نبياً أو روحياً فليعلم ما أكتبه إليكم إنه وصايا الرب. ولكن إن يجهل أحد
فليجهل" (1 كو 14: 37 و 38) ويا له من توبيخ صارم للمسيحيين المنتفخين باطلاً
(أمثال أولئك الكورنثيين) الذين يقفون على أساس منزلق وهم لا يدرون.

 

"إن
كلمة الله حياة فعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح
والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته وليست خليقة غير ظاهرة قدامه بل كل
شيء عريان ومكشوف لعيني ذاك الذي معه أمرنا" (عب 4: 12 و 13) فهل نحن في حاجة
لأن تقول لنا الكنيسة أن سيف الروح هو كلمة الله حينما تخرق هذه الكلمة أستارنا
كما لا يستطيع شيء سواها؟ وكما قال الرب في حديثه الأخير مع اليهود الغير المؤمنين
"إن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه. لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص
العاب. ومن رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه. الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في
اليوم الأخير" (يو 12: 47 و 48). وهنا في رسالة يوحنا (1 يو 4: 6) نرى الروح
القدس يوحي لرسولنا لأن يؤكد هذه الصفة للكلمة التي جاءت بواسطة الرسل والأنبياء.
فهل نحن في حاجة بعد ذلك لأن تقول لنا الكنيسة أن الرسول نطق بحق الله لبركة
المؤمن وهلاك الأنبياء الكذبة وكل من يرذل كلمة الله؟ إن الملهمين كانوا خداماً
للمسيح ووكلاء سرائر الله، ولكن الكلمة التي تكلموا بها أو كتبوها كانت كلمة الله
نفسه كما لو كلن هو تعالى الناطق بها في أذن من سمعها.

 

إن
كلمة الله موجهة للكنيسة وللفرد المسيحي مباشرة وعلى حد سواء. وهذا واضح لأول وهلة
من عنوان رسائل العهد الجديد، فإنها جميعاً كتبت لمجموعة المؤمنين فيما خلا بعض
الرسائل القليلة والقصيرة جداً التي كتبت لشركاء في خدمة لم يكن المؤمنون أكفاء
لها بصفة عامة، وإنما عهد بها لأشخاص مزودين بسلطان خاص. وهاهي جميع الرسائل باقية
للمؤمنين الآن كما كانت لهم تماماً وقتذاك، وإذ ما اعترضتهم فيها الآن بعض الصعاب
كما اعترضت المسيحيين الأوائل فعندهم نفس المفسر الحي الذي كان مع إخوتهم
الأقدمين. ولكن المبدأ الجوهري للإيمان هو أن يتكلم الله إلى أولاده مباشرة في
كلمته. أما إقحام الكنيسة أو الإكليروس بين كلمة الله وأولاده فليس إلا تمرداً
وعصياناً ضد الله. وليست كل حجتنا في هذا أن من حق كل إنسان أن يسمع كلمة الله
المكتوبة بل أن من حق الله نفسه أن يخاطب ويعلم ويعزى ويوبخ أهل بيته، بل من حقه
أكثر من ذلك أن يتكلم إلى ضمير كل إنسان كما تكلم الرب ورسله وكما يتكلم خدامه بصفة
عامة.

 

وإذا
زعم البعض أن الرسول إنما تكلم هنا عن الكلمة الشفوية، فليعلموا أنهم على ضلال
مبين وأنهم بذلك يسيئون إساءة غير كريمة إلى الكلمة المكتوية. ولسنا نسوق هذا
الكلام من عندياتنا بل هاهو الرب نفسه يضع القاعدة الإلهية وهي أن الكتاب أعلى
سلطان من أي كلام شفوي. من أجل ذلك قال الرب يسوع لليهود المتماحكين "لا
تظنوا أني أشكوكم إلى الآب يوجد الذي يشكوكم. وهو موسى الذي عليه رجاؤكم. لأنكم لو
كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه ه، كتب عني. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك
فكيف تصدقون كلامي؟" صحيح إن كليهما كانا كلمة الله التي لا تدحض، إحداهما
مقولة والأخرى مكتوبة بالروح القدس غير أن سيدنا في طريق تحديد سلطان الله اللازم
للإنسان يعطى المكانة الأسمى للكلمة المكتوبة باعتبارها الشهادة الدائمة عن الفكر
الإلهي والتي تسمح للإنسان بالتأمل والتفكير قدام الله أكثر مما تسمح به الأقوال
الشفاهية.

 

إن
كلمات الرسول يوحنا التي نحن بصددها تختم الموضوع وإنها لخاتمة جديرة بكل إعجاب.
فسواء من جهة الاعتراف بالمسيح كما هو في حقيقته، أو من جهة سلطان الكلمة التي
أعلنته، فلنا في كليهما الحق في أبسط صورة، الحق في شخصه والحق الصادر عنه. هذا هو
روح الحق. ولكن هناك أيضاً روح الضلال وإبليس هو مصدره القتال. ومن الطبيعي أن
الأشخاص الذي لا يؤمنون بحضور روح الله لا يؤمنون كذلك بالدور الخطير الذي يلعبه
الشيطان في الكوارث التي تصيب العالم بصفة عامة سواء الأفراد أو الشعوب أو القبائل
البربرية. ولكن أسوأ جانب من شر إبليس هو ما يمارسه في المسيحية، أو ما يوسوس به
ضد ربنا يسوع المسيح وحق الله المعلن يسمى في هذه الحالة "روح الضلال"
وهو أخطر أنواع الشر، فهو ليس فساداً فاضحاً مكشوفاً. ولا ظلماً سفاكاً للدماء، بل
هو خداع وتغرير من الخارج ومكر ودهاء من الداخل. جزء صغير من الحق في مقدمة أكذوبة
ضخمة، إباحة للإرادة البشرية وانعدام لتدريب الضمير، لا اعتراف بالرب يسوع بل
تحريف لشخصه المحبوب مع جهل للآب. ذلك هو عمل روح الضلال. ومنه سيخرج الارتداد
ويولد إنسان الخطية.

 

ولكن
ما أعظم نعمة الله وما أكرمها في مواجهة انحراف الاعتراف المسيحي والخراب الشامل
والدينونة التي تنتظره بعد أن ضاع كل رجاء في الشفاء: ما أعظمها حين أعدت العدة
لضمان سلامة المؤمنين وفرحهم لكل التجارب التي يتعرضون لها. وما عدتها إلا
الاعتراف الحقيقي بالرب يسوع والإيمان به. ثم كلمة الله وكلاهما بواسطة روح الحق.
وهذه هي خلاصة وجوهر العبارة الاعتراضية التي نتأمل فيها الآن.

 

معلوم
أن بين النصارة قوماً يعتمدون في إرشادهم وسلامتهم على الفرائض والوظائف الرسمية
ومع ذلك فإنهم يواجهنك دائماً بالقول "يسمع من الكنيسة" والغريب أنهم لا
يفكرون في تطبيق هذا القول الكريم من أقوال سيدنا في (مت 18: 17) كما يريده أن
يطبق له المجد. فهناك كان الرب يتحدث عن التأديب اللازم اتباعه في حالة ما يخطئ أخ
ضد أخيه في أمر شخصي قد لا يتعداهما في مبدأ الأمر ولكنه أخيراً يصل إلى مسامع
جميع القديسين بسبب عناد الأخ البادئ بالخطأ، ومن ثم تصبح الجماعة أو الكنيسة هي
المرجع الأخير، وعلى المخطئ عندئذ أن "يسمع من الكنيسة" ولكن أهذا ما
يفعله ولو مرة واحدة في حياته أولئك الذين يقتبسون هذا العدد لتعزيز ما لم يقصده
الرب هنا ولا في أي مكان آخر؟ إنهم في والواقع يقصدون بالكنيسة الكاهن أو مجموعة
الكهنة أو – في الحالات القصوى – البابا زعيم الجميع. ولكن هذا خطأ، خصوصاُ إذا
كانوا عن معرفة وتعمد يسيئون تطبيق أقوال سيدنا له المجد.

 

أما
الكتاب فإنه يذهب إلى أبعد من ذلك فيرينا أنه قبل ارتحال آخر الرسل كان الانحراف
قد بدأ بصورة ملموسة حتى أن الرب أخبر يوحنا بالروح أن يكتب للسبع الكنائس التي
اختارها لتوجه إليها الرسائل الأخيرة. وأوال هذه الرسائل موجهة إلى أفسس، الكنيسة
التي كانت لامعة في الأيام الأولى، ولكنها كانت حينئذ مهددة بزحزحة منارتها،
وآخرها ينتهي بتقيؤ كنيسة لاودكية من فم الرب كشيء كريه تعافه النفس. في ذلك
المشهد من سفر الرؤيا لا نرى الرب يخدم بالنعمة بل يقضي في الوسط ولذلك يبدو كابن
الإنسان متسرباً بثوب إلى الرجلين ليس مشموراً أو مخلوعاً للخدمة. ولكل كنيسة من
هذه الكنائس التي اختيرت إعلان أدوار الكنيسة على الأرض كما في سر قبل أن تختفي من
المشهد الأرضي يوجه الرب كلمته الأخيرة (مع وعد قبلها أو بعدها) "من له أذن
فليسمع ما يقوله الرب بالكنائس" فمنذ أيام الرسول وللرب عتاب خطير وحساب عسير
مع الكنائس لأنها كجماعات كانت تتجه نحو الخراب وقد هددها أخيراً بالرفض
والاستنكار، بل أن النبوة في الإصحاح التالي مباشرة ترينا أن الإطار الخارجي – أو
الصورة الكنسية الظاهرة – لم تعد بعد موضع اتصال بالرب، وإن الغالبين قد صاروا في
السماء ممجدين حول عرش يرسل الدينونة الإلهية على اليهود والأمم فيما خلا بقية من
كلا الفريقين ولم تعد الكنيسة ظاهرة بعد على الأرض، بل ضربات غضب وسحق ترى على
الشعوب. هذا ما هو وشيك أن يكون ولابد أن يكون "بعد هذا" (أي بعد فترة
الكنيسة).

 

والآن
ماذا نرى؟ إن رسالة تأتي من الرب إلى كل "من له أذن" هي بكل تأكيد رسالة
قوية وخطيرة للغاية وهي رسالة تهدم على الفور تفسير القوم المغلوط لقوله له المجد
"يسمع من الكنيسة" وتدعو كل مؤمن أمين أن "يسمع ما يقوله الروح
للكنائس". إن الكنيسة لم تكن في يوم من الأيام قياساً للحق، وإنما كلمة الله
هي وحدها الدستور وهي القياس. لاشك أن الكنيسة (وليس اليهود أو الأمم أو سواهم) هي
شاهدة الحق المسؤولة أن تكون أمينة له بالقول والعمل. ففيها وحدها، وفي عهدها دون
غيرها، شهد "لسر التقوى" مع فائق عظمته. غير أن الكنيسة ليست الحق بل
عمود الحق وقاعدته. لأن المسيح هو الحق موضوعاً، والروح هو القوة التي تعمل في
الداخل لتطبيقه وتأييده في القلب. ولكن بعد ظهور الانحلال والهرطقة والبدع لم تعد
الكنيسة الاسمية الخارجية شاهدة يؤمن إليها. من أجل ذلك يأمر الرب كل من له أذن
طائعة أن يسمع ما يقوله الروح للكنائس.

 

إن
سلطان الحق مرتكز في ذاك الذي كلماته إلهية. وليس الأمر هكذا مع العمود والقاعدة
الذين حملا مرة تلك الأقوال لكي ترى من الناس وتسمع (1 تي 3) أن العمود قد يخدش أو
يشوه ولكن الحق يبقى سليماً إلى الأبد في المسيح، في الروح وفي الكلمة، وقد حدث
ذلك فعلاً فإن رسالة تيموثاوس الثانية (ص 3) تتحدث عن أناس لهم صورة التقوى وهم
منكرون قوتها، وتدعونا أن نعرض عنهم. وسرعان ما يحدثنا التاريخ عن قيام كنيستين
متنافستين، وليس ذلك فقط بل راحت إحداهما تحرم الأخرى وتنعتها بالأناثيما. وكان من
شأن هذه الأوضاع أن حفزت جميع المسيحيين – إلا القوم المتهاونتين – لضرورة معرفة
الحق حتى يحكموا أي الكنيستين هي الكنيسة الحقيقة، هذه أو تلك، أو ربما لا هذه ولا
تلك. ومن هنا كانت أهمية النصيحة السباعية التي نصحنا بها الرب أن نسمع ما يقوله
الروح للكنائس. ولم تفقد هذه النصيحة أهميتها بعد حركة الإصلاح حيث لم يقتصر الأمر
على ادعاء ملوك وشعوب بحق تأسيس كنائس وطنية خاصة بهم ومتميزة بعضها عن بعض بل قام
زعماء وقادة يطالبون بنفس الحق لجمعياتهم وهيئاتهم الدينية، وهكذا ضاعت فكرة
الكنيسة ذاتها عند الكثيرين في العالم المسيحي.

 

ولا
عجب إذا كان القوم – وقد كفوا عن الإيمان بحضور الروح القدس وعمله في الكنيسة – قد
خسروا بجانب هذا سلطان الكلمة ليس فقط من حيث التصرف بل من حيث المبدأ حتى راحوا
ينكرون كفاية نورها الذاتي لضمير الإنسان ويؤكدون ضرورة الكنيسة لتأييد سلطان
الكلمة. ولكن اعوجاجهم في هذا واضح لأنهم يستغلون كل ظل من ظلال تفسيراتهم الخاطئة
لبعض الأقوال الكتابية ليقيموا عليها معتقداتهم ويدعموا بها أنظمتهم. غير أن مبدأ
استخدام الكنيسة للمصادفة على كلمة الله هو بلا شك مبدأ كافر يثبت على مقرريه خطية
الانحراف عن سلطان الله ففي يوم الخمسين ذاته نرى بطرس الرسول يؤيد حقيقة عطية
الروح القدس بأدلة من كلمة الله ولم يحاول هو أو أي رسول آخر أن يلجأ إلى سلطان
الكنيسة. إن كلمة الله لا تحتاج إلى مصادقة. والادعاء بغير ذلك هو التجديف بعينه
وهاهو الرسول بولس يكرم العهد القديم حين يمتدح يهود بيرية ليس فقط لأنهم تقبلوا
الكلمة بذهن صاح ونشاط بل لأنهم كانوا يفحصون الكتب كل يوم ليحكموا هل هذه الأمور
هكذا. كانوا يعرفون أن أقوال العهد القديم من الله، وقد فعلوا حسناً إذ امتحنوا في
ضوئها الكرازة الشفوية من شخص لم يكونوا يعرفونه حتى وجدوا وتأكدوا بالبحث
المتواصل أن تلك الكتب القديمة تؤيد شهادته. ولهذا هو يمتدحهم. أعني أن الكلمة
القديمة المكتوبة كانت المقياس الذي قادهم بالأكثر لقبول الكلمة الجديدة بكل ترحاب
ونشاط.

 

الخطاب
الثالث عشر

1 يو
4: 7 – 10

"أيها
الأحباء لنحب بعضنا بعضا لأن المحبة هي من الله وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف
الله. ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة. بهذا أظهرت محبة الله فينا (أي في
حالتنا) إن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم ولكن لكي نحيا به. في هذا هي المحبة
ليس أننا نحن أحببنا الله بل إنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا".

 

بعد
القصة العارضة الاستطرادية، كما يمكن أن نسميها، التي تناولها الرسول في الأعداد
الستة الأولى من هذا الإصحاح، نعود إلى الموضوع الجديد الذي كان قد مهد به الرسول
في نهاية الإصحاح الثالث، فقد أبان هناك أن محبتنا لاخوتنا كعاطفة إلهية ليست فقط
ضرورة ومطلوبة بل أنها بالغة الأهمية والخطورة بحيث أنها تقرر في الواقع إذا كنا
مسيحيين على الإطلاق أم غير مسيحيين. وهذا من شأنه أن يجعل الأمر في غاية الأهمية
لنفوسنا حتى نكون على حذر من خداع قلوبنا "أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً لأن
المحبة هي من الله وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله".

 

إن
كان هذا الاستنتاج الإلهي أكيداً وقوياً. وهو كذلك في الحقيقة، فلا عذر لأحد أن
يفشل في المحبة. فقط علينا أن نذكر أن المحبة ليست مجرد عاطفة رقيقة نحو قديس
شريك، بل هي أيضاً أمانة من نحو الله، ومن أسف أن هذه الأمانة في المحبة لأي خطأ
يقع فيه والذي يعتبر أمانة أخيه متعارضة مع المحبة هو بحاجة إلى حذر، لأن إعراضه
عن أمانة أخيه وانغلابه من روح النفور من هذه الأمانة – كما يحدث أحياناً – قد
يؤدي به إلى نتيجة تنهض دليلاً على أنه مجرد من هبة الحياة في نفسه. فكثيراً ما
نجد أن الانحراف عن المحبة ولو بقدر يسير، إن استسلمت له النفس، هو علامة خطيرة
للغاية، وقد يكون من أعراض ما يمكن أن يسمى بالبرص الأدبي في الإنسان، لأن كلمة
الله تعلمنا هنا أنه لا يوجد شيء من الله حقاً ولا شيء سليم بالمرة في الإنسان
الذي لا يحب.هذا من جهة الاختبار. وهل يوجد ما هو أصح من هذا وأوضح من جهة المبدأ؟
أن البغضاء ليست من الله بكل يقين، أما المحبة فهي منه لأنها صدى نشاط طبيعته. أن
النور، إن جاز لنا هذا التعبير، هو مبدأ طبيعته الأدبي. هو الطهارة الكاملة الذي
يكشف ويرفض كل شر لأنه في الله مرتبط بالقداسة ارتباطاً مطلقاً، وهو كذلك في
المسيحي أيضاً حيثما وجدت الحياة الأبدية. أما المحبة فهي نشاط الطبيعة الإلهية.
هي السعي في الخير دون أن يكون في الأشخاص المحبوبين ما يحفزها على العمل سوى ما
في ذاتها من صلاح وجود. ومحبة الله ليست فقط تعطى الكل، بل أيضاً تغفر الكل. وما
كان ليتم لنا ذلك إلا عن طريق الوسيط، لأن الله لا يمكن أن يتناقض مع نفسه ومع
طرقه، فحيث توجد الخطية لا بد أن يكون أمام محبته أساس للتبرير وإلا فإن المحبة لا
تكون أمينة. أين يوجد ذلك؟ طبعاً ليس في الإنسان الخاطئ. ولكن الله عرف في نفسه أين
سيوجد البر الكامل حتى في الأيام التي كان يسود فيها الإثم.

 

لقد
كان قبل الطوفان وبعد الناموس يتطلع إلى الأمام، إلى مسيحه، وفي يوم شرير تكلم بفم
نبيه عن خلاصه الآتي وبره الذي كان عتيداً أن يستعلن (أش 56: 1). لم يكن البر يرى
على الأرض في أي مكان، ولكن الإيمان كان يتوقعه على الدوام. لم يكن للبر أي أساس
في الإنسان، ولا حتى في قديسي الله الحقيقيين، لا في أخنوخ ولا في إيليا، ناهيك عن
الآخرين. هم أيضاً كانوا جميعاً ينتظرونه ويرجونه. لكنه لم يكن في يومهم حقيقة
واقعة قد تمت فعلاً بل كان اعتماد كل قديس يستند استناداً كلياً على ذاك العتيد أن
يأتي لأنه كما تعلم، قد أعلن للإنسان فور سقوطه وصيرورته خاطئاً. هذا ما قدمه الرب
الإله لأبوينا الأولين المذنبين وبطريقة مؤثرة للغاية، لأنه لم يكن في خطاب مباشر
للساقطين بل في سياق القضاء على الحية. ومن غير الله كان يمكن أن يفكر في حكم
يصدره على العدو، أن يضمنه أيضاً إعلاناً عن مخلص؟ وهكذا في كامل القداسة ألمع له
المجد إلى الإعلان عن مخلص يسحق قوة الشر لينقذ من بين براثنه فرائسه المسكينة،
لكنه مخلص يحتمل أيضاً الآلام في كامل المحبة لتميم ذلك الخلاص. ومن سوى عديم
الإيمان لا يرى بكل وضوح أن هذا هو معنى سحق العقب؟ غير أن "نسل المرأة"
– رغم آلامه هذه – يسحق رأس الحية. فهو إذاً قضاء مبرم وهلاك كامل لم تقوم للشرير
قائمة بعده.

 

إن
"المحبة" المقصود هنا لا نبع لها في المخلوق بل هي "من الله".
ولو لم يكن الله هو المصدر والقوة لما استطاعت نفس أن تخلص، ولما استطاع أن يسلك
في محبته. إن المحبة تعرف كيف تهيئ موارد النعمة حيث يكون الإنسان غارقاً في
الحمأة والخراب الكامل. انظر إليها في المسيح الذي مات لأجل خطايا المؤمن مغفورة،
إذ لو كان ذلك هو الكل، لجاز أن يقال أن القديس إن أخطأ لزم أن يبدأ طريقه من جديد.
ولعلنا لا نجهل أن هناك مسيحيين يزعمون أنه إذا أخطأ المؤمن فإنه يخسر كل شيء
وعليه أن يبدأ من جديد. ولكن من الواضح أن من يظنون هكذا لا يؤمنون في الحياة
الأبدية باعتبارها ملك المؤمن في المسيح منذ الآن. ويؤلمنا من الجهة الأخرى أن
نشير عرضاً إلى فريق آخر من النصارى ينكرون الحياة الأبدية ولو بأسلوب يختلف عن
السابق. ولكن مهما تكن أساليب الإنكار فهي بلا شك خطية كبرى ضد حقيقة جوهرية من
حقائق المسيحية.

 

بعد
ذلك يقول الرسول "كل من يحب فقد ولد من الله" فكوننا من الله، هذا يتضمن
أيضاً وجود المحبة فينا كأولاد. وحيث أن الأولاد حاصلون على طبيعة الله أبيهم. فكل
من لا يحب لم يولد من الله. لكن قد ترى واحداً يكون تعليمه الكتابي ناقصاً أو
مغلوطاً ولم يتعلم بعد كيف يحكم على فورات الجسد فلا يعرف بالتبعية أن شعوراً من
البغضاء لا يتفق مطلقاً مع المسيحي لأنه لا يتفق مع الله ولا مع الحياة التي في
ابنه. "إن المحبة هي من الله، وكل من……" – ليس أوضح من هذا –
"وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله". أو ليس عجيباً أن يقال هذا عن
إنسان على الأرض؟ أننا نعرف القليل جداً عن بعضنا البعض، ومن الأدلة على جهلنا حتى
بأقرب أصدقائنا وأقاربنا أننا نفاجئ من وقت لآخر بأمور صغيرة تثير فينا الدهشة
والحيرة وتسبب عنها آلام وأحزان لا آخر لها على الأرض. نعم فلو كنا نعرف بعضنا
بضاً معرفة صحيحة، ولو كنا نحمل بين جنوبنا طبيعة حبية، إذاً لانتهت هذه المفاجآت
واختفت هذه الهنات الهينات. فكم هو عجيب حقاً، أننا نحن الذين هذا مبلغ جهلنا
بأوثق أحباءنا وأقرب أقربائنا، نكون كفاة لأن نعرف الله؟ إننا قد نعرف القليل جداً
عن إخوتنا. والسبب في ذلك ضعف محبتنا، فلو كانت محبتنا قوية بالإيمان، والحياة
الجديدة عاملة عملها بغير عائق أو معطل لتوافرت لنا وثاقة المودة والإلفة وجميعهم
ولاشتركنا معهم في آلامهم مع المسيح ومن أجل اسمه بطريقة ترضي الله وتطيب خواطرهم
وتجلب البركة لنفوسنا. لأن الثقة وليدة المحبة. والمحبة المدركة تولد الثقة، كما
رأينا بالنسبة لله وأولاده. ومن منا يجهل قلة الثقة نسبياً حتى بين أولاد الله؟
الواقع أن نقص المحبة أمر مخجل للغاية لا يليق ولا يتفق مع عائلة الله. ولكن هاهو
هنا يرينا فكرة في كلمات قليلة وواضحة للغاية.

 

توجد
في هذا العالم صعوبات خطيرة تضاعفها حالة الخراب السائدة في النصرانية فهناك عدو
ماكر يعمل بلا انقطاع، وقد رأينا هذا عند تأملنا في العداد السابقة، "لا
تصدقوا كل روح" إلخ… أن الروح القدس مرسلة من الآب والابن. وكما أنت مهمة
الشيطان معاكسة الرب يسوع وإزعاجه حينما كان على الأرض، لذلك لم يلبث أن أرسل
أرواحاً شريرة لتقليد روح الله ولم يكن ذلك فقط للأرواح النجسة بل فقي التعليم
الزائف المقوض للمسيح نفسه. فكما أنا المسيح أعطى رسلاً وأنبياء ومعلمين لبنيان
وأعضاء جسده بقوة الروح القدس كذلك الشيطان أيضاً يقلد هذه الإرساليات ويعاكسها.
ومن هنا كان القول "لا تصدقوا كل روح" متبوعاً بالمقاييس والاختبارات
التي بها نعرف ونمتحن بها كل روح – وهي المقاييس والاختبارات التي سبق أن تأملنا
فيها، ولكن الكلام هنا عن سلوكنا في المحبة. فليس الأمر متعلقاً بمهاجمات ضد الحق،
بل بحياة المؤمن العملية التي يريدها الله مميزة بالمحبة أكثر من أي شيء آخر في
أولئك الذين ولدهم بكلمة الحق. إن البر مفروضاً في حياة القديس، وكذلك الطاعة، لكن
لابد من أن تكون هناك محبة وكما أن المحبة هي القوة النشطة في طبيعة الله، كذلك هي
القوة العاملة التي لا غناء عنها في حياة المسيحيين من نحو بعضهم البعض، حتى لقد
تكون هي الصفة البارزة المميزة لهم أكثر من أي شيء آخر فهل الأمر معك هكذا أيها
الأخ العزيز؟ وهل الأمر معي هكذا يا نفسي؟

 

والآن
يستهل الرسول هذا الموضوع كما فعل قبلاً في مستهل الإصحاح الرابع الذي نحن بصدده
بالقول "أيها الأحباء" إنه لنداء محبب يوجهه الرسول بصفة خاصة إلى
عواطفهم ولو أنه كان يحمل في طياته إنذاراً وتحذيراً، إذ كان مهموماً ومشغولاً
بالخطر الذي أحاط بهم يومئذ. فها هي الأرواح الشريرة قد راحت تنفث سمومها في كل
مكان. وأخوف ما يخافه الرسول وكل محب لسلامة القديسين أن يوجد بين بعض الجماعات
المسيحية – كما هو حاصل للآن فعلاً – عدم إيمان بالروح القدس من جهة وبحقيقة وجود
الشيطان وسفرائه من جهة أخرى. والواقع أن العالم اليوم يذخر بالأرواح الشريرة أكثر
من أي عهد مضى، وهي لا تعمل فقط في الممالك الوثنية، مع ما تجيش به من خرافات
مظلمة وقاسية، بل في العالم المسيحي ذاته يتخذ روح الضلال شكلاً جذاباً مدعياً بحق
أرفع وأسمى. ولسان حال ألئك الأدعياء يقول "أو لسنا نملك لم يسمع به من قبل،
وهو مع ذلك من أعظم الحقائق وأخطرها؟ حسن أنكم حصلتم على بر الله والدعوة السماوية
وسر الكنيسة وما إلى ذلك، أما الآن فلدينا ما هو أفضل بكثير. قديماً كانوا يهيئون
الأوتار، أما اليوم فقد بدأت الموسيقى الحقة ونحن رجالها!" بمثل هذا الكلام
الأرواح الشريرة ويالها من دعوى فارغة جوفاء، كلها صلف وكبرياء، بالمفارقة مع الرب
الوديع، رب الجميع. على أنهم يهدمون الحق ولا يبنون النفوس التي تثق بهم، وهم شر
أردأ حتى من أولئك الذين يقول عنهم الكتاب أنهم "يخدمون بطونهم". هم من
العالم، ومن العالم يتكلمون، ومن الذات يستمدون بواعثهم.

 

ولكن
الحقيقة السامية المتعلقة بالمحبة التي من الله هي أن الباعث كله مستمد من صلاح
الله،لأنه ليس في طبيعة الإنسان سوى عكس هذا الصلاح. أما المؤمن فإنه كخاطئ هالك
يقبل النعمة في كل كمالها باعتباره غرضها وغايتها، وإذ ينال الحياة الأبدية في المسيح
فإنه ينالها فائضة فيه باستمرار. فهي إذاً من الروح القدس عاملاً في طبيعته
الجديدة كمولود من الله. ومن حقه أن يفتخر بالله كما يفتخر أيضاً بمحبة الله التي
اتجهت إليه في غير ما سبب أو باعث سوى ما لله من صلاح يلذ له أن يوصله للآخرين.
وهكذا هم المسيحيين الذين بالإيمان بالمسيح قد امتلأوا أولاً باليقين بأنهم
محبوبون بمحبته وثانياً بالرغبة القلبية في ممارسة تلك المحبة بروح الله تجاه
إخوتهم (لأن هذا هو الاتجاه المقصود هنا). ولكن المبدأ واضح للغاية وهو أن المحبة
غير منفصلة عن الولادة من الله لدرجة أن كل من يحب يقيم الدليل بعمله هذا على أنه
ابن لله. وهذا النوع من المحبة لا دخل له إطلاقاً بالعواطف الطبيعية التي نعلم
كلنا أنها قد تكون قوية وشديدة حتى في أشر الرجال والنساء. فمع أنهم أعداء لله
ألداء، منغمسون في الشهوات الدنيئة والمشاعر والانفعالات المنحطة، لكن قد يوجد فيهم
الكثير من حلاوة الشمائل ورقة الخصال الطبيعية بل قد حب الخير والإحساس أيضاً.
ولكن شيئاً من هذا ليس محبة الله، ولا يشار إليه هنا في كثير أو قليل، ولا إلى أي
شيء آخر سوى ما أضاء في ربنا يسوع

 

إن
المحبة كما يقول الرسول "هي من الله" فكل ما هو من ذواتنا ليس من الله
وهذا حق حتى بالنسبة للمؤمن. فالمحبة ليست من تصميم ذاته الطبيعية، بل هو يستمدها
كاملة من فوق، فهو مولود من الروح، ومن كان كذلك فهو روح وليس جسداً. هو مولود من
الله، والله محبة.

 

والأعداد
التي أمامنا مرتبطة بالأعداد الأخيرة من الإصحاح الثالث لأول مرة في هذه الرسالة
نسمع عن روح الله، لقد حدثنا الرسول هناك عن ثبا الله في المؤمن، والبرهان على ذلك
الثبات هو الروح الذي أعطانا. فالروح المعطى للمؤمن يثبت فيه، وهو البرهان أن الله
ثابت فيه، وهذه حقيقة تفوق كثيراً عن حقيقة نوال الحياة الجديدة، فمع عظمة هذه الهبة،
هبة الطبيعة الإلهية التي نشترك فيها، فإن أعظم منها بكثير ثبات الله فينا، وهذا
يتم ويتحقق بعطية الروح القدس الذي هو العلامة المميزة للمسيحي.

 

إذاً
فالهدف الذي يرمي إليه الرسول هو تقوية محبة المسيحيين المتبادلة بإرجاعها إلى
منبعها الأصلي وإلى الطبيعة التي متى كانت عاملة لا بد أن تلائمها. لكن هناك عوائق
تتعارض مع المحبة وتصدمها بشدة، من داخل ومن الخارج. ومن أجل هذا يحتاج القديسون
لثبات الله فيهم لكي يتسنى للمحبة أن تعمل عملها الكامل بحرية، ولهذا فإنه يعوزنا
ليس فقط أن نكون مولودين من الله، بل أن تكون لنا أيضاً القوة الإلهية، لا بل أن
يثبت الله فينا، حتى نستطيع أن يحب أحدنا الآخر بحسب الله، إذ لو كنا فقط مولودين
من الله، لبقي هنالك عائق قوي في طريق المحبة الكاملة وهو جهلنا بالفداء، فلابد أن
يوجد فينا الإيمان بعمل المسيح لأجلنا، الإيمان بدم المسيح الذي يطهر من كل خطية.
ولا يدهشنك هذا القول، فإن عملاً إلهياً قد يجري في النفس قبل أن تستريح راحة
كاملة على الفداء الذي بالمسيح يسوع والأدلة كثيرة في الكتاب على هذه الحقيقة:

 

خذ
مثلاً حادثة المرأة الخاطئة المذكورة في إنجيل لوقا (ص 7). تلك التي يصفها الروح
القدس بهذه الكلمات القليلة التي تنطوي على حقائق كثيرة "امرأة في المدينة
كانت خاطئة". ومع ذلك فقد جاءت إلى بيت سمعان الفريسي حيث كان الرب متكئاً مع
تلاميذه، الأمر الذي أدهش صاحب البيت كثيراً. فإنه رغماً عن الظروف المانعة
استطاعت أن تدخل ذلك البيت وهي التي كانت تخشى أن تدخله في أي وقت آخر. فما الذي
شجعها وقوى عزيمتها؟ إنها إذا نظرت إلى الرب بالإيمان لم يستطع أي شيء أن يعيقها
عن اقتحام ذلك البيت في مثل هذه الظروف نقول "اقتحام" لأنه هكذا كان
يبدو للعين المجردة ولابد أن هذا ما يقوله كل واحد بحسب الطبيعة. ولكن قوة الإيمان
تحطم العراقيل وتشق طريقها غم العوائق الجبارة ومع ذلك فلم تكن تعرف حتى ذلك الوقت
أن خطاياها مغفورة. ولا كانت خطاياها مفغورة فعلاً. ولكنها كانت تسير في طريق
المعرفة. لقد أحبت الرب ولعلنا لا نغالي إذا قلنا إنها أحبت التلاميذ أيضاً فهناك
عمل قوى آخر من أعمال الله يخلق هذه العواطف في دورها. ولكن الرب كان قد اجتذبها
لنفسه بعامل إلهي جديد. وهذا هو الإيمان العامل بالمحبة. إن نعمته قد خلقت فيها
عاطفة لم تكن تعرفها من قبل. وكانت موقنة أن الرب مملوء بالمحبة المقدسة. وإلا
فلماذا كان يجول هكذا في كل البلاد يصنع خيراً؟ وماذا كانت القوة الدافعة له في كل
حياته، في أقواله وفي أعماله؟ أليست هي المحبة الإلهية؟

 

وهكذا
كانت الحياة قد بدأت تعمل في هذه المرأة التي كانت إلى ذلك الوقت معروفة أنها
خاطئة مليئة بالدنس ولها سمعة شائنة. ولكنها كانت قد آمنت بالرب وقد أحبت كثيراً
كما شهد الرب لها أمام سمعان وأمام الجميع. قد وجدت فيه حياة جديدة، وقد نشأت فيها
صفة جديدة فضل ذلك الشخص المبارك. وهاهو الآن في مدينتها وقريب منها. قد لا تراه
على الأرض مرة ثانية وقد لا تتاح لها فرصة أخرى مناسبة مثل هذه، رغم أنها قد تكون
غير مناسبة في أعين الآخرين.إن هذه فرصة نفسها وقد تكون فرصتها الوحيدة وقد
استغلتها أحسن استغلال. وهذا هو دائماً الحال حينما يعمل الإيمان البسيط ويستحث
القلب. ليس هناك وقت تضيعه، وليس هناك أي عذر للتسويف، بل على الفور دخلت البيت
وهناك "وفقت عند قدميه من ورائه باكية". ويالها من وقفة طبيعية غير
متكلفة تسطع بالجمال الأدبي العظيم. إنها بكل يقين لم تتعلم هذا الأدب المقدس من
حياتها الماضية بل كان من عمل الإيمان بالمسيح في نفسها. هناك ابتدأت تبل قدميه
بالدموع وتمسحهما بشعر رأسها. وكان الرب يعرف كل ما جرى دون أن يلتفت لينظر إلى
التي وراءه. نعم، كان يعرف كل شيء معرفة كاملة، أكثر من أي شخص آخر. غير أن عملها
كان مدعاة لتهكم سمعان على الرب واحتقاره، لأن الإحساس السئ من غير المؤمن يتجه
إلى الرب أكثر منه إلى اتباعه، ولو أنه لا يقول ذلك دائماً إنه كذلك. ومن الممكن
أنه حتى سمعان لم يكن يسمح أن يعرف عنه الشعور ولكن الواضح أن هذا هو كل الاستنتاج
الذي استخلصه من هذه الحادثة، وهو استنتاج لاشك من إملاء الشيطان "لو كان هذا
نبياً لعلم من هذه المرأة التي تلمسه وما هي، إنها خاطئة".قال ذلك في نفسه،
ولكن الرب سمع وأجاب. ألم يأت ليخلص ما قد هلك، وليخلص سمعان أيضاً إن هو اتضع كما
اتضعت هي؟ ولكن الوقوف موقف الخاطئ أمام الله بإخلاص هو أمر أشق على نفس فريسي
متكبر معتد ببره الذاتي منه على امرأة خاطئة مسكينة لم يكن لديها من البر الذاتي
ما تخسره.

 

ولكن
النعمة والحق يستطيعان أن يحطما إرادة أمثال شاول الطرسوسي من جهة كما يستطيعان أن
يشعرا الفاسد بعظم خطيته من الجهة الأخرى وهنا ما الذي حطم إرادة المرأة وخلق فيها
المحبة؟ إنه يسوع للإيمان والمحبة الإلهية الظاهرة في يسوع. لكن المرأة كانت بحاجة
إلى أكثر من ذلك، كانت بحاجة للغفران، وقد أعطتها النعمة حاجتها على الفور، وهو
اليقين بغفران خطاياها فليس أبهج للقلب حقاً من أن يعرف غفران الخطايا في حضرة
الله. والرب في محبته لا يترك الخاطئ يستنتج هذه الحقيقة لنفسه بل يعلنها واضحة
صريحة، وهاهو ينطق كلمة الله التي تتلهف عليها النفس "مغفورة ك خطاياك".
وقد كان حقه أن يفعل ذلك. صحيح أنه لم يكن قد تم العمل الذي عليه يقوم غفران
الخطايا، غير أن ديان الأحياء والأموات لا يمكن أن ينطق إلا حقاً كما أن ديان كل
الأرض لا يمكن أن يصنع إلا عدلاً. وهكذا يدافع السيد عن المرأة موبخاً عدم إيمان
الفريسي، فقد أظهر له المجد أنه رب الأنبياء، ثم نطق بغفران الخطايا كما يحق لله
وحده. ومن فيض نعمته أخبر المرأة أن إيمانها خلصها، ومن ثم أرسلها في سلام.

 

فما
لم نعرف أن الإيمان قد خلصنا وأن خطايانا مغفورة، تظل مسألة سلامنا شاغلة أذهاننا
مستولية على تفكيرنا وهي بلا شك المسألة الهامة التي تواجه النفس بمجرد إحيائها.
وهل تستطيع النفس التي استيقظت أن تجد راحة ما لم تعرف أن خطاياها قد محيت وأنها
مخلصة؟ فإنه طالما تساور النفس الشكوك ويخامرها التردد والغموض فإن القلب يكون في
حالة قلق وعدم استقرار. وما لم يكن لدينا اليقين بأن خطايانا قد غفرت، فمن الطبيعي
أننا لا نكون في حالة تسمح للقلب بأن يتجه بالمحبة نحو الذين خلصوا من القلق
واستقرت نفوسهم واستراحت، وإلى تلك اللحظة لا نستطيع أن نتخذ بالضبط مركز أولاد
الله. وكما نالت المرأة هذا اليقين من شفتي الرب، نناله نحن بالإيمان من كلمة
الله. وإذا لم يكن لنا في نفوسنا يقين علاقتنا الجديدة بقوة المكتوب، فلابد أننا
حينئذ نتصرف بمقتضى حساسيتنا الخاصة أو أفكارنا الشخصية، أو ربما أفكار إنسان لا
يعرف أفضل منا. على أنه حتى ولو كان هذا الإنسان أفصح الكارزين وأبلغهم، وحتى لو
أنه لا يكرز إلا بالحق، فإننا مكلفون أن نقبل شهادة يمكن أن تفيد شيئاً في هذه
القضية سوى شهادة الله وليس من قاعدة للإيمان سوى كلمته. إذن فلابد لنا أن نستمد
الحق من الله، وكيف لي أن استمد منه؟ بالكلمة المكتوبة والمودعة الآن بين أيدينا.

 

إذاً
فليس هناك من فأس يمكنك أن تضعه على أصل شجرة الحق أخبث وأشر من إنكار السلطان
الذي للكتاب.

 

ومن
أبرز علامات الإيمان في هذه الأيام هو ما يعتقده البعض أن الكتاب المقدس يضم بين
دفتيه الكلمة ولكنه ليس كله الكلمة – كما يقول الملحدون الأكثر تواضعاً. ولكن
الحقيقة هي أن ما علم به الرب والرسل هو الكلمة. وبما أن "كل الكتاب هو موحى
به من الله" فإن الرب والرسل قد أقروا ما هو مكتوب لكنيسة الله. صحيح أنهم في
تلك "الكتب النبوية" قد يذكرون ما يقوله الشيطان أو ما يقوله أناس
أردياء لكنه أمر طبيعي أن هذه الأقوال لم تعط لنا لكي نتبعها بل لكي نعرف بها
الأعداء بقدر ما تشاء إرادة الله – ولئن كان عدم الإيمان يقيم الصعوبات والعراقيل
فإن المؤمن يتقبل من الله ما يقوله عن الشر كما يتقبل ما يقوله عن الخير. فالمكتوب
هو بالحقيقة كلمة الله المعطاة لنا لكي نستفيد من حكمته ولكي نتحذر بها ونكون أقدر
على تجنب كل شرك أو خطر يأتينا من جانب الشيطان أو الذهن الطبيعي المجرد.

 

منذ
سفك دم المسيح، أو بعبارة أعم، منذ مات وقام، أصبحت الطريق التي بها تدخل النفوس
إلى دائرة السلام هي طريق الإيمان بالإنجيل. ففي رسالة الإنجيل يعلن الروح نعمة
الله المخلصة. والإيمان يجد في المسيح لا الحياة فقط بل السلام أيضاً. وهذا هو
الإعداد الصحيح ليس فقط للطاعة بل لمحبة المؤمنين الذين هم أولاد الله مثلنا. لاشك
أن الطبيعة الجديدة تحب، وإن الحياة الأبدية الموهوبة لنا لها القدرة والكفاية على
المحبة، ولكن الجسد غير المدان إدانة صحيحة يقف عائقاً في الطريق. والنعمة تنادينا
أن نلاحظ ونعرف هذا التناقض وعدم الانسجام قبل أن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام.
فقد تكون هناك آلة بخارية جاهزة ومعدة بكل أجزائها للاستخدام ولكن لابد لها من
البخار ليتسنى لها العمل والسير. وهذه صورة تشبيهية لما نراه في الأعداد التي
أمامنا.

 

وهناك
الجانب المظلم كذلك. "ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة". فمهما
تكن مواهب إنسان ما، أو مهما تكن جهوده ومساعيه، ومهما يكن صيته ونفوذه، فإنه إذا
كان لا يحب فهو لا يعرف الله. والكلمة هنا قاطعة مانعة لا تدع مجالاً لأي خداع أو
غرور. المولود من الله يحب أخاه ويعرف الله. إن مشاعره الإلهية الجديدة لها
دائرتها الخاصة المحدودة، وهو له في نفسه تلك المعرفة بالله التي يقول سيدنا بصريح
العبارة أنها الحياة الأبدية. وما قاله له المجد في (يو 17: 3) نراه هنا مستعاداً
في عبارة تعليمية مختصرة من الناحية السلبية "من لا يحب لم يعرف الله لأن
الله محبة" فحيث لا محبة، لا معرفة بالله. والسبب واضح بقدر ما هو حاسم
"لأن الله محبة".

 

والعددان
التاليان يعلنان محبة الله في سمو نعمتها وكمالها، ذلك النهر المتدفق الذي يملأ
القلب الخاوي ويجعله يفيض بالمحبة. فيحدثنا الروح القدس عن محبة الله في مظهرها
الرائع في المسيح الابن مرسلاً إلى عالم الخطية والأنانية والظلمة. والواقع أنه
يصورها لنا بعبارة يصعب العثور على ما يدانيها في جلالها وروعة بساطتها،
"بهذا أظهرت محبة الله فينا".فهو لا يقول أنها أظهرت "إلينا"
أو "إلى الكل" كما يقول الرسول بولس في (رو 3: 22). صحيح أن محبة الله
قد ظهرت إلى كل إنسان من حيث المبدأ ولكنها هنا محدودة ومنصبة "على كل الذين
يؤمنون" كما هو الحال في نفس العدد المشار إليه في رسالة رومية. إنها ظهرت
"فينا" بمعنى أنها تمت فعلاً في حالتنا وعملت عملها لأجلنا. ولما كان
المقصود في العدد التاسع هو إرسالية ابن الله واستمرار مفعولها للحياة الأبدية، أو
على حد تعبير الكتاب "لكي نحيا به"، فإن الروح القدس بمهارته الفائقة
يستخدم الفعل "أرسل" ليس في صيغته الماضية البسيطة (
Sent) بل في صيغته الدالة على الاستمرار (Hath sent) معبراً بذلك عن الأثر الدائم لعملية
الإرسال الماضية البسيطة وفي ذلك حكمة تجل عن إدراك البشر. فو إن كان المقصود هو
عملية الإرسال إلا أن الهدف كان أعمق وأعظم وأخطر ما كان يشغل الآب والابن سواء في
الزمان أو الأزل. قد يكون الفارق طفيفاً، لأنه ليس سوى صيغة أخرى لنفس الفعل، ولكن
بما أن كل الفوارق في الكتاب مرجعها الحكمة الإلهية فإنه يجمل بنا أن نتعرف المعنى
المراد من كل منها. فالفعل "أرسل" في صيغة الماضي البسيطة يعبر عن مجد
الحقيقة في ذاتها، ولو أنها حقيقية لها أثرها العظيم، أما الصيغة الأخرى الدالة
على الاستمرار فتعبر عن الأثر الحاضر لعمل ماض وهو يتناسب مع إرساليته له المجد
لكي نحيا به. فما أروع المكتوب وما أكمله!

 

"بهذا
أظهرت محبة الله فينا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي يحيا به" وما
أدق حرص الروح القدس في تقرير جد شخص سيدنا في هذه الحالة! "ابنه
الوحيد" لم يكن ضرورياً أن يكرر هذا الوصف في العدد التالي ولو أن
الابن" بطبيعة الحال هو نفس الشخص في الحالتين. ولكن الروح القدس قد رأى
لزاماً وحكمة سامية أم يميز ذلك العمل العظيم، الخطير في نتائجه الباقية الأبدية،
وأن يصفه بلغة غاية في البساطة حتى يستطيع بعظمته الفائقة المجردة من كل زخرف أن
يؤثر على القلب ويملأه لدرجة الفيضان بمحبة الله. "أن الله أرسل ابنه الوحيد
إلى العالم لكي نحيا به". هذا هو أول أعمال النعمة الإلهية، وهو عمل جوهري
وكان لابد منه لسد حاجتنا الأولى إذا كنا حقاً أمواتاً روحياً. وهذا هو الحال مع
كل نفس إلى الآن. إن المطلب الأول والبرهان الأول على محبة الله المدهشة أو أولئك
الذين كانوا موضوع محبته حال كونهم أمواتاً يعطون الحياة. لم يكن ليهمهم أن يعرفوا
الله وأن يعرفوا حالتهم. قد تكون لديهم بعض الآراء العقلية وليدة الذهن البشري،
ولكن بدون نبضة حياة واحدة من نحو الله، ولو أن فيهم الضمير الذي يجعلهم يرتعبون
منه تعالى أكثر من ارتعابهم من الشيطان.

 

ومع ذلك
ففي مواجهة هذا التدهور والانحطاط "أرسل ابنه الوحيد إلى العالم" يالها
من حقيقة!! وما أعجبها في حد ذاتها، وبخاصة ولم يكن لها من حافز سوى المحبة. إنها
لم تكن شيئاً عمل في السماء، بل إلى العالم قد أرسل الله ابنه الوحيد ليعطي حياة
يؤهلنا بها الله في ذلك المكان الذي منه جاء، فما من عمل كان يعمل في السماء ولو
بالابن نفسه كان يرضي الله أو يفيد الإنسان، فكان طريق المحبة والحالة هذه أن يصير
الابن إنساناً لكي يمجد الله ويهب الحياة في أسمى طبيعتها للإنسان الميت بواسطة
الإيمان. كان هناك يهود، وكان هناك أمم، ولكنهم جميعاً كانوا على السواء أمواتاً
في ذنوبهم وخطاياهم، وبالطبيعة أبناء الغضب. وكبشر كانوا أمواتاً وهو يعيشون على
الأرض في صورة أحياء. لم تكن فيهم كراهة للخطية ولا محبة للنعمة. ولا ذرة من
الاستقامة داخلاً أو خارجاً، فإن اهتمام الجسد، سواء في الختان أو الغرلة، ليس سوى
عداوة لله، ومع ذلك فالله قد أرسل ابنه الوحيد مسرة الآب في كل الأزلية – أرسله
إلى العالم لكي نحيا به. والحياة الموهوبة لنا هي حياته تبارك اسمه.

 

يخبرنا
العهد القديم كيف سلك الجنس البشري بأجمعه، يهوداً كانوا أو أمماً، طوال الآلاف من
السنين، مسلك العصيان أمام الله، ويحدثنا العهد الجديد بما هو أمر وأنكى. ومع ذلك
فإن الله الذي كان يعرف كل شيء مقدماً أرسل ابنه الوحيد إلى العالم، ولأي غرض؟ هل
لكي يدين العالم؟ كلا، بل لما هو عكس ذلك في خط مستقيم. لكي يحي النفوس الميتة
بواسطة الحياة الأبدية التي في ابنه. وهذا هو الذي يعنيه القول "لكي نحيا
به" فهناك كانت حياة جديدة لم يعرفها الإنسان كإنسان، ولا حتى آدم في حالة
الطهارة الأولى في جنة عدن، يوم عصى هو محوط بالخير فجلب الموت والدينونة. وقد
عرضت الحياة بعد ذلك للإنسان الطبيعي، لإسرائيل تحت الناموس، فإن هو أطاع الناموس
عاش. ولكن نتيجة توسيط الناموس لم تكن سوى أنه صار خدمة موت ودينونة لأن إدخال
الناموس أثار إرادة الإنسان ومن ثم صار متعدياً وبذلك أصبح بعد الناموس خاطئاً
أردأ مما كان قبل الناموس فلكي تظهر الخطية أنها خطية أنشأت بالصالح موتاً لكي
تصير الخطية خاطئة جداً.

 

وهكذا
لم يستطيع الإنسان تحت الناموس أن يحصل ولو على إطالة حياته القديمة وكل ما حصده
الخاطئ تحت الناموس إنما كان الخراب الشامل.

 

غير
أنه كانت هناك حياة أخرى، الحياة الأبدية، وهذه الحياة كانت في الابن، الابن
الوحيد الذي أرسلته محبة الله إلى العالم. هذا كانت فيه الحياة. لا شك أن الآب
يقيم الأموات ويحيي من يشاء لأن ذلك من حق الله. ومن أجل ذلك فإن الابن أيضاً يحيي
من يشاء. ولكنه إذ صار إنساناً – مع أنه لم يتوقف قط عن أن يكون الله – فإنه في
كامل الاتضاع يتقبل كل شيء من الله كما يليق بالإنسان الكامل. ومن هنا نفهم معنى
قوله الكريم "لأنه كما أن الآب له حياة في كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له
حياة في ذاته" (يو 5: 26) فالابن هو الذي أرسل ليصير إنساناً وخبيراً
بالإنسان. لقد كان دائماً أبداً غرض الإيمان، وعندما صار إنسانا ًظل هو هو ومن باب
أولى موضوع الإيمان باعتباره يسوع المسيح والابن في شخص واحد. وكذلك وضح بصورة
متزايدة لمن من الخلائق قد جاء له الجد في محبة الله. نعم، وضح وتجلى أنه من أجل
الإنسان قد جاء وليس لأجل الملائكة، إذ "الحياة كانت نور الناس". ولكن
مجرد النور لم يكن يكفي لسد حاجة الناس فمع أن المسيح لما جاء إلى العالم كان ينير
كل إنسان، بل كان هو النور لكل إنسان فإن الأمر كان يتطلب ما هو أزيد من ذلك
بكثير، كان يتطلب حياة للأموات، ومن أجل ذلك جاء المسيح باعتباره الحياة لكل مؤمن.
وكل الذين قبلوه أعطاهم سلطان أن يصيروا أولاد الله. وهكذا ولدوا ليس من إنسان أو
من أي مصدر من مصادر الطبيعة البشرية بل من الله ولكن لا يمكن أن يكون هناك إيمان
أو ولادة جديدة دون الكلمة والروح. عم لابد من وجود كلمة الله لأن جوهر الإيمان
أنني عوضاً عن تصديق أفكاري الخاصة أو أفكار الآخرين أصدق الله في كلمته (رو 10:
17، يع 1: 18، 1بط 1: 23 – 25) والمسيح هو الزرع الذي لا يفنى، بكلمة الله الحية
الباقية.

 

عندما
أخطأ آدم وحواء في الجنة، كان سبب ذلك نسيانهما لكلمة الله وعدم خضوعهما لها.
فأغويت حواء بغواية الحية أما آدم فلم يغو بل بجسارة تعدى. كل ذلك لأن كلمة الله
لم تسيطر على نفسيهما. فوجد العدو الماكر ثغرة استطاع من خلالها أن يبذر بذارة سوء
الظن بالله الذي نهاهما عن الأكل من الشجرة قالت الحية أنهما لو أكلا منها يصيران
كالله عارفين الخير والشر ثم أعقب ذلك دخول الشهوة واتجهت في قلب المرأة صوب تلمك
الشجرة بعد أن لم تعد تخشى الحديث لفرصة أطول مع مخلوق قد وضح جلياً أن غرضه لم
يكن إلا إغواء المرأة على عصيان النهي الإلهي، والشك في حقيقة الموت كنتيجة
للعصيان. وكأني بتلك الحية القديمة تقول للمرأة: "ليس هكذا يا عزيزتي. حاشا
لله أن يكون قاسياً إلى هذا الحد. تطلعي إلى جمال الشجرة وأبهجي عينيك بمنظر
ثمرتها الكثيرة بأن تصير كما حكيمين. إن الله يريد أن يحتفظ بمعرفة الخير والشر
لنفسه دون سواه. إنكما بالأكل من هذه الشجرة ستجدان أنكما قد انتقلتما إلى حال
جديد يختلف عن الأول كل الاختلاف إذ يكون في مقدوركما مستقلين ومن تلقاء نفسيكما
التمييز بين الخير والشر. إنكما لا تعرفان شيئاً عن هذا الآن، ولكنكما حين تأكلان
من هذه الشجرة ستعرفان من مجرد وحي الضمير كما إذا كان الشيء خيراً أو شراً،
فلماذا لا تسموان بنفسيكما إلى حالة الاستقلال عن ذلك الذي يزدري الإنسان،
وتتمسكان بحقوقكما كسيدين لكل الخليقة التي حولكما".

 

إنها
الذات، أصل الداء ومنبت الشر، ولكن ابن الله جاء بالمحبة ليقف في الثغرة ومن ثم
فإن لضرورة الأولى هي إلى طبيعة من الله تتوق وتصرخ إلى الله ليهبا ما يقدمه
الإنجيل ومعنى ذلك أنه لابد أن يولد الإنسان من الله قبل أن يرتاح راحة حقيقية على
كفارة المسيح. ذلك لأنه إذ يحصل على الحياة الجيدة بهذه الكيفية يدرك في الحال
ضرورة الكفارة وقيمتها الثمينة، وهكذا بالإيمان يأكل جسد المسيح ويشرب دمه، ولذلك
يقال عنه أنه يؤمن بقلبه أن الله أقام المسيح من الأموات (رو 10: 9). وهذا ليس
معناه عاطفة جياشة معينة تستولي على الإنسان في وقت من الأوقات. كلا، دخل لمشاعر
النفس وانفعالاتها في الأمر، بل معناها أن قلب الشخص المتجدد عوض أن يقاوم الحق
أصبح طائعاً مرحباً ببشائر الخلاص التي يرسلها الله إليه، وكما أن القلب يؤمن به
للبر المؤسس على تقدير الله لعمل الرب يسوع الكفاري، كذلك الفم يعترف به للخلاص
وبهذا يكرم الله وابنه، الرب المرفوض.

 

ولكن
أول مطاليب النفس وحاجتها القصوى هي الحياة، الحياة الأبدية في الابن. فقبل أن
يحصل الإنسان على الحياة ألا يكون عنده الشعور الكافي بالخطية إذ كيف يتسنى له قبل
ذلك أن يعرف طبيعة الله المقدسة معرفة صحيحة. إنه لا يعرف سوى الرعب من الله، وهذا
قد يتوفر لدى الوثني، بل أن الشياطين تؤمن وتقشعر كما نتعلم من الكلمة وهو ما نجد
فيه التفسير لحقائق كتابية كثيرة. ومبعث خوفها واقشعرارها أنها تعرف جيداً أن لا
غفران لعصيانها. ومع أنها لا تعرف من هو يسوع فإن هذه المعرفة لا تفيدها شيئاً
لأنه مقضي عليها بإهلاك إذا أخطأت خطأ لا علاج له، فلا أمل في خلاص أي روح شرير أو
ملاك ساقط.

 

ولكن
الأمر مختلف كل الاختلاف فيما يتعلق بالإنسان. فإن ذات ميلاد المسيح يشهد للمسرة
بالناس، فكم بالأحرى موته الكفاري! على أنه لكي يتسنى لدمه المسفوك أن يطهر القلب
والضمير لابد لنا من طبيعة جديدة نعطاها بقبولنا الرب يسوع. وهي ليست الراحة
الكاملة على عمله الكفاري بل الإيمان بنعمته كمن جاء في الجسد وبمجده كمن جاء بهذه
الإرسالية العجيبة وإرسالية محبة الله. وما إن يقبله القلب من الله على هذه الصورة
حتى تنال النفس الحياة على الفور. فالحياة هي دائماً شيء يتم مرة واحدة وفي الحال
ولكنها ليست دائماً مصحوبة بالسلام فإن النفس في الواقع قد تجوز بعد ذلك في
اختبارات ليست بقليلة لا تكون في خلالها متمتعة بالسلام الحقيقي وقد تدوم هذه
الحالة شهوراً بل أعواماً، ومع ذلك فإنها تكون شريكة الطبيعة الإلهية بواسطة
الخضوع لابن الله ولو بدون سلام ثابت. ومثل هذه النفوس تكون حاصلة على الحياة من
اللحظة التي فيها قبل القلب الرب يسوع، وبذلك يكون لها الإدراك الإلهي لحقيقة وجود
الشر في الداخل والحكم الصحيح على طرقها الماضية ليس فقط ما فعلته بل ما هي في
ذاتها وحقيقة طبيعتها، وهذه هي ثمرة نوال الحياة الإلهية. ومن هنا جاءت الإشارة
إليها في الوقت المناسب والمكان المناسب، إذ يحدثنا عنها الروح القدس قبل أن
يحدثنا عن تطبيق وتخصيص الكفارة لخلاص النفس من ثقل الخطية.

 

"بهذا
أظهرت محبة الله فينا (أي في قضيتنا) أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي
نحيا به". ذلك أننا إلى ذلك الوقت كنا أمام الله أمواتاً روحياً مجردين
إطلاقاً من أية رابطة حية مع الله سوى تلك المسئولية الرهيبة الناشئة عن كوننا
بالطبيعة ذرية الله مع كوننا في الوقت نفسه أعداء الله بالأعمال الأثيمة. على كوننا
ذرية الله بحكم خليقتنا (بالمباينة مع العجموات البائدة) لا يفيدنا شيئاً في خلاص
نفوسنا التي أتلفتها الخطية. فقد سقط الإنسان وهو تحت المسئولية وما كان تعهد
اليهودي بطاعة ناموس الله إلا ليزيد في مسئوليته ولم يستطع البتة إنقاذه من الغضب
الآتي. وعندئذ اصبح العالم معسكرين: أحدهما الإنسان بدون الناموس عاملاً مشيئته
الخاصة وثانيهما اليهودي تحت الناموس محاولاً جهده لكسب رضاء الله. ولكن النعمة
المخلصة ليست في الخاطئ بل في المخلص. "الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد
خطاة مات المسيح لأجلنا". هذا هو الإنجيل. ليس محبتنا نحن لله بل محبته هو
لنا ونحن بعد خطاة – محبته التلقائية من نحونا.

 

وهنا
أيضاً يتجلى هذا المظهر الثاني من مظاهر محبة الله، حيث يرسم لنا الرسول ما فعلته
محبة الله إزاء ثقل خطايانا وليس فقط إزاء موتنا الروحي. نعم فقد عملت محبة الله
ذات العمل الذي كان فوق كل شيء أقسى على قلبه وقلب ابنه من كل ما يمكن أن يخطر على
بال. فالإنسان لن يستطيع أن يدرك معنى احتمال ربنا يسوع لدينونة خطايانا من يد
الله، الأمر الذي فاق أيضاً أفكار القديسين، إذ حتى الرسل أنفسهم لم يروا إلا
الناحية الخارجية للصليب إلى أن فتح الرب ذهنهم ليفهموا الكتب.

 

على
أن الكتاب قد سبق فأشار برموز عديدة ومنوعة إلى الرب في نعمته الكفارية وآلامه
التي لا حد لها، وذلك في كل أجزائه، في الناموس وفي المزامير وفي الأنبياء. فما من
تلميذ من تلاميذ الرب إلا وقد سمع ذلك المزمور الفريد، الثاني والعشرين. وما من
أحد منهم غلا وقد حيره الإصحاح الثالث والخمسون الذي ينطوي عليه. إلا أن قيام الرب
يسوع بصنع الكفارة لخطايانا فيه حل اللغز المتضمن في هذه الفصول الكتابية الثلاثة.
إن كلمة واحدة لم تخرج من فمه الحبيب قبل الصليب لتوضيح هذه الفصول أو لفتح
مغاليقها. ولا حتى منظره مصلوباً استطاع أن يوصل الحق إلى قلوب تلاميذه. صحيح أن د
صليبه صنع السلام في فكر الله، أما لديهم فكان سبب حزن مرير وخيبة أمل قاسية لأن
أقواله السابقة قد وقعت عل آذان كانت بعد صماء عن إدراك معنى موته إذ كانوا لا
يعرفون المكتوب أنه ينبغي أن يتألم لكي يحصلوا هم وغيرهم على بركة الفداء، وهاهم
تلميذا عمواس العابسان يصوران في ذات يوم القيامة حالة جميعهم إذ يقولان للرب نفسه
"ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" – هو ذات الشيء الذي وضع
بالصليب أساسه الأبدي! ولكن بماذا أجابهما المخلص المبارك؟ "أيها الغبيان
والبطيئا القلوب في جميع ما تكلم به الأنبياء. أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا
ويدخل إلى مجده؟ " ومع ذلك فكان قد أخبرهم قبل هذا الوقت بقليل أنه
"ينبغي أولاً أن يتألم كثيراً ويرفض من هذا الجيل" (لو 17: 25).

 

دعنا
في نور الرب المقام وفي ضوء شهادة الروح القدس نتأمل في أحد تلك الإصحاحات. ماذا
تعنيه تلك الصرخة القوية التي صدرت لا من اللصين عن جانبي الصليب بل من المسيا
المرفوض المعلق بينهما؟ "إلهي إلهي لماذا تركتني"إن أقسى مرارة في تلك
الآلام التي لا مثيل لها هي هذه، العبد البار المحبوب، متروكاً من إلهه في الوقت
الذي كان فيه مرفوضاً من شعبه، مستهزأ به من الأمم، مهجوراً من تلاميذه، أي نعم
لماذا – بعد أن ظل الرب طوال خطوات طريقه في التجربة والأحزان متمتعاً بضياء وجه
الله بلا انقطاع – لماذا يحجب عنه ذلك الضياء في الوقت الذي كان فيه أشد حاجة إلى
إشراقه وتعزياته؟ لقد كان الرب يعرف السبب جيداً، ولكنه ترك الجواب للإيمان
يستخرجه من قلوب أولئك الذين كانوا مرة أمواتاً ولكنهم استطاعوا الآن – بفضل ذاك
الذي حمل هو نفسه خطاياهم في جسمه على الخشبة – أن يعترفوا بأنه لم يكن لديهم سوى
خطاياهم. حقاً ما كان أعمق إثمنا! ولكن أعمق منه بكثير كانت محبة الله الذي أرسل
ابنه فقط كحياة للأموات بل كفارة لخطايانا مهما كان الثمن، وقد كان أعظم من أن
يقاس: تعييرات، وازدراء، وضحك، واستهزاء، وسهام سخرية تطعنه من كل جانب، من رجال
الدين والسياسة والجندية، بل حتى من ذينك المجرمين المصلوبين، ثيران كثيرة، أقوياء
باشان، اكتفنته، كلاب وجماعة من الأشرار أحاطت به، آلام بدنية زاده إحساساً بها
ولم يخفف وقعها عليه كماله الشخصي، حينما انسكب كالماء وانفصلت كل عظامه، ذاب قلبه
كالشمع ويبست مثل شقفة قوته ولصق لسانه بحنكه. ولكن ما هذا كله مجتمعاً بالمقابلة
مع تركه من إلهه كما أحس هو واعترف به تبارك اسمه؟

 

لقد
لاقى الكثيرون من قديسيه آلاماً بدنية مبرحة من الأمم ومن اليهود، وكانوا في ذلك
العناء الثقيل مملوئين صبراً وسروراً، وقد رأينا في تاريخ الكنيسة بعد ذلك
الكثيرين من تلاميذه يجرعون كؤوساً مترعة من التعذيب الجهنمي من أولئك الذين يحملون
اسم المسيح ظلماً وعدواناً، سيما في عصور محاكم التفتيش المظلمة، ومع ذلك فقد
انتصروا هم أيضاً باسمه الكريم على من يعتبرون بحق أشر المضطهدين على الأرض، أما
سيدنا فهو وجده الذي يعترف بفمه أن الله تركه، ويعترف بذلك لله في شدة أوجاع
الصليب وأهواله العنيفة باعتباره أعمق وأقسى وبل جازت فيه نفسه، ويعترف به بصوت
عظيم وصرخة داوية حتى يسمعها الأعداء ولو أنهم لم يدركوا من معنى تلك الصرخة وذلك
الاعتراف أكثر مما أدركه أحباؤه إلى أن أوضح الرب المقام كل شيء وأبده بعد ذلك
الروح القدس بقوة لسلام المؤمنين والشهادة للجميع.

 

ولكن
الرب الوديع صنع ما هو أكثر من ذلك، فمع إحساسه تبارك اسمه بوقع ترك الله إياه على
نفسه القدوسة والمحبة، فإنه مع ذلك برر الله وهو يضربه ويسحقه بطريقة تجل عن تفكير
كل مخلوق إذ يقول "وأنت القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل". وأكثر من
ذلك أنه يعترف – سمه كل المجد – أن ترك الله إياه كان الاستثناء الوحيد في كل
معاملاته مع المتوكلين عليه إذ يقول "عليك اتكل آباؤنا، اتكلوا فنجيتهم، إليك
صرخوا فنجوا. عليك اتكلوا فلم يخزوا، أما أنا فدودة لا إنسان. عار عند البشر
ومحتقر الشعب". أجل، لقد كان لابد من ذلك إذ جعل نفسه كفارة عن خطايانا،
لأننا نحن المذنبين ما كان ممكناً أن نخلص خلاصاً يتفق مع بر الله لولا أن الله
جعل الذي لم يعرف خطية لأجلنا لكي نصير نحن بر الله فيه. هذا وهذا وحده، هو الجواب
الصحيح للصرخة المريرة "لماذا" وهو الحل الوحيد الكامل لهذا اللغز
الإلهي العجيب، لكنه لغز لا يزال طلسماً في عيون عديمي الإيمان وبخاصة لإسرائيل
ولو أنه سيكون في يوم قادم أنشودة سبه دائم في أفواههم حين يرفع البرقع عن قلوبهم.
وهكذا نرى النصف الثاني من ذات المزمور يعلن هذه الحقيقة في وضوح ويقين مبتدئاً
بالقطيع المسيحي الصغير قبل أن يبزغ نور السماء على "الجماعة العظيمة"
(عدد 25) ويمهد السبيل المستقيم لأقاصي الأرض لتذكر وترجع إلى الرب، ولجميع قبائل
الأمم ليسجدوا قدامه، وذلك ليس في أيام المسيحية والكنيسة، بل في أيام الملكوت حين
يملك الرب بين الأمم، الأمر الذي لا ظل له في الوقت الحاضر.

 

وإنه
لمن الأهمية بمكان عظيم أن تتجلى لأبصارنا هذه الحقيقة الخطيرة، أي ترك الله
للمسيح في تكفيره عن الخطية، لأن هذا الموقف هو الأساس الوحيد لنعمة الله واستقرار
سلامنا. وبهذا وحده نستطيع أن نقدر تقديراً صحيحاً ولو ضعيفاً عمق آلام رجل
الأحزان والأوجاع التي تحملها لأجل الله ولأجلنا، ممجداً إيانا نحن الذين نؤمن.
وهنا تزل أقلام بعض اللاهوتيين، حتى الأنقياء منهم، بحيث تعود الخسارة عليهم وعلى
الذين يثقون بهم. وليس الأمر هنا قاصراً على التقليديين، ولكن خذ الإنجيليكانيين
واللوثريين والمصلحين ومن على شاكلتهم ممن يتباهون بتحريرهم من التقليد والتعصب،
ولعل أبرزهم متى هنري الابن الورع لآب ورع، وأشهر الشراح الإنجليز بلا منازع، فإنه
انزلق ولم يفطن للمعنى الجليل الذي ينطوي عليه ترك الله ليسوع على الصليب، ذلك أنه
في تفسيره للعددين الأول والثاني من هذا المزمور يقول ما نصه "في هذين العددين
نسمع شكوى أليمة من احتجاب وجه الله. وقد ينطبق هذا على داود أو على أي واحد من
أولاد الله حينما يحسون فقدان علامات رضوان الله ويشعرون بثقل وطأة الغضب
الإلهي"، لاشك أن متى هنري كان يؤمن بانطباق ذينك العددين على المسيح مصلوباً
وإلا فما يمكن حسبانه مسيحياً. على أن إيمانه بهذا المعنى سطحي كما لابد أن يكون
الحال لدى جميع الذين يتجاوزون في التطبيق شخص المسيح إلى سواه من القديسين. إن
المزمور الذي نحن بصدده إنما يتحدث عن المسيح وحده، فهو هدفه وهو محوره، وهو في
مطلعه يرينا شخصه الكريم دون سواه متروكاً من الله باعتباره كفارة عن جميع
القديسين السابقين واللاحقين. فما من أحد ساهم في هذا الموقف، موقف الترك من الله،
الذي ما كان أحد غيره يستطيع أن يحتمله مع شدة قسوته عليه باعتباره قدوس الله أكثر
بمراحل من قسوته على أي قديس ظهر على وجه البسيطة حتى أنه تبارك اسمه ينكر على
سابقيه في العهد القديم مشاركة هذا الموقف (موفق الترك من الله) والروح القدس في
العهد الجديد يستبعده عن كل مسيحي. ذلك أن المسيح ترك من الله لأجل خطايانا حتى لا
نترك منه نحن الذين نؤمن، فمن الخطأ التام القول يعملون على إضعاف الإنجيل ضعفاً
خطيراً وهم لا يدرون. فإنه حتى حينما تدعو خطية المؤمن إلى تأديب قاس فإن الله
يعامله كآب يؤدب الذي يحبه ويجلد كل ابن يقبله لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا،
لكنه قال "لا أترك ولا أهملك". هذا حق مطلق من حقائق نعمته، وكما أنه
ينطبق على الصعاب الأرضية ينطبق بالأكثر على الصعاب التي تعترض علاقتنا الإلهية
المؤسسة على فاعلية كفارة المسيح.

 

ولا
داعي هنا للرجوع إلى الشهادة الرمزية التي ينطوي عليها يوم الكفارة وإنما أود فقط
أن أشير إلى الظاهرة الجميلة التي تميز التيسين اللذين يرمزان معاً إلى التقدمة
الكفارية الواحدة عن بني إسرائيل، أحدهما من نصيب الرب والآخر لعزازيل (وهو التيس
الذي يتوه بعيداً). فكان التيس الأول يذبح ويؤتى بدمه إلى داخل الحجاب. أما التيس
الثاني، وهو المكمل للأول، فكان الكاهن يعترف على رأسه بكل ذنوب بني إسرائيل وكل
سيئاتهم مع كل خطاياهم، وكأنها وضعت جميعها على رأسه، ثم يرسله بيد من يلاقيه إلى
أرض بعيدة، إلى البرية حيث لا يعود يرى مرة ثانية وهو شهادة لنيابة المسيح في حمل
خطايانا إلى أرض النسيان، كما أن التيس المذبوح شهادة للتكفير عن الخطية المقضى
عليها أمام الرب تبريراً لطبيعته تعالى وجلاله وكلمته وكلا التيسين يرمزان إلى عمل
المسيح الكفاري الذي رأينا الله فيه غير مشفق على المخلص، ابنه الكريم، لكي يخلي
طرف خطاة مذنبين نظيرنا. وألسنا نرى أن محبة الله في الآب والابن قد تجلت تماماً
في ذبيحة المسيح التي قدمها لله نا لكي ننجو نحن ونخلص إلى الأبد؟

 

أما
عن (أشعياء 52: 13 – ص 53) فنقول كلمات قليلة لأنه صريح في إشارته إلى مسيا
المرتفع المتسامي جداً ولكنه المتألم أولاً عن الخطايا تكفيراً لشعبه الخاطئ لكي
يتسنى لهم أن يساهموا في البركة والكرامة اللتين اكتسبتهما لهم نعمته السامية.
صحيح أننا نقاسم المسيح آلام حياته، والبعض يقاسمونه آلام استشهاده، غير أنه تفرد
في آلام الكفارة والنيابة. وهاتان فقط (الكفارة والنيابة) هما المرموز لهما في
لاويين 16، وهما فقط اللتان جلبا عليه ترك الله له في مفتتح المزمور الثاني
والعشرين. نعم فهو وحده دون سواه الذي احتمل دينونة الله للخطية ولخطايانا، وليس
سوى هذه الدينونة يجلب الترك من جانب الله. قد نحتمل تأديباً قاسياً من أجل
أخطائنا، ولكنه تأديب في محبة الله. أما المسيح فهو وحده الذي احتمل ذلك النوع
الفريد من الألم باعتباره ذبيحة خطيتنا. فما معنى القول مجروح لأحل معاصينا؟ مسحوق
لأجل آثامنا؟ تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا؟ وما معنى القول أن الرب وضع عليه
أثم جميعنا؟ "ضرب من أجل ذنب شعبي". بل أكثر وأدق من ذلك أن "الرب
سر بأن يسحقه بالحزن" (أو بالألم) "إن جعل (الرب) نفسه (أي نفس المسيا)
ذبيحة الرب أثم". وما معنى هذا إلا عمله الكفاري؟ ثم ما معنى القول
"وآثامهم هو يحملها" والقول "وهو حمل خطية كثيرين"؟ حقاً إن
عدم الإيمان الأعمى العنيد وحده هو الذي يستطيع أن يتملص من المعاني التي يعلنها
الله هكذا واضحة جلية على قدر سعة الكلام الذي يفهمه الناس.

 

"في
هذا هي المحبة. ليس أننا تنحن أحببنا الله". لقد كان الناموس يطالب الإنسان
بمحبة الله ولكنه لم يجدها منه كما لم يجد منه محبة القريب. ومن السهل على الإنسان
أن يخدع نفسه من جهة تقدير محبته. فكم من يهود حاولوا أن يوهموا أنفسهم أو الآخرين
بأنهم كانوا يحبون الله والإنسان، ولكن المستوى الذي كانوا يقيسون به كان دون
مقياس الله بمراحل كما أوضح ذلك الرب يسوع لما كان هنا على الأرض. فما لم يتحرر
القلب بفداء المسيح ويكن له سلام مع الله فإنه يستحيل على المحبة أن تحطم حواجز
الموت أو تخترق أغشيته السميكة. وحتى القديسون تحت الناموس يشبهون روحياً لعازر
مربوطاً بأكفانه، حياً ولكنه بحاجة لمن يحله ويدعه يذهب. وكيف السبيل إلى ربح
القلب؟ "في هذا هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل
ابنه كفارة لخطايانا" فعلى قدر ما يكون الضمير حياً ونحن تحت الناموس بالروح
ى قدر ما نكون أقل سعادة. فإن المؤمنين الذين يعانون اختبار رومية 7 لا يسيرون خفافاً
أحراراً أمام الله بل يشعرون بوطأة تقصيراتهم ويضنيهم الحزن والقلق على نفوسهم، إذ
يقيسون موقف الله من جهتهم بمقياس موقفهم هم من جهته، ناسين أن الله الذي يبرر
الفاجر بكفارة المسيح عن الخطايا قد أعطانا بذلك البرهان الأكيد الكامل على محبته
لنا ونحن عد خطاة.

 

إن
الحياة كما رأينا تسبق السلام. فقد يتنبه شخص بواسطة فصول كتابية نظير إنذارات
الله وأقواله الخطيرة بخصوص الخطية والخطاة، وهذا نراه واضحاً في مثل الابن الضال
الذي يرد مباشرة بعد الخروف الضال والدرهم المفقود. ففي مثل الدرهم المفقود يصور
الرب حالة الهالك بصورة الميت، بينما يصوره في مثل الخروف بصورة المتحرك الضال
فهناك حياة شريرة يكون فيها الإنسان عاملاً متحركاً. وهناك حياة يكون فيها خامداً
ميتاً. هذان المظهران من مظاهر الموت نجدهما في المثلين الأولين، فالخروف الجاهل
الذي ضل بلا اكتراث معرضاً نفسه لجميع المخاطر هو الإنسان الناشط المتحرك في حياة
البعد عن الله. أما الدرهم المفقود فهو الإنسان الميت في خطاياه. والراعي يسعى
ويكد محتملاً كل العناء باحثاً عن الضال، والنور يضيء بعمل الروح القدس حتى يوجد
الدرهم المفقود، وليس هذا هو الكل ولا يفق الرمز عند هذا الحد. فلابد من الابن
الضال ليكمل الصورة، وهنا يظهر عمل اعمل الله المزدوج. فأولاً نرى الضال
"يرجع إلى نفسه" أي يتوب. يحكم على نفسه أنه خاطئ، ويعترف أنه أخطأ إلى
السماء وقدام أبيه حسب منطوق المثل، فهو إذن سائر في الطريق الصحيح، يطلب الله.
كان قبلاً يطلب شهواته أما الآن وقد رجع إلى نفسه فهو "يقوم ويذهب إلى
أبيه". ولكنه غير متمتع بالسلام بعد. هو لا يزال بالروح تحت الناموس لأنه
يريد أن يقول لأبيه "اجعلني كأحد أجراك" وهذا عين ما يفعله الناموس،
فإنه عوض أن يقود إلى الحرية يقيد النفس بأغلال العبودية. أما الإنجيل فهو وحده
الذي يخبرنا أن جميع الأغلال قد حطمها المخلص وأن العبد قد جيء به إلى حرية
المسيح. انظر كيف يتجلى هذا في أسلوب النعمة مع الابن الضال. "وإذا كان لم
يزل بعيداً رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله". لاشك أنه كان قلقاً من
جهة نفسه وأن الأفكار والتصورات قد نازعته عن كيفية استقبال أبيه له، ولكن العجب
أن الآب هو الذي يركض لمقابلة الابن. الآب هو الذي يعانقه رغم شره وأسماله الرثة.
أما الابن فما أبشع منظره الذي أوصلته إليه جهالته وخطاياه! وأما الآب فما أعظم
محبته الغامرة الغالبة! إنه لا يسمح للابن أن يقول اجعلني كأحد أجراك بل يأمر
بالحلة الأولى تخرج له والخاتم يوضع في يده والحذاء في رجليه والعجل المسمن يذبح
وتعمل وليمة لم يشهد البيت نظيرها من قبل. كل ذلك لابن كان ميتاً فعاش وكان ضالاً
فوجد.

 

وهكذا
نتعلم تصويرياً ما نجده مشروحاً في الكتاب تعليمياً، وهو أن صلاح الله يقتاد إلى
التوبة ويحول النفس من الاتجاه الصائب في حكم صحيح على الذات وعلامات أكيدة على
الحياة الإلهية. ولكن لنلاحظ أن ذلك الابن لم يتمتع بالعتق من الخوف أو الناموس
إلا بعد أن ضمه حضن بيه وأدرك البنوة إدراكاً كاملاً بالنعمة. حينئذ، وحينئذ فقط،
أدرك أن الجو صاف وأن السلام موفور والفضل في هذا لحضن الآب الذي جعل كل شيء
واضحاً وجلياً وأن كل هذه المعاملة الطيبة مصدرها ذلك الحضن الكريم المحب. هذا هو
الحال في الإنجيل، ولكن من أسف أن الكثيرين يقفون عند العتبة. صحيح أنهم خرجوا من
الكورة التي لم يوجد فيها من يشفق أو يرق لأشد عوز أو احتياج، ولكنهم لم يذهبوا
بعد إلى الآب الذي مع الابن يمنحنا كل شيء بكرم وسخاء. وهذا هو المكتوب هنا أيضاً
"في هذا هي المحبة" – حياة للأموات وكفارة للخطاة. أليست هذه بركة أعظم
مما لو لم نكن خطاة؟ إن آدم في الجنة لم يكن له شيء مثل هذا فلم يكن لآدم حياة
كحياة المسيح لأن هذه الحياة لم تعط للجنة. قد يكون حاصل عليها فيما بعد، شأنه شأن
المؤمنين الآخرين من قديسي العهد القديم، لكنها لم تكن له قبل ذلك. فالواقع أنه
حينما قدم الإنسان أردأ ما عنده قدم الله أحسن ما عنده. هذا هو المسيح ليس فقط
آتياً ليعطينا حياة بل مائتاً ككفارة لخطايانا.

 

عندما
نفكر في مجد سيدنا الذي مات كفارة لخطايانا وفي آلامه وبخاصة من يد الله. وعندما
نفكر في جميع خطايانا وآثامنا التي حملها كفارياً – أقول عندما نفكر في هذا وذاك
جنباً إلى جنب كم يتبدى لنا كمال ذلك الملء الذي به استطاع دون سواه أن يسد الثغرة
الهائلة التي كانت تفصل بين الله والخاطئ. هذا هو المعنى المتضمن هنا "ليس
أننا أحببنا الله" – قد نكون حاولنا أن نحبه، ولكن إن كنا فعلنا ذلك، فقد
فشلنا فشلاً ذريعاً. ذلك كان شأن الناموس، أما الإنجيل فيعلن أنه "هو أحبنا
وأرسل ابنه كفارة لخطايانا". لقد أكمل كل شيء بعمله الواحد وبذبيحته الواحدة.
"المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا. البار من أجل الأثمة لكي
يقربنا إلى الله" (1 بط 3: 18). لقد كان إنساناً، ولكن ألم يكن الله؟ بلى، هو
الابن، وقد قام من الأموات. وفي قيامته الدليل المجيد على نصرته. وما كان ممكناً
في الواقع أن يفشل. وهل يمكن أن الله يفشل؟ وألم يكن هو ابن الله الوحيد؟ إذا كنا
نؤمن بالمكتوب فينبغي ألا نرتاب البتة في هذه الحقيقة. إن الخوف والفشل أمران
طبيعيان في الإنسان الساقط، فهو خاطئ ولهذا هو يفزع من دينونة الله. ولكن الله لا
يطالبك أن تثق بنفسك بل أن تؤمن بالرب يسوع المسيح. هو يعلم جيداً إنك لا تحبه،
ومن أجل ذلك يأمرك أن تؤمن بمحبته الظاهرة في المسيح وفي موته ككفارة لأجلك. لا
تقل أن شرك أكبر من أنلا يحتمل، أنت فعلاً شرير لأكثر درجات الشر، بل وأفظع جداً
مما تظن. ولكن خذ موقف "الهالك" بكل إخلاص وأمانة، وهذا سيضع حداً لكل
أفكارك عن شرك ورداءتك. فإنه من أجل الهالكين قد جاء المسيح ومات.

 

لقد
ظن الابن الضال أنه عندما اعتزم أن يطلب إلى أبيه أن يجعله كأحد أجراه، أي كواحد
من خدمه، ولكن الواقع أنه لم يكن أهلاً لمركز أجير. وإلا فهل تظن أن أحداً يقبل في
خدمته شخصاً بيده شهادة سير وسلوك كشهادة الابن الضال؟ إن صفاتنا لا دخل لها في
الموض1وع على الإطلاق فإن النعمة المطلقة تتسامى فوق كل خطية وإثم، وما على النفس
إلا أن تأخذ مركز الخاطئ وتدع الله يظهر غنى نعمته ومحبته، فما يفعله الله في هذه
الحالة هو أنه يمنحني ليس فقط الحياة لحس بما يليق بالله ويليق بأحد أولاده بل
يمنحني أيضاً الكفارة التي تواجه كل خطاياي وتبعدها عني إلى الأبد. وإنما اعلم هذا
وتذكره جيداً، إن الكفارة إما أنها تكفر عن كل الخطايا أو لا تكفر عن شيء منها على
الإطلاق. الكل أو لا شيء. هذه هي طريقة الإنجيل التي يسوي الله القضية. وهذا هو
المطلوب من كل مؤمن أن يرتاح عليه.

 

أيها
القارئ العزيز، هل أنت مرتاح هكذا في المسيح؟ هل يخطر ببالك وأنت مؤمن بيسوع ابن
الله الوحيد أن تقول "اجعلني كأحد أجراك"؟ إن ذاك الذي جاء كإنسان
بالحياة الأبدية، يجعلك بنفس هبة هذه الحياة تشعر بوطأة خطاياك وفي الوقت نفسه
تؤمن أنه كفارة لهذه الخطايا. لقد كان في النظام اليهودي ذبائح مستمرة وتقدمات
متكررة، ولكن الآن في الإنجيل، ومنذ قدم الابن نفسه، يوجد غفران للخطايا وليس بعد
ذبيحة عن الخطية (عب 10: 18) لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين، أي
المفرزين لله، ليس بالناموس الآن بل بدم المسيح.

 

أيها
الأخ الحبيب، هل هذا هو إيمانك؟ ليته يكون كذلك، وليتك تجد مسرتك فيما يعلنه
الرسول يوحنا عن محبة الله الظاهرة في إرسال ابنه للغرض المزدوج: الحياة والكفارة.
وهل من شيء آخر يمكن أن يبين بمثل هذه الصورة الكاملة حقيقة وطبيعة المحبة التي من
الله؟ تلك المحبة التي لا شأن لها على الإطلاق بمجهودنا الشخصي؟ إنها تنبع من
الله. على أننا إذا كنا مولودين من الله. فإننا نكون شركاء طبيعته. وإذا كنا شركاء
طبيعته، فقد أعد الوسائل الكفيلة برفع كل ما من شأنه تعطيل ممارسة هذه الطبيعة. إن
إنساننا العتيق لا يزال موجوداً كحقيقة واقعة، ولكننا نعلم أنه قد صلب مع المسيح
ليبطل جسد الخطية لكي لا نعود نستعبد أيضاً للخطية.

 

على
أنه إذا تحولت العين عن المسيح فإن الطبيعة القديمة تعرقل خطواتنا لا محالة. ومن
أجل هذا يعوزنا أن نعرف كيف تعامل الله مع المسيح مع خطايانا ومع الخطية التي هي
أصلها ومصدرها. كذلك قد تتعرقل الحياة بسبب التناقض في علاقتنا بحيث لا تكون
المحبة فائضة بحسب الله نحو أولئك الذين يريدنا الله أن نحبهم. فإن محبته توحي لنا
بمحبة الذين له، أي أولاده، وتبارك اسمه فقد أهلنا لهذا بإيماننا وبالحياة الجديدة
والروح الساكن فينا، وليس الأمر في ذلك أنني أحب صنفاً معيناً أو سلوكاً معيناً
دون الآخر، ولكنه يتوقع منا رغم كل الصعاب أن نحبهم جميعاً بنفس المحبة التي من
الله. وهو يطالعنا هنا بذينك المظهرين العظيمين للمحبة الإلهية (الحياة والكفارة)
اللذين ندين لهما بعلاقتنا الجديدة ورفع خطايانا وذلك يؤهلنا أيضاً لأن يحب أحدنا
الآخر كعائلة الله.

 

إلى
هنا رأينا المحبة آتية في الابن من عليائها السماوي ومتنازلة إلى أعماق لا حد لها
من أجلنا، وسنراها فيما يلي رافعة إيانا من الحضيض إلى ذلك العلياء فإلى اللقاء.

 

الخطاب
الرابع عشر

1 يو
4: 1 – 16

"أيها
الأحباء إن كان الله قد أحبنا هكذا ينبغي لنا أيضاً أن يحب بعضنا بعضاً. الله لم
ينظره أحد قط. إن أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا ومحبته قد تكملت فينا، بهذا
نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه. ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب
قد أرسل الابن مخلصاً للعالم. من اعترف أن يسوع هو ابن الله فالله يثبت فيه وهو في
الله. ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا. الله محبة ومن يثبت في المحبة
يثبت في الله والله فيه".

 

قد
رأينا في الفصل السابق أن الرسول لكي يعطي المحبة التي دعينا إليها وصفها الحقيقي
يذكرنا بها معلنة في المسيح لغرضين، أولاً لكي يهبنا حية ينما كنا أمواتاً وثانياً
لكي يهبنا الكفارة التي رفعت كل خطايانا بعد إذ حصلنا على الحياة وأحسسنا بثقل
خطايانا وشرها أكثر جداً من ذي قبل. وهذا هو الترتيب الصحيح لعمل الله في النفس.
وهو يرينا كم هو هام للغاية نوال الحياة، لأنه بدون الحياة لا يكون هناك ما يسمع
أو يستجيب في الأمور الإلهية إذ يكون الموت سائداً على النفس. والقول بأن روح الله
يقوم بدور الحياة أو بالحري يعمل بدونها قول هراء، فإن روح الله إنما يعمل حيث توجد
حياة يجري عليها عمله.

 

إن
المسيح لا شك هو حياة المؤمن. وبالإيمان تعتبر "أنا" القديمة كأنها غير
موجودة أمام الله. هي فعلاً موجودة ولكنها بنعمة المسيح لا حق لها أن تعيش. ونحن
كمسيحيين ننكرها باسم المسيح ونعتبرها بلا قيمة على الإطلاق ونتركها باعتبارها
كتلة شر في نظرنا الآن كما كانت دائماً في نظر الله مهما كان رأي الناس فينا. قد
يكون الإنسان عبقرياً عظيماً، وقد يكون على جانب عظيم من الجد والنشاط حتى في أمور
الله، ولكن الذات هي دائماً أبداً بدون الله وضده ولا يمكنها بحال من الأحوال أن
تدخل إلى حضرته أو يكون لها مكان قدامه. فكيف يمكن والحالة هذه أن يكون الإنسان
العتيق غرضاً للروح القدس يأخذه ويقدسه لله؟ إن هذا مستحيل ولذلك لا نرى الكتاب
يحدثنا في أي مكان عن تقديس الحياة القديمة الساقطة وإنما يحدثنا عن الإنسان
العتيق وإياه مصلوباً مع المسيح، وعن الخطية في الجسد وقد دانها الله في المسيح
باعتباره ذبيحة عن الخطية ليبطل جسد الخطية كي لا نعود نستبعد أيضاً للخطية. فليست
"أنا" الخاطئة فيما بعد بل "المسيح يحيا فيّ".

 

وهكذا
توجد الحياة الجديدة التي يتسنى للروح القدس بفضل الفداء أن يتعامل معها ويقرن
نفسه بها. ومن هنا تتضح ضرورة الحياة الجديدة في المسيح إذ بدونها لا يكون هناك
سوى الإنسان العتيق. وفي الواقع كان جميع أفاضل العهد القديم حاصلين على الحياة
ككل قديس في الوقت الحاضر. وهل من مؤمن يعرف حياة أخرى للإنسان الخاطئ غير حياة
المسيح؟ ومع أن هذه الحياة – نظير الخلود – قد أنيرت بواسطة الإنجيل (بمعنى أن
الإنجيل هو الذي أوضحهما وأنار حقيقتهما) لكنها كانت تعمل في جميع المؤمنين قبل
الإنجيل، وغلا فما كان يمكن أن يعتبروا قديسين بدونها. ومهما كان الفارق الذي تم
من حيث الشكل، فواضح أن نصيب الذين جاءوا بعدهم عندما صار سيدنا إنساناً هو النصيب
الأفضل، لأنه واضح عندئذ أكثر من ذي قبل معنى الحياة الجديدة ومن هم الذين
ينالونها بالإيمان. فهي للناس وليس للملائكة "والحياة كانت نور الناس"
الناس فقط كما يقول الكتاب. إن الملائكة – أي المختارين منهم – لم يسقطوا، وإذ هم
محفوظين من الخطية فلا حاجة بهم إلى حياة جديدة. أما الملائكة الذين سقطوا فلا
توبة لهم ولا هبة نعمة إن للملائكة حياة لا نعرف عنها شيئاً ولا هو من شأننا أن
نتدخل فيما لا يعنينا بعقولنا القاصرة، إذ مالنا ومثل هذه البحوث؟ (انظر كو 2:
18). إنها محاولة عابثة أن ينشغل الناس بالملائكة. ومع ذلك فقد عرفت مسيحياً شغله
هذا الموضوع لدرجة كبرى حتى تطورت مشغوليته إلى أن يتصور في وهمه تصورات خيالية
زاعماً أنه يرى في كل ليلة ملائكة أخياراً وأشراراً، وأنه يعرف أسماءهم، ولكن هذه
كلها لم تكن سوى مشاعر وخيالات. وما أكثر ما هنالك من حماقات مضحكة وأوهام خيالية
غبية حول عالم الأرواح والكائنات الغير المنظورة.

 

ولكن
هنا نجد الحقيقة المباركة عن مبلغ اهتمام الله وصنيع محبته في قضية الإنسان. أولاً
وقبل كل شيء من الناحية المطلقة واهباً إيانا الحياة إذ كنا أمواتاً. وثانياً، بعد
حصولنا على الحياة، منقذاً إيانا من كل ذنب وإثم، لأن الرب يسوع نفسه الذي جاء
بالحياة صار هو أيضاً الكفارة لخطايانا. ذلك لأن الحياة المقدسة التي نلناها
جعلتنا نحس بأن عبء خطايانا لا يطاق. لكن بدمه الذي أريق مرة فوق الصليب قد تمت
الكفارة، ونحن مدعوون لأن نؤمن بنعمة الله ونتمتع بكل حقائقها المباركة.

 

على
أن هناك أكثر من ذلك، ولو أن الرسول قصد أن يتدرج بنا للوصول إلى الحقيقة الباقية
وهي التي بدأها في العدد الأخير من الإصحاح الثالث بقوله "من يحفظ وصاياه
يثبت فيه وهو فيه". فالشخص الذي له هذه البركة شخص مطيع. هذه صفته وهذه
شيمته، ومن هو الذي يطيع الآن؟ لا أحد بطبيعة الحال سوى المسيحي. ليس بعض
المسيحيين بل جميع المسيحيين الحقيقيين. هؤلاء يطيعون الله كمن لهم طبيعته أي
الحياة التي هي المسيح والتي أعطيت لهم.

 

ولكن
الرسول لم يتوسع في شرح هذه الحقيقة عند ذكره ذلك العدد في ختام الإصحاح الثالث بل
أجل الشرح إلى مكانه الخاص مكتفياً بأن أضاف إشارة صغيرة ولكنها خطيرة إلى الجزء
الأخير من العدد إذ يقول "وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي
أعطانا". ولنلاحظ القوة في كلمة "يثبت". الله يثبت فينا هذه هي
الحقيقة البسيطة المؤكدة. فهي ليست مجرد مرور أو زيارات عابرة لفترات قصيرة بل
إقامة دائمة ثابتة. والواقع أن كلمته "يثبت" هي من مميزات المسيحية
الدالة على أبديتها. لقد عرف إسرائيل شيئاً كان عظيماً للغاية ولكن لوقت معين، وقد
أخذ منهم فعلاً، أو على حد تعبير رسالة العبرانيين "وأما من عتق وشاخ فهو
قريب من الاضمحلال". تلك كانت اليهودية التي كان لا بد أن تخلي مكاناً
للمسيحية الثابتة الأبدية في ذاتها وفي نفوس مؤمنيها، إن الثبات هو صفة كل بركة
مسيحية فيما خلا البركات القائمة على شرط، وأنت تعلم أنه يوجد أيضاً هذا النوع من
البركات الشرطية. ولكن الأبدية هي طابع العهد الجديد ولاسيما الحياة التي لنا في
المسيح ولذلك فهي تسمى بهذا الاسم العجيب. ويجدر بنا أن نتلذذ بها على هذا
الاعتبار. وجميعنا والحمد لله قد وجدنا مسرتنا فيها ولا يسعنا إلا أن ننادي بها
ونرفع الشكر لإلهنا من أجلها وإن كان يحزننا كثيراً أن نجد قوماً لا يفيضون بالشكر
لله من أجل أعظم بركة ينالها المؤمن بيسوع المسيح ربنا، وذلك لا شك من عمل الشيطان
الذي هو عدو النفوس وعدو كل خير.

 

ولكن
هناك ما هو أكثر من الحياة الأبدية ولو أن الحياة في المسيح هي الطابع المميز
لجوهر بركتنا. وهذه الحياة كانت شخصه له المجد معلناً في كل عمل من أعماله هنا على
الأرض. وكان الاتكال المطلق على الله بالطاعة الكاملة الدائمة طابعها ومميزها.
وإذا كان المسيح يدعونا لأن نطيع كما أطاع، وإذا كان قد أعطانا وصايا، فهذه كلها
لا شأن لها بالوصايا العشر. إن الناموس كان يتعامل مع الجسد، لذلك كانت الحياة على
الأرض وعداً ومكافأة لم ينالها إنسان قط "افعل هذا فتحيا". هذا كان صوت
الناموس. أما وصايا المسيح فهي توجيهات لأناس قد وهبوا فعلاً حياة جديدة بالنعمة
بالإيمان. أناس نالوا فعلاً أعظم وأسمى بركة بين جميع البركات بنوالهم لمسيح
كحياتهم. والواقع أنه ليس هناك شيئاً مؤكداً ومضموناً أكثر من أن الله قد أعطى
المسيح للمؤمنين. هذا حق عجيب، ولكنه بسيط للغاية. وهذه هي كلمة الحق، إنجيل
خلاصنا. أما إذا استعاض الناس عن الإيمان بالوهم والتخمين فلا عجب إن كان يفوتهم
حق الإنجيل الواضح الصريح.

 

ولهذا
السبب عينه، أي لأن الحياة هي حياة اتكال، فإننا نحتاج بجانبها إلى حضور الله
وقوته لأن الطريق محفوفة بالمخاطر والصعاب. فنحن من الواجهة الروحية نحتاج إلى
القوة بجانب حاجتنا إلى الحياة. وإن لم توجد هذه القوة الدافعة فإننا نفشل في
التغلب على العراقيل والصعاب،وتكون النتيجة أننا نقف حيالها مكتوفي الأيدي أو
نستخدم نشاطنا الجسدي. ومهما كان الاتكال مباركاً في حد ذاته فهو ليس القوة. أما
قوة المسيحي الحقيقية فهي روح الله الساكن فينا، وليس الحياة كحقيقة معنوية ولو أن
الحياة في المسيح هي أساس مقامنا الجديد وشرطه الجوهري. نعم فنحن نحتاج للروح
القدس لإنشاء القوة فينا. عند إبداع الخليقة كان للروح القدس حصته في العمل.
وعندما وقعت الواقعة وأصيبت الخليقة الأولى بالفوضى والخراب كان الروح يرف على
مشهد الخراب والظلمة. ولما شاء الله أن يقيم لسكناه الرمزية خيمة في وسط شعبه، لم
يترك لإسرائيل أن يعملوا تصميم المسكن طبقاً لحكمتهم بل رتب كل كبيرة وصغيرة
بنفسه. وفضلاً عن التوجيهات والتعليمات، ليعملوا الذهب والفضة والنحاس، للنجارين
والنساجين والموشين ومن إليهم… وبالاختصار لكل من قام بدور في إعداد أجزاء
المسكن المختلفة. لكن شيئاً لم يترك لابتكار الإنسان. الكل صنعه روح الله بواسطة
الإنسان.

 

على
أن لروح الله الآن هدفاً أسمى بما لا يقاس من ذلك الهدف القديم، إذ لم تعد المسألة
بعد مسألة إقامة مسكن أرضي أو حتى هيكل فخم، مع علمنا بأن روح الله كان الموحي
والمرشد في الحالتين. ولكن الأمر أمجد من ذلك الآن بكثير فإن روح الله متنازل
ليسكن في المؤمنين. فهو الذي يختم كل مسيحي ليوم الفداء. امتياز لم يكن لقديسي
العهد القديم، حتى أنهم مع حصولهم على الحياة لم يكونوا يعرفون عنها إلا القليل أو
لاشيء على الإطلاق. أما ميزة المسيحية فهي إننا نستطيع الآن أن نقول أن الله قد
أعلن لنا ما كان مكتوماً عنهم كما هو مكتوب "ما لم تر عين ولم يخطر على بال
إنسان" قد أعلنه لنا الآن بروحه. فهو ليس لنا الآن روح القوة والمحبة والنصح.
وحيث أن هذا هو عين ما كان يعوزنا،فهو أيضاً حينما وهبه الله لنا. "بهذا نعرف
أننا نثبت فيه وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه".

 

هنا
نرى الرسول يمهد الطريق للحق الذي لم يشرحه بعد وهو الخاص بالمحبة الأخوية. وهو
يفعل ذلك ممهداً له بصوت المحبة وندائها العذب "أيها الأحباء". هذه هي
أيضاً كلمة الخطاب هنا. ذلك كان الشأن حينما خاطبهم الله في الأعداد السابقة
محذراً إياهم من الأنبياء الكذبة المدفوعين بالأرواح الشريرة كان الرسول في تلك
الأعداد يحدث القديسين عن خطر واهم تجلبه الأرواح الشريرة. كان الرسول في تلك
الأعداد يحدث القديسين عن خطر واهم تجلبه الأرواح الشريرة إذا ما تصدى لها القديس
بثقة الإنسان الأول عوضاً عن الإيمان بالإنسان الثاني. فإن يسوع وحده هو قاهر
الشيطان وكذلك المؤمن يستطيع أن ينتصر ويعظم انتصاره وإنما بالذي أحبه ومات لأجل
خطاياه. والعلامة المميزة للأرواح الشريرة هي عدم اعترافها بالرب يسوع. الروح
القدس وحده هو الذي يعترف به آتياً في الجسد – أي جاء في الجسد. هنا الحصانة ضد
الأنبياء الكذبة الذين يرفعون الإنسان الساقط ويخفضون الكلمة الذي صار جسداً. هذا
هو موضوع الأعداد السابقة التي بدأها بالقول "أيها الأحباء لا تصدقوا كل
روح". ولكنه يكرر هذا النداء الحبي عندما يدعو القديسين لأن يحبوا بعضهم
بعضاً في العدد السابع، أولاً "لأن المحبة هي من الله" وثانياً لأن الذي
يحب يقيم الدليل على أنه مولود من الله وإنه يعرف الله، كما أن الذي لا يحب لم
يعرف الله لأن الله محبة. وهنا، إذ يواصل نفس القضية في عدد 11، يستعمل نفس النداء
الحبي الجميل "أيها الأحباء".

 

"أيها
الأحباء، إن كان الله قد أحبنا هكذا، ينبغي لنا أيضاً أن يحب بعضنا بعضاً".
هو لا يقول في أي مكان أنه ينبغي لنا أن نحب الله بل يفترض دائماً أننا نحبه
فعلاً. وهذا هو في الواقع شأن كل مؤمن عرف محبة الله من نحوه يوم كان في خطاياه
وعدائه ضد الله، وتعلم في الإنجيل تلك المحبة التي اتجهت نحونا في حالتنا الأثيمة
الهالكة، وبذلت المسيح ابن الله ليموت عنا "لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات
في الوقت المعين لأجل الفجار" (رو 5: 6). وهذا "الوقت المعين"
للمحبة التي كنا بحاجة قصوى إليها، المحبة التي في ذاتها لا تستقصى، المحبة الجديرة
بالله وابنه، كان يوم اتحد الإنسان، الأمم واليهود على السواء، وتضافروا معاً في
صلب المخلص، وبذلك قطعوا أنفسهم من كل استحقاق للرحمة إلا على أساس نعمته المطلقة.
كان اليهودي يفاخر بالناموس ولكنه تعداه وكسره في كل زمان وبصفة خاصة عندما قام
بصلب مسياه. وكان الروماني يفاخر بقانونه وحكومته، ولكن، رغم شجاعته التي كان
يدعيها، تبخرت هذه المفاخرة الجوفاء أمام صياح الجماهير التي كان يعلم يقيناً أن
يسوع لم يكن مذنباً. وهكذا اتحد الأممي واليهودي في اقتراف الإثم الرهيب الشنيع ضد
الله. عند هذه النقطة وفي ذلك الوقت عينه بين الله محبته لأنه ونحن بعد خطاة مات
المسيح لأجلنا. فيا له من غباء إذاً أن يزعم إنسان أن الله يطلب من الخاطئ أن يحسن
نفسه أما الله بعمل شيء صالح أو عظيم ناسياً أن الله هو في ابنه عمل الشيء الوحيد
العظيم بل أحسن وأعظم شيء كان يمكنه أن يعمله لخلاص الخاطئ، وذلك في الذبيحة
التامة التي قدمها نيابة عن كل من يؤمن. وحينما تقبل النفس هذه الحقيقة’ يستطيع
القلب الذي كان متكبراً ومظلماً، بل أشد القلوب كبرياء وظلمة، يستطيع أن يحب ولا
يسعه إلا أن يحب.

 

وليس
هذا هو السبب الوحيد الذي يجعل المسيح يحب الله. فهو بقبوله المسيح قد قبل الحياة
الأبدية. ولد من الله وأصبح أحد أولاده. وهو لذلك يحب الله كأبيه وإذا كان الابن
الطبيعي يحب والديه رغم ما قد يقع من أخطاء من الجانبين، فكم بالحري تكون الطبيعة
الجديدة حافزة للمسيحي أن يحب ليس فقط أباه كلي الصلاح والنعمة بل كذلك إخوته الذين
لهم نفس الحياة ونفس الروح.

 

"أيها
الأحباء، إن كامن الله قد أحبنا هكذا ينبغي لنا أيضاً أن يحب بعضنا بعضاً".
من السهل أن نرى أن كل ما ينطوي عليه الكتاب من التحريضات المسيحية تفترض أصلاً
امتلاك النعمة الإلهية مقدماً. فالله لا يدعونا أن نحب إلا بعد أن أثبت محبته
نحونا في المسيح وأعطانا أن نعرف محبته. وقد رأينا في العددين التاسع والعاشر كيف
سدد الله حاجة الخاطئ المزدوجة (الحياة وكفارة الخطايا). فليس من المبالغة والحالة
هذا نفهم السبب الذي من أجله لا نرى الرسول يحرضنا أن نحب الله أو المسي، فالأمر
الواقع هو أننا نحبه لأنه هو أحبنا أولاً.

 

طبيعي
أن الأمر ليس هكذا بالنسبة للإنسان بحس الجسد، كما كان حالنا قبل تجديدنا. فحتى
نحن الذين كان لنا لحسن الحظ أبوان مؤمنان، وكان لنا امتياز كلمة الله والصلاة منذ
الطفولة وبكور الحياة لم نتحرر من الضمير الشرير إلا بعد أن وصل الحق إلى أعماق
قلوبنا. كنا نخاف من الله بسبب خطايانا، ومع ذلك فطالما أهملنا خلاصاً هذا مقداره،
وكنا نفزع من الموت والدينونة كلما هفا أحدهما على خاطرنا لولا لحظة. إنه لمن
المستحيل على النفوس في مثل هذه الحالة أن تحب الله الذي دينونته تلاحقها وترعبها
من حين لآخر وهي لازالت تركض وراء اللذة والنجاح العالمي والثروة وما إلى ذلك من
أمور الزهور وتعظ المعيشة التي نميل إليها بحسب الطبيعة. فإذا كان عندنا شيء من
المحبة في ذلك الوقت فقد كانت في أفضل حالاتها من نتاج لطبيعة وبلا أية علاقة بقلب
الله، ومثل هذه المحبة هي مجرد عاطفة تسمو في نوعها عن عاطفة الحيوان بقدر ما تسمو
طبيعة الإنسان عن طبيعة الحيوان. أما محبة الطبيعة الجديدة فهي محبة فوق الطبيعة
وتستمد نوعها وبواعثها ومصدرها من المسيح. ومن هنا خطأ بل وخطر نسبة الإحسان
الطبيعي للنعمة، إن محبة المسيح هي من نوع محبة الله لنا يوم لم يكن فينا شيء يحب،
لأننا كما نقرأ "كنا نحن أيضاً قبلاً أغبياء غير طائعين ضالين مستعبدين
لشهوات ولذات مختلفة عائشين في البث والحسد ممقوتين مبغضين بعضاً بعضاً".
هكذا يقول واحد كان من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم. ولكن نور مجد المسيح
الذي أشرق في قلبه كشف فساده، ومن ثم حسب هذه الأمور وكل ما عداها مما يتفاخر بها
الإنسان نفاية، وظل يحسبها نفاية، بالمقارنة مع المسيح، حتى أنه لم يعبأ بأي ألم
يصادفه في طريقه إلى القيامة من بين الأموات وبالاختصار في طريقه إلى المسيح في
المجد.

 

يقول
الرسول يوحنا أنه إذا كان الله قد أحبنا هكذا، ينبغي لنا أيضاً أن يحب بعضنا
بعضاً. فمع أننا نتشارك في نفس الحياة المباركة في المسيح، وفي نفس الكفارة عن
خطايانا، فإن الجسد والعالم يسببان مشاكل ومصاعب متنوعة. وأنه لمن عدم الإيمان
الشنيع أن ننفر أو نجزع من إلهنا حتى ونحن نحاول أن نعترف له بأية جهالة أو خطية
نكون قد انزلقنا فيها، لأنه تبارك اسمه لا يتخل عن نسبته كآب ونسبتنا كأولاد بينما
يحاول العدو أن يبعدنا عنه. غير أن أولاد الله معرضون لفخاخ كثيرة بسبب الجسد. ففي
عدم الحرص واليقظة يكونون عرضة للتجسس على أخطاء إخوتهم وتغطية أخطائهم هم. وهذه
ليست محبة لبعضنا البعض على الإطلاق، ولا هي كما أحبنا المسيح التي هي مقياس
المسيحي كما كان الناموس يفرض على الإسرائيلي أن يحب قريبه كنفسه، مع الفارق
الكبير بين المحبة المسيحية والمحبة تحت الناموس، فقد كان إسرائيل شعباً في الجسد
وتحت الناموس بينما نحن في الروح (رو 8: 9) وتحت النعمة (رو 6: 14) إن كان روح
الله ساكناً فينا، عندئذ تجيء المحبة لعائلة الله فائضة من نعمة الله التي اتجهت
إلينا شخصياً، إن الناموس لم يكمل شيئاً (عب 7: 19) ولا كان موضوعاً للأبرار بل
للأثمة والمتمردين ومن على شاكلتهم لكي يدينهم ويقودهم إلى ملجأ الخطاة الوحيد.

 

ومن
أسف بالغ أن النصرانية المنحرفة عن الحق اعتادت قديماً وحديثاً أن تضع الأبرار تحت
الناموس الأمر الذي يصفه الرسول بأنه عمل غير قانوني. أما الواقع وحقيقة الأمر فهو
أننا تحت النعمة التي تقوينا رغم كل العوائق لأن يحب بعضنا بعضاً.

 

إنه
لا يسعنا بطبيعة الحال إلا أن نحب ذاك الذي أحبنا أولاً حتى ينما كنا نرتدي
الأسمال ونحيا حياة الانحطاط بين الخنازير ولا نجد شيئاً من الرثاء والعطف من
أولئك الذين تمتعوا بوفير خيراتنا ونحن في الخطية والجهالة ولكن عندما ابتدأنا
نحتاج لم نجد من يعطينا شيئاً. هذا هو العالم، ولكن ليس هكذا الآب، فعندما فكر
الابن الضال وحكم ولو بقدر طفيف على طرقه الشريرة ونتائجها المحزنة اتجه قلبه إلى
ذاك الذي تركه طويلاً ونسيه. "أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له يا أبي أخطأت إلى
السماء وقدامك. ولست مستحقاً بعد أن أدعى لك أبناً، أجعلني كأحد أجراك فقام وجاء
إلى أبيه. وإذا كان لم يزل بعيداً رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقلبه".
هذه هي محبة الله كما صورها من عرفها أفضل من سواه والتي كان يعلنها للعشارين
والخطاة الذين كانوا يدنون منه ليسمعوا أخبار النعمة العجيبة بين الكتبة والفريسيين
المتذمرين. وإذا لم يقنع الآب بمجرد الغفران والعفو عن ابنه الضال، ولم يعطه فرصة
لعرض اقتراحه في أن يكون مركزه بين العبيد الأجراء، دوى أمره الكريم ونطقه السامي
العجيب "أخرجوا الحلة الأولى وألبسوه واجعلوا خاتماً في يده وحذاء في رجليه،
وقدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. لأن ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً
فوجد". هذه نعمة لا ناموس. فيها نرى ما هو الله كآب في أقوال من نطق ابنه
الكريم. وإذا هو كذلك بالنسبة لأشر الخطاة الضالين الذين يأتون إليه، فكم هو أمر
محزن أن يكون هناك ارتياب في النعمة التي يقيم فيها المؤمنون، أو أي شك في محبته
المشفقة العطوفة نحو مسيحي يضل الطريق، هو واحد من أولاده المحبوبين!

 

ولكن
إن كان الآب لا يتغير فمن المحزن أن أولاده يتغيرون. ومن أجل ذلك كانت دعوة صائبة
وضرورية أن يحبوا بعضهم بعضاً كما فعل الرسول الذي في اتضاع وتواضع يضم نفسه مع سائر
لأولاد الله قائلاً "ينبغي لنا أن نحب بعضنا بعضاً". أنه يضع نفسه مع
أولاد الله تحت هذا الالتزام المبارك الذي قد لا يكون القيام به سهلاً ميسوراً في
جميع لأحوال كما يتصور البعض.لأن المحبة بحسب الله ليست مجرد "مودة
أخوية" مهما تكن هذه المودة سامية وفي محلها عند ممارستها ممارسة صحيحة. وها
هو الرسول بطرس في (2 بط 1: 7) يضع خطاً فاصلاً بين المودة الأخوية والمحبة،
معطياً للمحبة المنزلة الأسمى والأعمق "وفي التقوى مودة أخوية وفي المودة
الأخوية محبة". فحيث المودة الأخوية تتقدم للتصافح قد تتأخر المحبة وتتراجع
لأنها ترى شركاً خطيراً وخطية محزنة لم تستطع المودة الأخوية لفرط مشغوليتها أن
تميزها في نور الله. فإن المحبة الإلهية تنظر دائماً إلى الجانب الإلهي عوض
الاستسلام لمجرد العواطف والحساسيات. ومن واجبنا أن نقف عند النبع باستمرار إذ
شئنا أن نكون في جدة الانتعاش لأنفسنا وأن نعيش الآخرين ونتعامل بالمحبة التي من
الله بعين بسيطة. وحينئذ نستطيع أن نكون في مأمن ن عسل الطبيعة البشرية واللطف
الإنساني الذي لا يؤثر على الضمير ولا يحول دون إتمام الإرادة الذاتية. "إن
الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله". هكذا هو الحال فيما يتعلق بمحبتنا
بحسب الله فإنها دائماً تحس بإحساس الله وتعمل لأجل الله. ولكن إن كان هو قد
"أحينا هكذا، ينبغي لنا أيضاً أن يحب بعضنا بعضاً". هذا هو نبع المحبة
وهذا هو مقياسها الصحيح. لقد عرف جيداً كل ما فينا من نقائص وتقصيرات كأولاده، كما
عرف كل خطايانا وآثامنا يوم كنا أبناء الغضب، ومع ذلك فقد أحبنا حتى بذل ابنه
لأجلنا. فمن واجبنا والأمر هكذا أن نحب بعضنا بعضاً باعتبارنا موضوع نفس المحبة
الواحدة.

 

هكذا
يقول الرسول بولس للقديسين في أفسس "فكونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء.
واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة
طيبة". فإن ما من شيء يستدر المحبة مثل المحبة ذاتها. كما أنه لا توجد محبة
فعالة ومثمرة كمحبة الله في المسيح الذي هو كمال المحبة. ونحن قد عرفنا المحبة لا
كمتفرجين نظير الملائكة بل باعتبارنا موضوع تلك المحبة في عمقها وفي علوها، على
الأرض وفي الأعالي، بدرجة فائقة أمام عيون الملائكة. ألم نكن يوماً ما في أغوار
الانحطاط والإثم والجسارة والرعناء؟ ومع ذلك فقد انحنى المسيح ابنه تحت عبء جميع
خطايانا محتملاً من أجلها دينونة الله على الصليب. وألم يقم من الأموات ويرتفع فوق
كل علو في المجد السماوي وملائكة وسلاطين وقوات مخضعة له لذاك الذي صرنا متحدين به
بالروح القدس، روحاً واحداً مع الرب؟.

 

إن
العدد الثاني عشر خليق بكل تأمل.فهو يذكرنا بما جاء في (يوحنا 1: 18) "الله
لم يره أحد قط". وكيف سدد الله حاجة عظمى كهذه من حاجات الإنسان ألم يحس إله كل
صلاح بحاجة الإنسان من هذه الناحية؟ لقد أحس بها وفي فرط غناه سددها وعرفنا بنفسه
له المجد بطريقة ممجدة لذاته ولابنه، طريقة فعالة في ذاتها، مليئة بالمحبة للإنسان
ومناسبة لحالته وظروفه، وذلك بإرسال ابنه صائراً إنساناً بين الناس. "الابن
الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر (أي أعلن الله)".فلو أن كل نفس منذ آدم
إلى اليوم سألت عن أفضل طريقة يعلن الله بها ذاته أفضل إعلان وأضمنه، وفي أكمل
محبة للإنسان في كل حاجته وتعاسته، لما استطاع أحد أن يجرؤ فيقترح طريقة تقارن
بالطريقة التي رآها في حكمته ونعمته. ومع ذلك، يا للعجب، فإن الشيطان استناداً على
شهوات الإنسان وميوله، وإرادته الذاتية وصوالحه المزعومة وديانته المبتكرة بصفة
خاصة، استطاع أن يجد الوسيلة ليجعل الإنسان يتجاهل ويرفض ابن الله مما يؤدي إلى
خرابه وهلاك نفسه.

 

على
أن ابن الله الذي جاء بالمحبة الإلهية قد مضى إلى الآب. وها هو الرسول يردد نفس
العبارة القديمة "الله لم ينظره أحد قط" مشيراً بوضوح إلى عبارة
الإنجيل. ولكن الابن، الابن المرفوض، ليس هو بعد على الأرض ليعلن الله. فكيف
السبيل الآن إلى تسديد نفس تلك الحالة القديمة في قلب الإنسان؟ اسمع الجواب
"إن أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا ومحبته قد تكملت فينا". أليست هذه
وسيلة عجيبة وخطيرة لسد الحاجة المشار إليها؟ أليست تتجه مباشرة وبكيفية فعالة
قوية مؤثرة إلى قلوبكم يا إخوتي الأحباء وإلى قلبي وقلب كل ابن آخر من أولاد الله؟
أننا لم نغسل فقط من خطايانا بدم ابنه بل صرنا جميعاً بفضل نعمته أولاد الله وإخوة
بعضنا لبعض، ومن امتيازنا بممارسة محبتنا المشتركة بحسب الله، أن نعرفه ونشهد له
في عالم يجهله ولا يعرفه. إن من واجب الأولاد الآن أن يعكسوا محبة الله هنا على
الأرض. لما كان الرب على الأرض قام بهذه المهمة إلى التمام، فماذا نحن فاعلون في
دورنا؟ هل نعرف حقيقة محبة الله التي ظهرت في ربنا المحبوب، وهل نحن ثابتون فيها
هكذا؟

 

ولقد
تأملنا في الشطر الأول من جواب الرسول في هذا العدد والآن نتأمل في شطره الثاني.
"إن أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا ومحبته قد تكملت فينا". إن محبة
المسيحيين المتبادلة هي قوة الشركة والبرهان على أن الله يثبت فينا عوض أن يخنقها
الجسد أو غرور العالم. إن الكرازة لعديمي الإيمان والتبشير للخطاة الهالكين ليس هو
موضوع الحديث هنا ولا هو العلاج المطلوب للحالة التي نحن بصددها.فلن يقوم التبشير
مقام المحبة الأخوية في إعلان الله. إذن فأين وكيف يمكن أن يرى الله الآن؟ إنه رغم
كل جهود الشيطان في أن يثير أولاد الله بعضهم ضد بعض فإن محبتهم أحدهم للآخر كما
أحبهم الله وكما أعلن المسيح هذه المحبة، هي الإعلان عن أن الله ثابت فينا وأن
محبته قد تكملت فينا. فكم من التشجيع نجده في هذا العدد للسير بكل تواضع في الحبة
التي هي من الله! ويا له من توبيخ لكل من يستهين بأهمية المحبة وبركتها!. على أن
(1 يو 4: 12) لم يكن ممكناً أن يتم بدون (يو 1: 18) وكذلك بدون ما أعقب ذلك من موت
المسيح لأجلنا وعطية الروح لنا. فالمسيح يجب أولاً أن يكون حياتنا ليتسنى لنا تمثيل
هذه الحياة هنا على الأرض. فنحن نعلم أن التلاميذ برغم أنهم لمسوا كمال المحبة في
شخص المسيح لم يستطيعوا أن يحققوها أو أن يثبتوا فيها. صحيح أنه عندما مات وقام
صارت لهم بها معرفة أحسن ولكنهم لما مسحوا بالروح تمتعوا بها على أكمل وجه
واستطاعوا أن يسلكوا في المحبة وأن يثبتوا فيها باعتبار أنها نشاط طبيعة الله.
وهكذا الحال معنا الآن من حيث المبدأ وكذلك من حيث العمل والسلوك طبقاً لدرجة
روحانيتنا.

 

يظن
بعض المبشرين أن أول غايات محبتهم هي السعي وراء تجديد النفوس. ونحن لا ننكر أن
التبشير خدمة جليلة جداً إذ كنا نؤديها في الإيمان والمحبة للمسيح ولكنها ليست هي
المحبة الأولى التي أوصى بها الرب باعتبارها أقرب شيء لقلبه.

 

وما
أسهل أن نرى كيف أن محبة الله التي فينا من نحو إخوتنا تسمو فوق مجرد الواجب. فلو
أن الروح القدس لم يكتب هذه الأقوال بواسطة الرسول لكان من الجائز أن نعدها مبالغة
عظيمة أن تعطى المحبة الأخوية مثل هذه القيمة بحيث نقول أنه إذا كنا نحب بعضنا
البعض فالله يثب فينا ومحبته قد تكملت فينا.

 

فيا
ليتنا بكل بساطة نؤمن بكلمته إيماناً تاماً حتى يتسنى لنا أن نحب هكذا ونقنع
نفوسنا أنه كما أن المحبة هي من الله هكذا هو يثبت فينا لكي نسلك فيها بالانفصال
عن العالم الذي إن اختلطت محبتنا بمبادئه بدلاً ممن أن تكتمل محبة الله فينا. هذا
ونحن عالمون أنه ليس في متناول أحد أن يتقاسم هذه المحبة أو يفهمها ما لم يسلك
بإيمان المسيح وبذلك يكون ناظراً إلى الأمور التي لا ترى و الأبدية لأن نظرة
العيان وفكر الجسد يتلفان صفة المحبة وطابعها.

 

نحن
مسئولون أن نعرف الله، والذين يؤمنون بالمسيح لهم فرح معرفة الله. وكل كلمة وكل
عمل وكل نظرة من نظرات المسيح المسجلة في الكتاب إنما تزيد في معرفتنا والفتنا
بالله، فإن كتبة الوحي لديهم الكثير مما يخبروننا به عن الله حتى في مجرد سردهم
لطرق المسيح وأعماله هنا على الأرض، فهناك إعلان في كل منها لا فارق بين صغيرها
وكبيرها. ولكن الرب قد مضى، والذي كان على الأرض يعلن الله هو الآن في السماء.
أفليست لله بعد ذلك شهادة حية في الوقت الحاضر؟ إن الرسول يكرر هنا في الرسالة نفس
العبارة التي ذكرها في الإنجيل. فما معنى ذلك؟ لقد ظهرت محبة الله في كمالها في
سيدنا، ظهرت في كل كمالها بالمقابلة مع كل نقائص البشر فما هو حالي حالك نحن الذين
جاء دورنا في الرسالة. نحن الذين كما أرسله الآب إلى العالم أرسلنا هو أيضاً إلى
العالم؟ من أين تصدر الآن شهادة الله الحية؟ من المحبة الأخوية "إن أحب بعضنا
بعضاً". أفليس هو أمر خطير أن يشير الله إلى المسيحيين كمن أصبحت في أعناقهم
مسئولية تعريف العالم المظلم ما هو الله لقد دعينا خصيصاً بفعل المحبة الإلهية في
نفوسنا وطرقنا لنكون شهود الله للعالم الذي يسوده الشك في كل ما يختص بالله.

 

لما
كان المسيح يعلن الله على الأرض كان في كل شيء كاملاً كمال الله ذاته، فكيف الحال
معنا رغم كل ضعف فينا؟ "إن أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا ومحبته قد تكملت
فينا". والرسول ينظر هنا إلى المبدأ وليس إلى مبلغ فشل القديسين في تطبيقه،
كما رأينا أن هذه هي طريقة يوحنا في كل كتاباته. فهو لا ينسى مطلقاً النبع الأصلي
في الله والمجرى الذي هو شخص المسيح، هكذا يرسم أمام القديسين فيض النعمة بحسب
الطبيعة الجديدة (بغض النظر عن متعلقات الإنسان العتيق وكل معطلاته).

 

ولماذا
نقنع بالاعتراف المستمر بأننا لسنا نفعل الحق؟ لماذا نكتفي بالوقوف عند هذا
الاعتراف؟ أليس في هذا ما يحزن روح الله؟ إننا نفعل حسناً لو فحصنا الأمر في نور
حضرة الله وكمنا على أنفسنا قدامه، ذاكرين أم الكلمة قد سبق وحذرتنا ضد إحزان
الروح وأن الجسد هو الذي بوجه خاص يقاوم الروح كما هو مكتوب: "اسلكوا بالروح
فلا تكملوا شهوة الجسد لأن الجسد يشتهي ضد الروح والروح ضد الجسد وهذان يقاوم
احدهما الآخر حتى لا تفعلون ما تريدون". إن الجسد هو المقاوم الأعظم للروح.
فهو أحيانا يبدي لطفاً ومودة وقد يكون وهو يفعل ذلك بعيداً عن المحبة الحقيقية،
وأحياناً قد يظهر الخشونة وعدم اللياقة وليس من يقول أن هذه أو تلك من مظاهر
المحبة. أما إذا كنا نحب بعضنا بعضاً برغم جميع محاولات روح الضلال والخبث
والرياء، فتلك هي محبة الله القائمة لا على أساس ما نراه في بعضنا البعض بل على
أساس ما قبلناه جميعنا من الله في المسيح. تأمل فيما كنا عليه قبلاً نحن الذين
أصبحنا أولاد لله. لقد كنا أشرار وخبثاء تماماً كالذين يهملون اليوم خلاصاً هذا
مقداره، بل كان بعضنا أشد جرأة في الإثم وشراسة الخلق. هكذا كنا مهما قيل أننا كنا
مؤدبين أو متدينين بحسب الجسد متفاخرين بما لم يكن يزيد ن كونه ستاراً يخفي وراءه
آثاماً كباراً، بل كنا في نظر الله أردأ، بسبب الادعاء، من أصحاب الشر العلني.
ولكننا قد "اغتسلنا بل تقدسنا بل تبررنا باسم الرب يسوع وبروح إلهنا".
هكذا يكتب الرسول معترفاً بما فعلته محبة الله في كثيرين من نزلاء مدينة كورنثوس
الفاسدة ولو أنه قصد بذلك أن ينبههم إلى انحرافهم الشنيع يومئذ، وقد فرح إذ علم
فيما بعد أن محبته الأمينة (التي جعلته يتألم أكثر منهم) لم تكن عبثاً ولكنها
أحزنتهم للتوبة، بل ولتوبة للخلاص بلا ندامة، لو أنه فيما بينه وبين نفسه في صراع
عواطفه الشخصية ندم على الرسالة إلى حين، ولكنه الآن بالنعمة يذكرها بفرح مقيم ذلك
لأن المحبة الكبيرة التي كانت فيهم، وعندئذ كم من الاجتهاد أنشأت في نفوسهم، وكم
من الاحتجاج بل من الغيظ بل من الخوف بل من الشوق بل من الغيرة بل من الانتقام، في
كل شيء مظهرين أنفسهم أبرياء حيث كانوا قبلاً جد ملومين! تلك ولا شك صورة قاسية
ومؤلمة من صور محبتنا بعضنا لبعض ولكنها صورة حقيقية، وما أسعدنا بما لا يقاس أن
نكون دائماً في غنى عن اللجوء إليها وذلك بالانتباه إلى كلمة الله وإطاعتها من
القلب لكي نحفظ من كل شر.

 

"إن
أحب بعضنا بعضاً فالله يثبت فينا". هذه هي الطريقة العادية حيث يعمل الإيمان
لا الجسد. وهذا يقود الرسول إلى افتتاح الكلام عن الحقيقة العظمى بشأن الروح
المعطى لنا والذي به يثبت الله فينا.

 

وليس
هذا هو كل ما يقول بل يضيف قائلاً "ومحبته قد تكملت فينا"، لقد سبق أن
قال هذا القول وفي مناسبة أخرى. ففي (ص 2: 5) قال "وأما من حفظ كلمته فحقاً
في هذا قد تكملت محبة الله". ذلك لأن حفظ كلمته هو طابع الطاعة والمميز
الأكبر لها. فكل من يحفظ ليس فقط وصاياه في تفصيلاتها بل يحفظ كلمته في مجوعها
"في هذا قد تكملت محبة الله". وهذا طبعاً لا يعني تلك الضلالة الغريبة
الخاصة بكمال الإنسان الذاتي. إن الجسد لا يستأصل أو يباد طالما نحن نعيش على
الأرض، ولكن الله قد دانه قي صليب المسيح، وقد صار علينا كمن لنا الحياة في المسيح
أن نميت أعضائنا التي على الأرض، ولكن الجسد فينا وإن كان نحن لسنا فيه فيما بعد.
والجسد لا يتغير أبداً إلى روح ولن يتلاشى طالما نحن هنا في خيمة اللحم والدم
لكننا تحت التزام بالنعمة ألا نسمح له بالعمل، بل بالإيمان نضعه دائماً تحت قوة
موت المسيح. بهذه الكيفية تتكمل محبة الله فينا بمعنى أننا ننفذها بحسب فكر الله.
ليس لنا في ذواتنا ما نفتخر به. بل من القلب نطيع ومن القلب نحب، وذلك بقوة محبته
نحونا وفينا. وهذا يفترض بالضرورة أننا نكون باستمرار متطلعين إلى الله وأنه
يستجيب لصلواتنا وبهذا تتكمل محبته فينا. وهكذا تتم الطاعة وتجري المحبة بحسب
فكرة.

 

والآن
يتقدم الرسول إلى عطية الروح حيث يقول "بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه
أعطانا من روحه".

 

نرى
هنا شيئاً يزيد عما جاء في (ص 3: 24) بشأن عطية الروح القدس. فالأمر هنا ليس
قاصراً على "الروح" بل "من روحه". لقد عمل الله في كثيرين
بواسطة الروح لكن لا يقال عن أولئك أنه أعطاهم "من روحه". فكثيراً ما
نقرأ عن عمل الروح في العهد القديم وأكثر منه في العهد الجديد. وكذلك نقرأ عن
شركاء الروح القدس وقوات الدهر الآتي (عب 6: 4 و 5) الذين سقطوا سقوطاً أبدياً.
هؤلاء لا يقال عنهم مطلقاً أنهم ولدوا من الروح ولا أن الله أعطاهم "من
روحه" لأن هذا التعبير يفترض الشركة الحقيقية الفعلية مع الله، والعهد الجديد
يعطى لعبارة "من روحه" قوة أعمق مما يعطيها العهد القديم، وذلك لأنه
بهذه الطريقة يثبت الله في المسيحي. ومع ذلك فهناك حالات كانت تستدعي لأغراض
خارجية أن الله لا يعمل بقوة الروح بطريقة أو بأخرى. وفي كل حالة من هذه الحالات
كان العامل هو روح الله، وهو روح القوة، ولذلك كانت تختلف عن عمله نتائج وتأثيرات
تفوق بمراحل مقدرة الإنسان وتفوق أيضاً ما تستطيع الحياة الأبدية أن تفعله بدون
الروح.

 

يقول
الرسول إن الله يثبت فينا ونحن فيه، ولاحظ أنه يبدأ بالثبات فينا. وليس بثباتنا
نحن الله فينا. وكأننا بذلك ننسحب من دائرة الذات ومن كل متعلقات الخليقة حولنا
ونجعل الله مستقر قلوبنا حتى ونحن هنا على الأرض. وهذا هو المعنى المقصود من
ثباتنا في الله، وجدير بنا أن نتطلع إلى الله باستمرار لننال نعمة تعيننا على
الثبات فيه بهذه الصورة. ومتى ثبتنا فيه هكذا فهو يعمل فينا بقوة الشركة. ومن هنا
يقال أنه أعطانا "من روحه. وهذا التعبير له معناه الخاص المستمد من تركيبه
اللغوي إذ يدل بوضوح على أن ما نساهم فيه إنما هو من ذات نفسه له المجد. فما يقال
أننا نساهم فيه هنا هو "من روحه".

 

ومع
ذلك فهناك خطر كبير من أن نسيء فهم امتياز عظيم كهذا. فهناك أتقياء كثيرون يخلطون
بين نوع معين من السعادة الداخلية في نفوسهم وبين ثبات الله فيهم، وهو نوع من
الصوفية الغامضة، وهنا يكمن الخطر على أمثال هؤلاء المؤمنين البسطاء. فهم أشخاص
عاطفيون تنحصر مشغوليتهم في فحص ذواتهم. وكل من قرأ مؤلفات وليم لو المشهور "
William law" يدرك ما
نقول، فقد كان واحداً من هؤلاء المتصوفين ولكنه كان مخطئاً خطأ جسيماً في إخفاء بل
قل في إغفال نعمة الله في المسيح والاكتفاء الممارسات الطقسية ومشاعر الإنسان
الداخلية، وقد فاته هو وأمثاله وإدراك حقيقة خراب الإنسان الكلي وحقيقة الفداء
الكامل والحياة الأبدية في المسيح. إنهم يبذلون الجهد في أن يحبوا الله. فهي مجرد
محاولة من جانبهم واستعداد للبرهنة على إخلاصهم في هذه المحاولة، ولكنه ليس
الإيمان بمحبة الله الفادية ودينونة الجسد الحاسمة والحصول على نصيب أفضل بما لا
يقاس في المسيح الرب. إنهم يدينون بما يسمونه "التقديس المسيحي" وهو ليس
تقيساً كتابياً على الإطلاق بل مجرد ظن حسن بحالتهم أساسه شعورهم بشيء من الغبطة
في نفوسهم، وسبب هذا ونتيجة مشغوليتهم القصوى بنفوسهم واختباراتهم التي يخبرون بها
بعضهم البعض للبنيان المشترك. ومن عجب أن لهذا التخبير أو الشهادة أهمية بالغة في
نظرهم حتى أنهم ينظمون اجتماعات خاصة تحت قيادة كبير منهم يدلي كل منهم في خلالها
بما يظنونه عملاً خاصاً قد أجراه روح الله في نفوسهم أسبوعاً فأسبوعاً. ولا
يستطيعوا بطبيعة الحال أن يدلوك على أي مستند كتابي لتدعيم مثل هذا المبدأ في
العهد الجديد.

 

ولكن
روح الله يمجد المسيخ إذ يأخذ مما له ويخبرنا. وهو يقود إلى كل الحق. أما هذا
النوع من التصوف فلا يمجد إلا الذات لأنه يدور حول مشاعرنا الخاصة. وهو لذلك عرضة
لأن يقود إلى عبادة الذات لدى البعض أو إلى الغم وانكسار الخاطر لدى البعض الآخر
ممن لا يقنعون بسهولة بما وصلوا إليه. ومن الخير أن نعلم أنه لا يوجد شيء في
نفوسنا يدعو إلى القناعة أو الرضاء الروحي حتى بذلك نجعل المسيح كل شيء لنا كما هو
فعلاً كل شيء. أما المشغولة بالقلب، ما لم تكن لإذلال أنفسنا بسبب ما، فهي إهانة
لله بقدر ما هي خطر على نفوسنا.فالمشغولية بالذات ليست فقط غير مثمرة بل من شأنها
أن تعوق النمو في النعمة وفي معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح. ومع ذلك فليس من شك
في أن كثيرين من المسيحيين الحقيقيين قد وقعوا في شرك هذا الاختراع البشري الذي
يدور بطبيعة الحال حول المشغولية بالذات دلاً من المشغولية بالمسيح يسوع وحول
الفرح الخاص بدلاً من الفرح في الرب كل حين.

 

ولاحظ
حرص الوحي الذي استخدمه للوقاية من هذا المبدأ الصوفي في العدد التالي مباشرة. ففي
العدد الرابع عشر يحدثنا الروح القدس عن ابن الله الذي جاء من الآب مخلصاً للعالم.
والواقع أن الحق المبارك عن المسيح كما هو معلن في الأناجيل هو خير علاج لسوء
استخدام هذا الفحص الذاتي لأنه يثبت القلب على أساسه الإلهي كما أن كمال الفرح في
المسيح يباعد بيننا وبين المشغولية بذواتنا أو حالتنا الحسنة كما تبدو بحسب
تقديرنا ولذلك نرى الروح القدس يعود بنا من جديد إلى الاستقرار على ما فعله الله
لأجلنا أي إلى ذات أساس الإنجيل نفسه وهل من شيء آخر يستطيع أن يعالج علاجاً
كاملاً مثل هذه النظرات إلى الداخل؟ "ونحن قد نظرنا" – هنا اليقين
الكامل – "ونشهد أن الرب قد أرسل الابن مخلصاً إلى العالم". كأن الرسول
يقصد أن يقول: دع الآخرين يشغلون أنفسهم بما شاءوا وشاءت خيالاتهم، أما نحن فقد
نظرنا ونشهد أن الأب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم.

 

وما
هي، أو ماذا ينبغي أن تكون، نتيجة حق كهذا يا ترى؟ أليس من شأنه أن يملأنا بحمد
الآب والابن؟ ألا يشعرنا بأننا لا شيء في ذواتنا؟ فهو يرينا أننا لم نكن إلا مجرد
خطاة ولكننا خلصنا بالإيمان بالنعمة. وقد نتساءل هل كنا حقيقة أردياء إلى هذا الحد
وهل كان الله هكذا صالحاً؟ ولكننا إذا كنا بالروح القدس نؤمن إيماناً بسيطاً فلن
نجد في نفوسنا ما هو جدير بمشغوليتنا ويحدثنا بالمقارنة مع نعمة هكذا غنية وأبدية
أيضاً، وبهذه الطريقة يفطما الله عن أنفسنا وعن العالم وعن كل غرض آخر، ليلذذ
نفوسنا فيه وفي ابنه. فإنه حتى العلم قد ينفخ وهو ينفخ فعلاً،أما المحبة، أي محبة
الآب والابن فتبنى.

 

وكذلك
من شأن هذا الحق أن بخلص النفوس من مبدأ آخر مناقض وهو مبدأ الذين يشغلون أنفسهم
كمن تحت الناموس وبدلاً من أن يبحثوا عن شيء صالح في دواخلهم يحاولون أن يرضوا
الله ويريحوا أنفسهم بنوع من التشاؤم اليائس فلا يكادون يرتفعون فوق القول
"ويحي أنا الإنسان الشقي. من ينقذني من جسد هذا الموت؟" فهم يتجاهلون ما
يعلنه الرسول للمؤمنين بفضل عمل المسيح، وأنه بدلاً من أن يخدموا كعبيد أجراء بقلوب
مظلمة مدنسة قد صار من حقهم بفضل مخلص العالم أن يرتدوا "الحلة الأولى"
وأن يأكلوا من "العجل المسمن" ويقاسموا الآب أفراحه لمجد الابن
"لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية
والموت" (رو 8: 2) ومما يضاعف غبطة العق أن ذات الشخص الذي عتق وتحرر حين
تحول من الذات إلى المسيح هو نفسه الذي كان يئن تحت الناموس قبل ذلك (رو 7: 24).
أو ليس ذلك أفضل بكثير من مبادئ الانفعالات العاطفية أو الأنين التي تقود أصحابها
إلى المشغولية بذواتهم بمختلف الطرق والأساليب؟ أليس خيراً منها أن يفرغوا من
الذات بإدانة الجسد إدانة قاطعة كاملة كامل فعل الله على الصليب وأن يجدوا المسيح
جديراً بكل تفكيرهم ومصدراً لسلام مقيم وفرح دائم؟ عندئذ تختبر أن مشيئة الآب وعمل
الابن وشهادة الروح هي الأمور التي نحن مدعوون لأن نفرح

 

والواقع
أن الحق المبارك عن المسيح كما هو معلن في الأناجيل هو خير علاج لسوء استخدام هذا
الفحص الذاتي لأنه يثبت القلب على أساسه الإلهي كما أن كمال الفرح في المسيح يباعد
بيننا وبين المشغولية بذواتنا أو حالتنا الحسنة كما تبدو بحسب تقديرنا ولذلك نرى
الروح القدس يعود بنا من جديد إلى الاستقرار على ما فعله الله لأجلنا أي إلى ذات
أساس الإنجيل نفسه وهل من شيء آخر يستطيع أن يعالج علاجاً كاملاً مثل هذه النظرات
إلى الداخل؟ "ونحن قد نظرنا" – هنا اليقين الكامل – "ونشهد أن الرب
قد أرسل الابن مخلصاً إلى العالم". كأن الرسول يقصد أن يقول: دع الآخرين
يشغلون أنفسهم بما شاءوا وشاءت خيالاتهم، أما نحن فقد نظرنا ونشهد أن الأب قد أرسل
الابن مخلصاً للعالم.

 

وما
هي، أو ماذا ينبغي أن تكون، نتيجة حق كهذا يا ترى؟ أليس من شأنه أن يملأنا بحمد
الآب والابن؟ ألا يشعرنا بأننا لا شيء في ذواتنا؟ فهو يرينا أننا لم نكن إلا مجرد
خطاة ولكننا خلصنا بالإيمان بالنعمة. وقد نتساءل هل كنا حقيقة أردياء إلى هذا الحد
وهل كان الله هكذا صالحاً؟ ولكننا إذا كنا بالروح القدس نؤمن إيماناً بسيطاً فلن
نجد في نفوسنا ما هو جدير بمشغوليتنا ويحدثنا بالمقارنة مع نعمة هكذا غنية وأبدية
أيضاً، وبهذه الطريقة يفطما الله عن أنفسنا وعن العالم وعن كل غرض آخر، ليلذذ
نفوسنا فيه وفي ابنه. فإنه حتى العلم قد ينفخ وهو ينفخ فعلاً،أما المحبة، أي محبة
الآب والابن فتبنى.

 

وكذلك
من شأن هذا الحق أن بخلص النفوس من مبدأ آخر مناقض وهو مبدأ الذين يشغلون أنفسهم
كمن تحت الناموس وبدلاً من أن يبحثوا عن شيء صالح في دواخلهم يحاولون أن يرضوا
الله ويريحوا أنفسهم بنوع من التشاؤم اليائس فلا يكادون يرتفعون فوق القول
"ويحي أنا الإنسان الشقي. من ينقذني من جسد هذا الموت؟" فهم يتجاهلون ما
يعلنه الرسول للمؤمنين بفضل عمل المسيح، وأنه بدلاً من أن يخدموا كعبيد أجراء بقلوب
مظلمة مدنسة قد صار من حقهم بفضل مخلص العالم أن يرتدوا "الحلة الأولى"
وأن يأكلوا من "العجل المسمن" ويقاسموا الآب أفراحه لمجد الابن
"لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطية
والموت" (رو 8: 2) ومما يضاعف غبطة العق أن ذات الشخص الذي عتق وتحرر حين
تحول من الذات إلى المسيح هو نفسه الذي كان يئن تحت الناموس قبل ذلك (رو 7: 24).
أو ليس ذلك أفضل بكثير من مبادئ الانفعالات العاطفية أو الأنين التي تقود أصحابها
إلى المشغولية بذواتهم بمختلف الطرق والأساليب؟ أليس خيراً منها أن يفرغوا من
الذات بإدانة الجسد إدانة قاطعة كاملة كامل فعل الله على الصليب وأن يجدوا المسيح
جديراً بكل تفكيرهم ومصدراً لسلام مقيم وفرح دائم؟ عندئذ تختبر أن مشيئة الآب وعمل
الابن وشهادة الروح هي الأمور التي نحن مدعوون لأن نفرح بها من الآن، كما سنفرح
بها إلى الأبد.

 

وإنها
لمقارنة جميلة مع مقارنات الكتاب أن أول مكان فيه وجد الرب نفسه معترفاً به كمخلص
العالم كان في السامرة. وقد جاء هذا الاعتراف عقب مشهد البئر العجيب حيث نرى
المرأة التاعسة التي لها خمسة أزواج والذي لها الآن هو ليس زوجها قد نالت الحياة
الأبدية بالإيمان بالرب يسوع. وكذلك قد أخبرها المخلص المجيد يومئذ بانحلال ديانتي
فلسطين المتعارضتين، لا فارق بين جبل السامرة أو أورشليم، وأنه من الآن فصاعداً
سيكون هناك سجود يختلف عن الأول كل الاختلاف، سجود قد أعلن الرب نوعه وجوهره من
تلك اللحظة عينها – "تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب
بالروح والحق لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له".

 

بهذه
الصورة أعلن ملء النعمة للمرأة السامرية المسكينة التي كان الحق قد بدأ يعمل فيها.
لقد نخست فس ضميرها وتنبهت في نفسها، ولكنها بعد ذلك عرفت من هو الذي كان يتكلم من
الله إلى قلبها والذي قبلته الآن بكل بساطة الإيمان، كما أصبحت فيما بعد رسولاً
للآخرين تكلمهم عن ذاك الذي آمنت به. وتبارك اسم سيدنا فقد عامل أولئك السامريين
بكرم نعمته وعمل معهم ما لا نجده قد عمله في أي مكان آخر أثناء خدمته، إذ مكث
عندهم يومين. ومن ثم أخذوا يشهدون عنه ليس بسبب كلامها فقط حين أخبرها بكل ما فعلت
بل لأنهم "سمعوا وعلموا أن هذا هو بالحقيقة مخلص العالم". نعم فقد اعترف
أولئك السامريون في ذلك اليوم الباكر بلقب الرب الكريم الذي يذكره الرسول هنا
"مخلص العالم"، مع فارق واحد بطبيعة الحال وهو خلو اعترافهم من الحقيقة
الخاصة بإرسال الآب للابن، وهي حقيقة لم يكونوا يعرفونها وما كانوا يجسرون أن
يتوقعوها. فلا هم ولا سواهم كانوا يومئذ حاصلين على الروح القدس الذي به
"نصرخ يا أبا الآب" ولكنهم اعترفوا، وكان لهم الشرف بأن كانوا أول من
اعترفوا، بأن يسوع هو "مخلص العالم". فالأمر عندهم لم يكن أمر يهود أو
سامريين، بل مجرد خطاة، ولهذا فإن الخلاص لهم كما لكل إنسان آخر وكان هذا الاعتراف
بالرب كمخلص العالم سابقاً لدخوله تبارك اسمه في ميدان خدمته الجهارية فإن هذه
الإصحاحات الأولى من إنجيل يوحنا تحدثنا عن أعمال الرب قبل تسليم يوحنا المعمدان
وبالتبعية قبل ذهاب السيد إلى الجليل، الأمر الذي يضفي جمالاً على هذا الاعتراف
والمناداة بحق عظيم كهذا وهو أن الرب يسوع هو مخلص العالم.

 

إذاً
فقد كان اعتراف السامريين صورة مبكرة للإنجيل مبعثها الإحساس الصحيح بنعمة الرب
وفضله الشخصي. فهو ليس قط مخلصاً، وليس فقط مخلصاً لشعب إسرائيل الذي كان ينتظر
المسيا، بل "مخلص العالم". حتى في ذلك الوقت سطع الحق من خلال السحب
وأضاء النور في قلوب السامريين المحتقرين الجهال فكانوا أول من اعترفوا به هكذا.
أما هنا في الرسالة فنجد الشهادة الرسولية "ونحن قد نظرنا ونشهد أن الآب قد
أرسل الابن مخلصاً للعالم".

 

ولكن
كيف يتسنى لنا أن نعرف أن خاطئاً قد خصص لنفسه نعمة المسيح وحقه؟ كيف يتسنى لنا أن
نقتنع بأن حق الله المخلص قد وصل إلى نفس شخص ما وأدخله إلى دائرة الشركة الوثيقة
مع الله كما يصفها الرسول؟ الجواب نجده في العدد التالي: "من اعتراف أن يسوع
هو ابن الله فالله يثبت فيه وهو في الله".

 

والآن
أليس هذا ضماناً عجيباً تتلقاه النفس؟ لقد رأينا في العدد السابق المؤمن المخلص
البسيط يتقبل الأخبار المفرحة بأن الآب أرسل الابن ليكون مخلصاً للعالم لكنه ليس
مجرد الخضوع للمسيا ملك إسرائيل الآتي بل الإيمان به كابن الله. وتبارك اسم إلهنا
فلا حدود لنعمته إذ هي تشمل "كل من" ولا يوجد ما هو أوسع مدى من
"كل من". وهو ليس "يؤمن فقط بل "يعترف" فهو قد تخطى كل
الصعاب والشكوك والمخاوف. لقد وزن الحق وأحس بالنعمة ودان نفسه ولم يبق عنده أقل
تردد بعد. وها هي بركة الرب تسكب على رأسه"بغنى. هكذا قال الرسول "إن
اعترفت بفمك بالرب يسوع وأمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" مؤكداً
جواب الله على عمل المسيح. أما هنا فإن الرسول يوحنا كعادته يضع نصب عينه مجد شخص
الابن، لكن في ملء نعمته في الإنجيل نحو الهالكين. والخاطئ إذ تحول من ذاته ومن كل
أسانيد الخليقة يعترف أن يسوع هو ابن الله. وماذا تكون النتيجة؟ "الله يثبت
فيه وهو في الله" على أنه ما من شخص يستطيع بحق أن يعترف به اعترافاً مخلصاً
كابن الله دون أن يؤمن أيضاً يعمل الفداء الذي أتمه وقبله الله. أما لعديم الإيمان
فهي أشياء غامضة من أولها لآخرها. قد يتفوه الناس بأقوال الاعترافية لكنهم لا
يدركون الحق الذي تنطوي عليه. فالمفروض والحالة هذه أن يكون الاعتراف صادراً من
أعماق قلب المؤمن الحقيقي بحسب الله. أعني أنه يقرر أن يسوع، ذاك الذي لم تعده
الجموع سوى مجرد إنسان ولو عظيماً، هو بالحقيقة ابن الله. من ذا يستطيع أن يشك
عندئذ في كفاية فدائه؟ والحقيقة السامية العجيبة التي يطالعنا بها هذا العدد هي أن
كل من يعترف بيسوع كابن الله ليس له فقط الحياة ومغفرة الخطايا وعطية الروح القدس
بل أسمى الامتيازات الروحية التي يمكن أن تخطر على بال. فهل هناك ما هو أسمى من
ثبات الله في المؤمن وثبات المؤمن في الله؟ لا شك أنه على قدر سمو حالتك روحياً
على قدر ما يكون إدراكك لهذه الحقيقة وتمتعك بها. ولكن الرسول هنا يخبر المسيحي
المعترف بأن هذا هو نصيبه. فليتنا نتمتع بهذا الحق ونجتر عليه! ويا ليت إلهنا يقطع
كل ما من شأنه أن يبلد حاسيتنا أو يقلل تقديرنا لهذا الامتياز المبارك العجيب!

 

وفي
العدد السابع عشر يتابع الرسول تطبيق هذا الحق عملياً فيقول "ونحن قد عرفنا
وصدقنا المحبة لله فينا". فليست هناك أية رائحة من الغموض في الجواب على
المبدأ العام، بل بكل يقين وثبات يقرر الرسول "ونحن (بلغة التخصيص والتحقيق)
قد عرفنا وصدقنا المحبة التي لله فينا". أجل، فهي محبة ليست فقط من
"نحونا" بل " فينا" ويزيد في بهجتنا وتقديرنا أن هذه المحبة
فاضت نحونا أولاً لما كنا أبناء الغضب. وبعد ذلك يكرر كلمته المأثورة "الله محبة"
مقرنا إياها هذه المرة بالقول "ومن يثبت في المحبة يثبت في الله". هذا
أسلوب جديد في الكلام عن المحبة. فالرسول يقصد أن يقول أنه إذا كان المؤمن ثابتاً
في المحبة التي من الله فلا يسعه إلا أن يكون مع الله في حالة الاطمئنان والثقة
الكاملة، فإن المحبة الصادرة من صلاحه والتي بذلت المسيح لكي يموت حتى أحصل على
هبة البر الكامل تغفر خطاياي وتجعلني ابناً لله دون استحقاق من جانبي وتجعله له
المجد يثبت في، والمحبة التي فيه تولد محبة في، وإذ أثبت في المحبة أثبت في الله
والله في. هذه ليست مجرد زيارة بين الفينة والفينة بل ثبات واستقرار وسكنى دائمة
للمسيحي. فهي عادته ومقره ودائرة سكناه وإقامته الدائمة. وبعبارة أخرى تكون المحبة
منزلة. فهل هناك بركة أكرم من هذه؟ ومع ذلك فما أبسطها إذ كنا نصدق ونؤمن. هي بركة
من شأنها أن تهدم كل علو يرتفع ضد معرفة الله. والرسول هنا لا يخاطب اللاهوتيين أو
الفلاسفة أو علماء الدين بل يكتب إلى أولاد الله حتى لا يتخلف أحد منهم عن إدراك
قافلة الإيمان والمحبة، بل بالأحرى لكي يزداد الكل في معرفة محبة الله التي بدأوا
بها ولكي يزدادوا تمتعاً بإله المحبة.

 

على
أنه يجدر بنا أن نلاحظ بعض الفوارق المعينة بين ثباتنا في الله وثبات الله فينا. فهناك
ثلاث صور مختلفة لهذه البركة. وأولى هذه الصور من حيث الزمن هي أن الله يثبت في
المسيحي. وقد رأينا من لحظات مضت أن كل من يعترف أن يسوع هو ابن الله يتمتع
بالبركة بصورة مزدوجة (ع 15) أي أن الله يثبت فيه وهو في الله.

 

وكيف
يثبت الله فيه؟ بالروح الذي أعطانا كما (ص 3: 24) حيث نعرف أن الله يثبت فينا. ثم
في (ص4: 13) يتقدم خطوة أوسع فيقول "بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه قد
أعطانا من روحه".

 

ثم في
العدد الذي نحن بصدده نقرأ عن ثباتنا فيه الأمر الذي لم يكن ليتم لولا أنه بالنعمة
السامية تنازل ليثبت فينا بواسطة هبة الروح، ذلك الروح الذي يجذبنا بالتبعية لكي
نثبت فيه. فكيف إذن علل الترتيب الذي سلكه الله فينا ولكن بقوة الشرك المستمدة من
شركتنا معه في روحه (إذ هو أعطانا من روحه) ليس فقط يثبت المؤمن في الله بل الله
فيه وذلك بالصورة الثالثة من هذه القوة الخاصة وهذا تؤيده الإشارة الخاصة الأخرى
الواردة في العدد 16 حيث يقول: "ومن يثبت في المحبة ثبت في الله والله
فيه" نظير ما جاء في العدد 13. فكلا العددين (13 و 16) يتضمنان أسبقية بركات
ثبات الله فينا ولكنها يضيفان البركتين الأخريين. أما القوة الروحية فهي النتيجة
الثالثة وهي حالة خاصة. فمن جهة عامة نرى أن "كل من يعترف أن يسوع هو ابن
الله" يتمتع بالصورتين الأولى والثانية من البركة أي ثبات الله فيه وثباته هو
في الله. أما الصورة الثالثة فتضاف هنا فقط حيث الأمر ليس قاصراً على الروح بل
"من روحه" وهو تعبير قوي يدل على عمق الشركة.

 

إن
ثبات الله في المسيحي يتم بنواله عطية الروح، بهذا نعرف أن الله يثبت فينا، وهي
حقيقة عجيبة ولو أنها ليست كل البركة كما يقول لنا الرسول. ثم هناك ما لهذه
الحقيقة من تأثير فينا إذ ونحن نعرف محبته نثبت فيه. ونستطيع أن نقول عن الصورة
الأولى من البركة أنها عملية نعمة يجريها الله من جانبه تكريماً لخدمة يسوع
المعترف به كابنه المحبوب فهو يختمنا بالروح كمفديين بدمه، على حد تعبير الرسول
بطرس في هذا الشأن. وهذا كله معناه ثبات الله في المؤمن. أما الصورة الثانية من
البركة فهي صدى وجواب قلب المسيحي الذي يعتمد دائماً على الله في خضوع وثقة المحبة
عوضاً عن التحول إلى الذات أو الآخرين لمواجهة الصعاب. وهذا هو الثبات في الله، أي
استحضار كل شيء أمام ذاك الذي من فرط محبته اتخذ من المؤمن مقراً لسكناه. فكما أنه
تنازل في نعمته واقترب منا إلى هذا الحد حتى جعلنا مسكناً له هكذا نحن بترحيب منه
نجعله مسكننا. هذا على ما يبدو هو الفرق بين ثبات الله فينا وثباتنا في الله.

 

وهكذا
تتم الصورة الثالثة للامتياز الإلهي، أي القوة الناتجة عن هذه الشركة العجيبة.
فالأولى هي عمل إلهي مطلق، والثانية هي تأثير واختبار الثقة فيه، والثالثة هي
القوة المترتبة على بركة عظمى كهذه. هنا يبدو ضعفنا الملموس فإننا في الواقع
معرضون لأن نقصر دون الوصول للنتيجة الكاملة في هذا العالم الفاشل – الأمر الذي
ينبغي ألا يكون والذي من شأنه أن يذللنا ويجعل وجهنا في التراب، لأننا إذا كنا
قليلي التكريس وضعيفي القوة الروحية فالسبب فينا وليس في أحد سوانا.إن الأخطاء في
الآخرين ليست هي السبب ولا هي عذر مقبول وإنما الفشل فشلنا نحن. فإن أثارنا أحد
فلا بد فينا من شيء يثار. وهذا لا يمكن أن يكون ولو أننا ثابتون في الله والله
فينا. على أنه إذا كان ثبات الله فينا وثباتنا فيه هو نصيب كل مسيحي كما يوح
الرسول، فكم هو محزن أن يكون الأمر كذلك من حيث المبدأ فقط وليس من حيث العمل
والسلوك. ليتنا نحرض بعضنا بعضاً على أن يثمر المبدأ فينا اختباراً عملياً وسلوكاً
فعلياً، عالمين أن نعمته كفيلة بأن تحقق هذا كله لمجد اسمه العظيم طالما كنا على
استعداد للتذلل ووضع أنفسنا في التراب كلما شعرنا بإهانتنا إياه، فإنه والحق يقال
أمر لا يليق بمن تباركوا كمسيحيين أن يقل في نفوسهم الشعور بالندم والحكم على
الذات. ولكن ليتنا بالحري نفرح باختبارنا أمانة الله من نحو كلمته واستعداده
لتحقيق مثل هذه الامتيازات العجيبة في حياتنا.

 

الخطاب
الخامس عشر

1 يو
4: 17 – 21

"بهذا
تكملت المحبة فينا أن يكون لنا ثقة في يوم الدين لأنه كما هو في هذا العالم نحن
أيضاً. لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج لأن الخوف له عذاب
وأما من خاف فلم يتكمل في المحبة. نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً إن قال أحد إني
أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب. لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن يحب
الله الذي لم يبصره. ولنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً."

 

كانت
العبارة الأخيرة من الأعداد موضوع الخطاب السابق مثاراً لمعضلة مصدرها طبيعة
القضية التي تناولتها تلك العبارة، أما الأعداد التي نحن بصددها الآن فتهيئ لنا
الفرصة للتأمل في العلاقة بين تلك القضية (ثبوت الله فينا وثبوتنا في الله)
والموضوع الخطير الذي تطالعنا به هذه الأعداد مجردة من تفاصيلها وقاصرة على خطوطها
الرئيسية البسيطة. ون ذا الذي يرتاب في أن المؤلف الإلهي رأى في حكمته أن ينحو هذا
الأسلوب ليجتذب به اهتمام كل مسيحي ويركز انتباهه في أمر يظنه الجميع فوق متناولهم
ولا يمكنهم الوصول إليه عملياً وبما أن هذا الفصل جزء من رسالة موجهة أكثر من
غيرها إلى جميع أولاد الله سيما وأنها ليست مصدرة باسم خاص لجماعة خاصة، أفلا
ينبغي أن نعيره اهتماماً خاصاً؟ ولاشك أننا سنجد أن إيمان المسيح الصحيح يخول الحق
لكل مسيحي حقيقي – بفضل الحياة في الابن وسكنى روح الله – أن يقرأ هذا الفصل
ويتأمله من جديد في حضرة الله واثقاً في محبته أنه يعطينا ليس فقط إدراكاً روحياً
أوسع بل قوة على تحقيق وتخصيص البركة التي يبسطها أمامنا للتمتع بها. لقد تذوق
الكثيرون منا في مناسبات كثيرة حلاوة اكتشاف ما في هذا الجزء أو ذاك من كلمة الله
في الكنوز الإلهية المتنوعة بإرشاد روح الله، حيث لم تكن عيوننا ترى قبلاً سوى
القليل أو لا شيء على الإطلاق. وهذا ينطبق بالأكثر على الفصل الذي أمامنا حيث
المقصود به قطعاً توسيع وتعميق شركتنا مع الله.

 

بعد
تبيان المحك المزدوج الذي نقيس به حقيقة الأنبياء الكذبة في الستة الأعداد الأولى
من إصحاحنا – وهو الاعتراف بالرب يسوع كمن جاء في الجسد ثم الإعلان الرسولي أي العهد
الجديد – يتناول الرسول بأسلوبه الخاص موضوع المحبة العظيم في قوة لا تقل عن قوة
بولس في (1 كو 13). فعلى أولاد الله أن يحبوا بعضهم بعضاً لأن المحبة من الله وكل
من يحب قد ولد من الله ويعرف الله. وفي هذا نرى على الفور أن يوحنا يعتبر المحبة
شيئاً غير منفصل إطلاقاً عن الحق العظيم الخاص بالحياة الأبدية في المسيح
وبالتبعية غير منفصل عن نسبتنا لله نفسه ومعرفتنا الروحية به. إذاً فالدائرة التي
يتعامل فيها المسيحي على الأرض ليست فقط تسمو على المعرفة البشرية بل على لعواطف
الطبيعية، إذ هو يتعامل مع شركاء قديسين هنا على الأرض ولكن على أسس ليست فقط فوق
الطبيعة بل أسس إلهية، وبطريقة مباشرة، كما سنرى، مع الله وفي محضره. ومع ذلك فلكل
مسيحي حصته الخاصة في هذا المضمر، ليس للتقدم في غيره أو الرغبة في إعلاء ذاته
والظهور بمفرده كأنه كوكب لامع وحده، بل في كمال الشعور بثبات الله فيه وثباته في
الله والسلوك ليس فقط في النور بل في محبة الله التي هي طبيعته ومصدر طبيعة
المسيحي الجديدة.

 

وبما
أن هذا من شأنه أن يقود إلى الداخل أو ما يجري في النفس وقد يؤدي إلى الانتفاخ
(لأنه في الواقع شيء عجيب كما هو حقيقي) فإن الوحي يخبرنا في الحال بما أجراه الله
خارجاً عنا فيقول "بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى
العالم لكي نحيا به. في هذا هي المحبة ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا
وأرسل ابنه كفارة لخطايانا". أي نعم أي مجرد "التمثل بالمسيح" لا
يكفي. لقد كنا في حاجة إلى ظهور محبة الله اللانهائية في مجيء المسيح، أولاً لكي
نحيا به نحن الذين كنا أمواتاً وثانياً لكي يجعل خطية وذبيحة كفرية لأجلنا نحن
الذين كنا مذنبين وخطاة دنسين. فالمحبة التي صنعت هذا كله، وصنعته إلى التمام،
كانت محبته وحده وليست محبتنا على الإطلاق. فنحن تلاميذ يسوع وحده،ولسنا بحال
تلاميذ الكمبيسي أو أية مدرسة صوفية أخرى والهدف الواضح هو تأسيس الحق على ما هو
الله لنا وليس على ما نحن لله أو ما نرغب أن نكون له.

 

بعد
توضيح ذلك بما لا يزيد، يحرضنا الرسول قائلاً أنه مادام الأمر هكذا، ومادام الله
قد أحبنا هكذا، ينبغي لنا أيضاً أن يحب بعضنا بعضاً. طبيعي أننا نحب الله، وما كان
ليسعنا إلا أن نحبه ما دمنا نصدق محبته العظمى في المسيح لأجلنا، لكن ينبغي أن نحب
أولئك الذين يحبهم كما يحبنا والذين هم أولاده مثلنا. بعد ذلك يعقب الرسول بتلك
الإشارة العجيبة إلى (يو 1: 12) فيما يتعلق بالابن الوحيد "الله لم يره أحد
قط" وانطباقها على الأولاد الله في (1 يو 4: 12) لقد قام المسيح بإعلان الله
الغير منظور إعلاناً كاملاً، فماذا نحن فاعلون بمحبتنا بعضنا لبعض، إن كنا نحب
هكذا "فالله يثبت فينا ومحبته قد تكملت فينا". على أن ذلك لم يكن
ميسوراً لولا حصولنا على الحياة في المسيح، بل أننا كنا بحاجة إلى ما هو أكثر من
ذلك وقد أعطيناه فعلاً أي "من روحه" (ع 13) لأن الروح نفسه الذي نزل
واستقر على المسيح على أساس كماله الشخصي الذاتي يمكث فينا الآن على أساس عمله
لأجلنا على الصليب. بهذا يثبت الله فينا ونستطيع نحن أن نثبت في الله ونعرف أننا
نثبت فيه وهو فينا وبهذا وحده نحفظ من التذكير في أنفسنا فوق ما ينبغي، في حين أنا
لنا بالنعمة ملء الحرية للتفكير في محبة الله شركتنا معه إلى أقصى حد.

 

بعد
ذلك يحدثنا الرسول عن شهادة الإيمان القاطعة. فإن ذات لاشيء الذي فوق الطبيعة البشرية،
ليس فقط الرؤية بل النظر، قد أصبح الآن من خصائص الشهود (ع 14). "ونحن قد
نظرنا ونشهد أن الآب قد أرسل الابن مخلصاً للعالم" وذلك ليس في صورة رؤيا أو
نظرة خارجية، بل حقيقة مؤكدة لعين الإيمان في قوة الروح القدس. فكل "من يعترف
أن يسوع هو ابن الله" ينتقل بذلك إلى الربكة "الله يثبت فيه وهو في
الله". هذا هو ترتيب عمل الله بالنعمة، يؤيده عدد 16 حيث يربط الرسول نفسه مع
سائر المسيحيين بقوله "ونحن قد عرفنا وصدقنا المحبة لله فينا" نعم،
فلذلك ليس قاصراً على الرسل، بل هو تعبير عن شركة جميع المسيحيين مع الله المؤسسة
على الحياة الجديدة وإتمام الكفارة، والتي نمارسها بالروح القدس لمشاركة الله في
لذته بالمحبة كأولاده عالمين أن "الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله
والله فيه" هذا هو ترتيب الاختبار والقوة الروحية. كل شيء فيه حقيقية ولازم
لتحقيق شركة المسيحي مع الله، وكل شيء مذكور هنا في مكانه الصحيح لتشجيع القديسين
البسطاء ولتوبيخ المتهاونين المهملين الذين لا يكترثون بمثل هذا الرضا والفرح
الإلهي. وما أبعد هذا عن كل ادعاء بحلم أو رؤية أو أي شيء من شأنه أن يرفع المسيحي
في عيني نفسه أو أعين الآخرين.

 

قد
يظن أنه ليس من مزيد بعد هذه الحقائق السامية التي بسطتها الرسول أمامنا بسطاً
غنياً. فقد أتى بنا إلى مورد كل بركة وهي محبة الله التي وهبتنا قيمة حياة المسيح
وموته يوم كنا أمواتاً في ذنوبنا وخطايانا، ثم كشف لنا عن المحبة الإلهية عاملة
فينا بعضنا نحو بعض كمن ولدنا من الله وكم نعرفه ولنا الروح القدس ماكثاً فينا
ليعيننا على الثبات في الله والتمتع بالقوة الروحية التي هي وليدة ذلك الثبات. كما
حرص الرسول على أ، يرينا أن هذا كله من حق كل مسيحي بالنعمة، وإنما يحتاج الأمر
لتحقيقه أن تكون نفوسنا في شركة مستمرة بشأنه. هذه كلها بركات ونعم غنية لكن العدد
17 يتوج القائمة بإحسان آخر مجيد "بهذا تكملت المحبة فينا أن يكون لنا ثقة في
يوم الدين لأنه كما هو في هذا العالم هكذا نحن أيضاً".

 

ما
أعظمها غبطة هذه التي تعلن الآن للمسيحي! إنها ليست مجرد المحبة الإلهية ظاهرة في
قضيتنا يوم كنا لا نستحق شيئاً على الإطلاق وعاجزين عن فعل أي خير أو صلاح، ولا هي
المحبة عاملة فينا كأولاد الله لنحب بعضنا بعضاً على قياس محبته ولا هي كذلك أنين
الروح القدس فينا نحن الذين نئن كقديسين معتقين في أجساد لم تعتق بعد وسط خليقة
تئن بأجمعها انتظاراً للعتق الذي سيتم لها يقيناً حينما يظهر الرب يسوع بالقوة
والمجد. بل أن يوحنا يحدثنا هنا عن الروح القدس عاملاً من الآن في هذا العالم في
أولاد الله في قوة المحبة الإلهية وفي التمتع بحضرة الله. وفي هذا قد تكملت
المحبة. وهو يحدثنا عن هذا الرضا الفائق وسيعلن تكيل المحبة فينا لكي يكون لنا ثقة
في يوم الدين. ولاشك أن هذه "الثقة" تتعارض على خط مستقيم بل تسمو فوق
كل ظن بأن المؤمن سيأتي إلى دينونة، وأقصد بطبيعة الحال دينونة أبدية، دينونة البر
التي تقضي على الإنسان لمذنب أو حتى على الإنسان الفاشل ذلك لأن الدينونة الإلهية
التي سيجريها الرب يسوع ستدخل في حسابها سرائر القلب وأقوال الشفتين كما وكل عمل
من أعمال الجسد. وهل من ابن لآدم يمكن أن يدخل في دينونة كهذه ويخرج منها سليماً
معافى؟.

 

ولذلك
فإنه حتى في العهد القديم حيث النور فيا يتعلق بدينونة الأموات ضئيل جداً بالقياس
إلى ما يكشفه العهد الجديد، نجد داود يقول في سفر المزامير "لا تدخل في
المحاكمة مع عبدك فإنه لن يتبرر قدامك حي" (مز 143: 2). ومن هنا نتعلم أنه
ليس فقط الخاطئ المهمل بل حتى "عبد" الرب (وهو قديس بالطبع) إن دخل الرب
معه في محاكمة فإنه لن يتبرر، لا هو ولا أي حي آخر فإن المحاكمة أو الدينونة لا
تتجاوز عن الوقائع ولا تغتفر الخطايا، ومن المحقق أنه لا يوجد إنسان بلا خطية.
فكيف الخاطئ أن يتبرر أو يخلص؟

 

وقد
تناول الرب في أيام جسده هذه المعضلة الرهيبة بلغة واضحة بسيطة (يو 5) فتكلم عن
نفسه كابن الله المتجسد الذي له أ، يعطي حياة لكل من يؤمن به، وكم له الحق في
إجراء الدينونة على الأشرار الذين يرفضون ويزدرونه. فهو يعطي حياة للمؤمن، أما غير
المؤمن فسيديه. ولكن العدد 24 يفتح في الحال طريق الخلاص بالقول "الحق الحق
أقول لكم أن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة
بل قد ينتقل من الموت إلى الحياة". فهو له المجد يعلن أن كل من يسمع كلامه
(والوصايا العشر وما على غرارها لن تفيد شيئاً) ويؤمن بالذي أرسل المخلص (إذ من
المحتم أن تنحني النفس لله بخصوص إرسالية محبته العظمى هذه) فله حياة أبدية ولا
يأتي إلى دينونة بل قد انتقل إلى الموت إلى الحياة.

 

ومعنى
هذا أن المؤمن لن يحاكم على إثمه كغير المؤمن، فهو قد انتقل (إذا كنا نصدق الرب)
من الموت إلى الحياة، ذلك لأنه بقبول المسي قد قبل الحياة الأبدية والإيمان بكرم
المسيح، أما غير المؤمن فلا يكرمه ويزدري بكلامه ولا يصدق الله حين أرسل المسيح في
إرسالية المحبة، وعلى ذلك فلا بد من تقديمه للمحكمة كما سينال المؤمن قيامة الحياة
التي تذكر هنا صراحة بالمقابلة مع قيامة الدينونة. ومع ذلك فإن المؤمن بعد قيامته
من بين الأموات سيعطي حساباً للرب يسوع عما فعله في الجسد. ولا ننسى أنه سيكون قد
أخذ إلى السماء حين يعطي هذا الحساب. وهذا لا يتفق بطبيعة الحال التي سيساق إليها
الأشرار والتي كما يؤكد الرب لن يأتي إليها المؤمن. إن الرب على الصليب قد حمل
خطايا المؤمن، وبذلك سوى بالنعمة مشكلة تلك الخطايا. ومع ذلك فإن المؤمن لابد أن
يظهر (ولا يقال يدان) أما كرسي المسيح لكي يعرف كما عرف فيتم تقديره لنعمة الله في
خلاصه.

 

فصل
آخر في الكتاب يتناول نفس النقطة هو (عب 9: 27 و 28) حيث يوازن بولس في ذينك
العددين بين نصيب الإنسان أي الموت والدينونة ونصيب المؤمن أي ما عمله المسيح من
أجله فعوضاً عن الموت يجد المسيح يقدم نفسه ليحمل خطاياه في موته بدلاً عنه، وعوض
الدينونة يجد ظهور المسيح بلا خطية للخلاص (أي ظهوره لا لكي يعالج موضوع الخطية
مرة أخرى بل للخلاص النهائي) ومعنى هذا أن الخلاص (لا الدينونة) ينتظر أولئك الذين
ينتظرون رجوع الرب مرة أخرى.

 

والواقع
أنه ما على المسيحي إلا أن يتأمل في حقيقة التبرير كما تعلنه كلمة الله حتى يرى
سخافة الفكرة القائلة بدينونة عامة للخطاة والقديسين، الأمر الذي يتعارض تماماً مع
الإنجيل وإن كان الكثيرون يقولون به مع الأسف الشديد على أن التناقض الذي تنشئه
مثل هذه العقائد الخاطئة لا يحتاج إلى إيضاح لأنه ما من أحد يستطيع أن ينكر أن
ربنا سيأتي للمسيحي وللكنيسة في مجموعها ولقديسي العهد القديم أيضاً، وأنه له
المجد ليس فقط يأخذهم إلى نفسه في الهواء بل إلى بيت الآب، ومع ذلك فإن الزعم
بدينونة عامة (وهو زعم مؤسس في الغالب على دينونة الرب للشعوب في نهاية الرب
للشعوب في نهاية الدهر كما جاء في (مت 25: 31 – 46) يتضمن بالضرورة دخول الذين
بررهم الله (لأن الله هو الذي يبرر) في دينونته بعد أن يكونوا قد أصبحوا في الحالة
الممجدة لكي يمتحنهم مخلصهم لعله يجد في نهاية الأمر أنهم من الهالكين! وهذا خلط
بطبيعة الحال لا يليق بنعمة الله ولا بإنجيل المسيح. فإذ كانوا ينكرون مثل هذا
الاستنتاج – لأنه في الواقع ليس هناك من مؤمن مستنير إلا وينكره – أفلا يدركون
أنهم يزعمهم هذا يجعلون من دينونة المؤمنين مجرد عبث لا يليق الله إذا كانوا قد
انتزعوا منها شوكتها المرعبة وحولها إلى مجرد إعلان بأنهم مخلصون؟ إنه من الخير
لهم أن يفتشوا الكتب ليروا هل هي تتفق تماماً مع كلمات الرب ذات السلطان والتي
تؤكد بأن المؤمن لا يأتي إلى دينونة، فإن الدينونة محفوظة فقط للإنسان بدون
المسيح، الإنسان المذنب الخاطئ في ذاته.

 

ففكرة
الدينونة العامة التي تصادف هوى في نفوس بعض المذهبيين هي في الواقع مناقضة صريحة
لكلمة المسيح التي كما يقول سيدنا ستدين في اليوم الأخير كل من لا يقبلها. وهي
فكرة مع الأسف تنشر الظلام حول معتنقيها وتحرمهم التعزية التي من حقهم بفضل المسيح
وعمله أن يتمتعوا بها. وهي إهانة للآب بقدر ما هي إهانة سل لابن الذي يريد للمؤمنين
أن يتيقنوا من نعمته ويتمتعوا بثمار محبته في الحياة الأبدية والفداء. وهي فكرى
تتجاهل أن القيامة والاختطاف سيكونان بمثابة الانفصال الغالب المنتصر في المجد
السماوي لأولئك الذين هم للمسيح من الآن ولكنهم يعيشون في عالم خليط.

 

إن
يوحنا لا يقيم نعمة الله الفائقة هذه على أساس البر كما يفعل بولس في (2 كو 5: 21)
حيث يقول "لأنه (أي الله) جعل الذي لم يعرف خطية لأجلنا لكي نصير نحن بر الله
فيه".ذلك لأن الديان لن يجلس في كرسي الدينونة لكي يناقش أو يجادل في قيمة بر
الله الذي صار بربنا في شخصه المحبوب وإنما هو سيدين جميع الذين يدعون ببر من
عندياتهم لأنه بر زائف باطل. سيدين جميع الذي يزدرونه في فجورهم المكشوف وإرضائهم
ذواتهم تحدياً منهم لله، وسيكون أكثر قساوة في دينونته لفجور الناس وإثمهم مهما
كانوا في فجورهم يظهرون كمن يعرفون الحق ويتمسكون به كما هو الحال في النصرانية
وإلى حد ما بين اليهود. أما الذين هم المسيح يسوع الذي صار لنا من الله حكمة وبر
وقداسة وفداء فلن يثير عليهم في السماء عاصفة الدينونة القارسة المرجفة بعد أن كان
بروحه قد ملأ قلوبهم بسلام الإيمان ودفء النعمة. أما أن الديان يتحدى نفسه فتلك
فكرة سخيفة لا أساس لها.

 

نعم
هي فكرة شاذة تفندها القرينة في الأعداد السابقة. لأن النصف الأول من (2 كو 5)
خصصه الرسول لإقامة البرهان على قوة حياة القيامة في المسيح وكفايتها لإنقاذ
المسيحي من الموت والدينونة اللذين هما أعظم أهوال الإنسان الطبيعي "لأننا
نعلم أنه نقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من الله بيت غير مصنوع بيد
أبدي. فإننا نحن الذين في الخيمة نئن مثقلين إذ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس
فوقها لكي يبتلع المائت من الحياة. ولكن الذي صنعنا لهذا عينه هو الله الذي أعطانا
أيضاً عربون الروح. فإذاً نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون في الجسد
منحن متغربون عن الرب. لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان. فنثق ونسر بالأولى أن
نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب. لذلك نحترص أيضاً مستوطنين كنا أو متغربين أن
نكون مرضيين عنده. لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما
كان بالجسد ما صنع خيراً كان أم شراً".

 

هنا
نجد الرسول العظيم يتناول الأمر باعتبار من خواص الوعي المسيحي الواثق المتأكد بأن
الخوف من الموت والدينونة قد زال من نفسه إلى الأبد حيث أن الله قد صنعنا لهذا
عينه لنكون مثل المسيح ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين على صورة جسد مجده. لقد
استطاع بعمله أن يجرد الموت بالنسبة لما من لذعة رعبه بينما هو سائد ومالك على
الجنس البشري. لكننا نحن مثقلون بجسد لم يفتد بعد نئن فعلاً بسبب وجودنا فيه ونئن
بالأكثر بطريقة أخرى لأننا مصالحون مع الله وحاصلون على نتائج المصالحة المجيدة الماركة،
وكلنا أشواق أن نلبس الجسد المتغير. على أننا في كل حال غير خائفين بل نعلم أن
انطلاقنا لنكون مع المسيح كما كتب للفيلبيين أفضل جداً من التغرب عن الرب، لأننا
نسر بالأولى أن نستوطن عند الرب.

 

ومهما
كان كرسي المسيح خطيراً في ذاته، فلن ينشئ القلق في نفوسنا لأن المسيح نفسه احتمل
دينونتنا. فإنه حتى ونحن على الأرض يسمح الله لنا بمناسبات المرض وغيرها لكي نرجع
حالتنا ومسلكنا، وهو له المجد لن يفشل في سبر أغوار جروحنا وكشف أسرار القلب، في
الوقت الذي يعيننا أن نصرخ قائلين "اخبرني يا الله واعرف قلبي. امتحني واعرف
أفكاري. وانظر إن كان فيّ طريقاً باطل واهدني طريقاً أبدياً".ولا شك أن مثل
هذا الحكم على الذات نافع جداً، وإذا كنا نغفله نخسر قدراً كبيراً من البركة في
الطريق. وهو بالنسبة للمسيحي جزء مما سيتم قدام كرسي المسيح، الأمر الذي سيكون
مصحوباً بملء البركة. ولا يقصد الرسول بالإشارة إلى هذا الموضوع إثارة الخوف في
نفوسنا أو زعزعة شجاعتنا المستمرة المتصلة، وإنما يريد أن يوقظ في نفوسنا الإحساس
بالحزن من أجل المتهاونين المتغافلين لنحاول إقناعهم أن يرجعوا إلى الرب
"فإذا نحن عالمون مخافة الرب نقنع الناس" بمعنى أننا نعرف مقدار الرعب
الذي سيلقاه الآخرين يوم يقفون أمام الديان ومن واجبنا أن نقنعهم أو بمعنى آخر
أننا نخاف على الآخرين ولكن ليس على أنفسنا فمن جهة أنفسنا قد صرنا والحمد لله من
الآن ظاهرين أمام الله "وأما الله فقد صرنا ظاهرين له وأرجو أننا قد صرنا
ظاهرين في ضمائركم". فقد وهبتنا النعمة أن نخضع منذ الآن لإشراق نور الله في
المسيح، والنعمة التي تأتي بنا إلى الله تدخلنا إلى هذا النور الكامل. صحيح إن
إشراقه فينا في الوقت الحاضر قد يتعطل بسبب ما نقيمه أمامه من موانع وعراقيل ولكنه
سيكون كاملاً يوم نظهر أمام كرسي المسيح في غير خجل زائف. إذ نكون يومئذ في الحالة
الممجدة وفي مقدورنا بغير عائق أن نرى كل مجده الأمر الذي وإن كان مذللاً لنا من
ناحية فهو من الناحية الأخرى ممجد لإله كل نعمة، وللابن الذي استطاع وحده أن
يجعلها بركة لكل مؤمن، وللروح القدس الذي بقوته الفعالة المستمرة أوصلها لقلب كل
قديس.

 

ولا
داعي للرجوع إلى شواهد كتابية أخرى لأن العدد الذي أمامنا ينفي نفياً باتاً الفكرة
الخاطئة والضلالة الشنيعة التي كثيراً ما أضعفت شهادة الحق وأثرت تأثيراً سيئاً
على أشخاص أتقياء عديدين بسبب افتقارهم إلى الحق المعروف لآخرين: "بهذا تكملت
المحبة فينا أن يكون لنا ثقة في يوم الدين". فكروا في هذه الأقوال يا من
تفاخرون بما تسمونه "تعليم الكنيسة" وقد غاب عنكم أن ذاك التعليم إنما
هو "إنجيل آخر" مع أنه في الواقع "ليس هو آخر". هكذا وبخ
الرسول وهكذا كشف أمر العقيدة الفاسدة التي تفتخر بالصليب دون معرفة بتعليم الله
عن المسيح مصلوباً لخلاص المؤمنين من الإنسان وتقاليده الباطلة وفلسفته وعلمه وغير
ذلك ممل يتعالى على الكتاب وعلى عمل المسيح في خلاص الهالكين. إن محبة المسيح قد
أظهرت للخطاة في حياته التي أعطيت لتكون حياتنا وفي موته ككفارة عن خطايانا، وذلك
كي تكمل المحبة فينا كقديسين بروحه العامل فينا. ولكن حتى هذا لم يكن كافياً
لإشباع إلهنا تكريماً لابنه المحبوب فعمل أيضاً على أن تكمل المحبة فينا "أن
يكون لنا ثقة في يوم الدين". قد تقول أيها القارئ: ما هذا؟ هل في الكتاب
أقوال كهذه؟ وهل هذا هو معناها؟ أما من جهتي فلست أندهش أن يكون هذا لسان حالك وإن
كنت أدعوك لأن تفكر في الأمر ملياً فلا تعود تجرؤ على إظهار عدم الثقة في كلمة
الله وعظيم نعمته.

 

وهل
أقوال أكثر وضوحاً وصراحة من هذه يتناول فيها الرسول قضية المحبة التي تكملت فينا
نحن المسيحيين لكي لا يكون لنا في "يوم الدين" أي انزعاج أو شك بلا ثقة؟
إلا أن إقامة هذه الثقة على أي شيء غير عمل المسيح هو التجديف بعينه. أما في
المسيح فهي نصرة المحبة الإلهية ذات المحبة التي ألبست الابن الضال الذي أتى في
أسماله الرثة "الحلة الأولى" وجعلته ليس مثل آدم في حالة الطهارة الأولى
بل كمن يلبس لباس العرس تكريماً لابن الملك. ولباسنا هو المسيح، المسيح الذي مات
وقام وسوى مسألة الخطية والخطايا تسوية تامة لحساب الإيمان. فأنتم يا من ترتشفون
من مياه التقاليد الآسنة الغبية لماذا لا تصغون لصوت الآب والابن والروح القدس
وتأخذون ماء حياة مجاناً؟ إن المسيح قد مجد الله ليس فقط في حياة الطاعة بل في
موته أيضاً لكي ينقذ من خوف ساعة الموت ويوم الدينونة. حتى أنتم الذين سمعتم أولئك
الذين يتطلعون إليكم في جوعهم فلم تطعموهم بل زدتموهم جوعاً على جوع. نعم، هذه هي
أقوال الله الموجهة للجميع وأنها لجديرة بعمق تأملكم. إنها تصرخ بأن المحبة قد
تكملت فينا "ليكون لنا ثقة في يوم الدين". وهي ترينا الله مصدر البركة
والابن مجراها وموقف أولاد الله بالنسبة لذلك اليوم. وما أبعد المفارقة بين هذا
اليقين الهادئ وبين مقطوعات التأسي والتأبين والمراثي (ولا نسميها ترانيم) التي
يصيح بها بعض المسيحيين في جنائزهم باعتبارها أناشيد مسيحية! أما محبة الله فمن
شأنها أن تطرد الخوف من قلب كل مسيحي.

 

ولكن
هنا ما هو أكثر من ذلك. فإن الرسول يعطينا سبب أو أساس هذه المنحة السامية مما
يزيد في سموها وعظمتها إذ يقول بعد ذلك "لأنه كما هو في هذا العالم هكذا نحن
أيضاً". والحق أنه لولا أن الله قد أعلن هذا صراحة لجاز القول أن مثل هذا
القرار خليق بأن يوصف بأنه أروع ادعاء نطقت به شفتان أو خطة قلم إنسان. ولا أحسبه
عدم نتبصر إذ خطر بالبال أن كثيراً من مدارس اللاهوت تجهل قوة هذا العدد جهلاً
مطبقاً حتى لم يعد أحد من مشايعيهم يتأثر في قليل أو كثير بالمعنى السامي الذي
ينطوي عليه. ذلك أن الرسول يقرر أنه كما المسيح هكذا نحن، نحن المسيحيين، في هذا
العالم. وهو يقول هذا متفقاً مع تعليمه الواحد في رسالته "ما هو حق فيه
وفيكم". فالمسيح مات وقام وهو الآن يأتي بثمر كثير نظير نفسه (مثل حبة
الحنطة). صحيح أن الذات القديمة لا زالت قائمة فينا فعلاً ولكن ها هو سيدنا يقول
"في ذلك (أي من يوم الخمسين إلى الآن) تعلمون أني أنا في أبي وأنتم في وأنا
فيكم". وهذا لم يكن صحيحاً قبل ذلك ولن يكون صحيحاً في الدهر الآتي وإنما هو
يصدق الآن فقط على المسيحيين على الأرض.

 

وعلى
ذلك فإن مقامنا ومثالنا ليس فيما بعد في آدم الأول بل في الإنسان الثاني الذي هو
آدم الأخير إذ سوف لا يكون بعده رأس آخر، إن ابن الإنسان مَجَّد الله وقد مجده حتى
في أمر الخطية بموته الذي هو وسيلة الخلاص الوحيدة إذ في موته دينت الخطية دينونة
كاملة لمجد الله. ومن ثم فإن الله مجد ابن الإنسان في القيامة والصعود، وهو الآن
يمجده عند ذاته في السماء الأمر الذي لا يصدق على أحد سواه. نعم فالله لم ينتظر
حتى يتوجه على عرش داوده في صهيون أو كالملك على كل الأرض، بل في الذات يوم
القيامة أرسل السيد رسالة محبة "لإخوته" يقول "إني أصعد إلى أبي
وأبيكم وإلهي وإلهكم". وبهذا القول ينقلنا له المجد من آدم الساقط إلى مقامنا
الجديد في المسيح المقام وعلى هذا المنوال يقال أنه كما هو هكذا نحن في هذا
العالم.

 

دقق
النظر في العدد وتأمله جيداً. إنه لا يقول "كما كان هكذا نحن" وأنت ترى
الفارق عظيماً. ويخطئ أولئك اليمن يأخذون بالفعل الماضي. صحيح أن التجسد حق مبارك
وجوهري للإيمان، ولكن اتحادنا بالرب لم يكن عن طريق التجسد. إن التجسد حقيقة لاشك
فيها ولكن المسيحية لم تبدأ بالتجسد. فطالما كان سيدنا عائشاً على الأرض كان وحده،
أما عندما مات فقد أتى بثمر. فالإتحاد به لم يكن ممكناً إلا بعد أن مات لأجلنا
ولأجل خطايانا. وفي القيامة، بعد أن اجتازت عليه تيارات دينونة الله بسبب شر
الإنسان، استطاع أ، يقول "أب وأبيكم إلهي وإلهكم". فإن الحجاب لم يشق
قبل موته تبارك اسمه، ولذلك فإن الكهنة والذبائح والقدس العالمي ظلت كلها قائمة
بموافقة ورضاء الله. ولكن بموته ماتت جميعها وصارت قيامته هي حياة القوة. وعلى
الأثر جاءت المسيحية ونزل الروح القدس وختم أولئك الذين اغتسلوا بدمه. "كما
هو، هكذا نحن في هذا العالم" ونحن نكرر أي مقام لنا سوى في شخصه المحبوب، وهذا
هو مقامنا فعلاً الآن "في هذا العالم". وهل تظن أن أحد متعلماً هذا من
الروح القدس ممكن أن يقنع بالمزاعم الخرافية أو التخمينات الدينية التي تتعلق
بالمطهر أو ما شكله من التلفيقات وأنصاف الحلول؟ أليس لدينا في هذا العدد الصغير
الكريم المقام المسيحي المؤسس على الصخر الأبدي؟ وهل من مركز يسمو على هذا؟ كلا
بطبيعة الحال. هذا هو مقامنا، مقام كل مسيحي حقيقي "في هذا العالم". ولم
يبقى علينا إلا أن نصدق الله بشأنه لخير نفوسنا وأن نتطلع إليه فيهبنا النعمة لكي
نحب ونحيا بما يليق بذلك المقام عالمين أن المسيح هو كل شيء لنا.

 

أما
الأعداد التالية فترينا المغزى الهائل العظيم لما صار لنا في العدد 17. "لا
خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج". يا ترى ما هو وقع
كلمات الله على هذا القلب – قلبي وقلبك أيها القارئ؟ ولاحظ أنها ليست مجرد عاطفة
من العواطف، بل إله النور والمحبة الذي يود أن يعين أولاده ويحصنهم ضد كل شك لكي
يتسنى لهم أن يتمتعوا بالنور والمحبة في كل بساطة ويقين. الخوف المشار إليه هنا لا
يتفق والمحبة. طبق هذا على الغلطة الشائعة بأن الله سيدين أولاده وإنما المختارون
منهم هم الذين سينجون. أي عذاب وقلق تنشئه تلك الضلالة في نفوس الأتقياء، من ذا
الذي يمكنه أن يقيس أو يحصى مثل هذا الأثر السيئ الذي هو لاشك من إملاء الشيطان.
فإنه إذا كان هناك أي شعاع من تعزية أو رجاء في تعليم كهذا فهذا الشعاع مخبوء في
طيات السر المغلق الخاص بالاختيار والمختارين بدلاً من النور الحقيقي الذي يضيء الآن
بإشراق ثابت في المسيح لكل من يأتي إلى الله عن طريقه. أنا لا أنكر أن الذين يأتون
إلى الله إنما هم لمختارون ولكن الطريقة التي بها يعالج بعضهم هذا الأمر الدقيق في
معاملات الله ومقاصده الأزلية الخفية من شأنها أن توقف النفوس في مأزق محرج في حين
أن المسيحي يشير على الدوام للنفس المحتاجة التي تدنو من ذاك الذي هو فاتح أحضانه
لها على الدوام والذي يستطيع أن يضمن الخلاص الأبدي للخاطئ ويهبه الراحة الكامنة
بالإيمان بشخصه المحبوب.

 

لو
نظرنا إلى شخص مسيحي يضع نفسه هذا الوضع، فهل يوجد ما يعوق عواطفه أكثر من هذا
الخوف الذي لا بد وأن يقترن بفكرة الدينونة في نهاية طريقه، هل يقدر مثله أن يحب
إلى التمام أو يحب بسهولة وراحة بال من يخشى ولو أحياناً أنه سيطرده يوماً من
الأيام ويلقيه في جهنم؟ لكن كلا، فالواقع أنه "لا خوف في المحبة" كما
يقول الرسول. ولكن المؤسف أنه بينما يقول الرسول هذا القول فإن المؤمن البسيط حديث
الإيمان يقول (يوجد خوف في محبتي) إذ يشعر بأخطائه وتقصيراته التي قد تكون بعضها
خطيراً ينشئ في نفسه كرباً وغماً كلما فكرفي ذلك اليوم. وأقصى ما يصل إليه كلما
راوده الفزع والخوف من الدنيوية المحتملة لأنه يرى في المسيح ما يكفي لأن ينشئ فيه
رجاء متواضعاً ولكنه موقن أنه لا يستطيع البتة أن يعترف أن له ثقة في يوم الدين ل
هو على العكس يخشى أن يفكر أو يسمع شيئاً عن موضوع مرهب ومرعب كهذا. إني أصور
الحالة بقدر ما أعرف وكل قصدي أن أقنع أمثال هؤلاء أنهم واقعون تحت تأثير أفكار
التناقض الذي يتنافى تماماً مع كلمة الله وإعلانه الواضح الصريح. وإذا كانوا يرون
معنا أن مثل هذه الأفكار لا يمكن حقاً أن تتفق مع ما يقوله الرسول هنا فهذا مما ل
يفيدهم كثيراً طالما هم يستسلمون لبعض التعاليم التي كأنها تقول بلسان الحال أن
الكتاب يناقض بعضه بعضاً في حين أن منشأ التناقض هو في أنفسهم وعدم خضوعهم لحق
الله الواضح البسيط، ومن هنا كان الخوف والفزع بدلاً من اليقين والثقة – وهذا
دائماً عمل الشيطان.

 

إن
المسئول عما يخالجك من خوف هو تلك الضلالة أو الفكرة الخاطئة التي احتضنتها أو
سمحت لها بأن تداعبك بشكل ما وليس كلمة الله التي أمامنا والتي من خصائصها أن تنزع
الخوف لا أن تخلقه. إن المسيح وحده باعتباره الشاهد الإلهي والبرهان الوحيد على
محبة الله الكاملة هو الذي يستطيع أن يلاشى خوفك. وهذا هو هدف الروح القدس الذي
يقود إلى كل الحق ويفعل ذلك بتمجيده للمسيح إذ يأخذ مما له ويخبرنا. وقد يقصد
أحياناً أن يعيننا بطريقة غير مباشرة إذ يأخذ مما لنا ويخبرنا ويكشف لنا ذواتنا
حتى نتضع ونحزن أما إلهنا، وحتى في ذلك هو يشغلنا بذاك الذي به صارت النعمة والحق،
والذي هو ملء الكل في شخصه الكريم.

 

هناك
خطر آخر تتعرض له النفوس التي لم تتحرر بعد من الخوف. فقد تتحول إلى المعمودية أو
التناول من عشاء الرب ظناً منها بأنه قد تلقي في أيهما ملجأ واقياً من الخوف. على
أن الكتاب لا يجيز مثل هذا الوهم. بل على العكس مجد الرسول بولس في رسالته الأولى
لأهل كورنثوس يحرص على تحذيرهم من فكرة كهذه حينما كان كثيرون منهم في حالة شريرة
وخطيرة. ففي لإصحاح الأول نراه يشكر الله أنه لم يُعمد أحداً منهم سوى كريسبس
وغايس حتى لا يقول أحد أنه عمد باسمه. وهو قد عمد أيضاً بيت استفانوس، وعدا ذلك لا
يعلم هل عَّمد أحداً آخر، لأن المسيح لم يرسله ليعمد بل ليبشر. فلو أن المعمودية كانت
وسيلة نوال الحياة الأبدية، ماذا كنا نرى في أقوال بولس هذه؟ ولكن الحقيقة هي عكس
ذلك، فإن المسيح لم يرسله ليعمد الأمر الذي تركه لآخرين ليتمموه للكورنثيين
"الكثيرين" الذين "سمعوا وآمنوا واعتمدوا" في تلك المدينة (أع
18: 8). ويقول لهم في الإصحاح الرابع "أنا ولدتكم في المسيح يسوع
بالإنجيل" (ص 4: 15) فإن النجيل، كلمة الحق، كان ولا يزال وسيلة الولادة من
الله، ولم تكن أبداً المعمودية مهما كانت قيمتها في مكانها.

 

بل هو
يذهب معهم إلى أبعد من هذا فيحذرهم في الإصحاح العاشر، ويحذر معهم جميع المسيحيين
من ذلك اليوم فصاعداً، مما حدث للإسرائيليين الذين وإن كانوا جميعهم قد اجتازوا في
البحر وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة وفي البحر، وجميعهم أكلوا طعاماً واحداً
روحياً وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً، لكن بأكثرهم لم يسر الله لأنهم طرحوا
في لب قفر "وهذه الأمور حدثت مثالاً لنا حتى لا نكون نحن مشتهين شروراً كما
اشتهى أولئك". وفيما يتعلق بعشاء الرب يسرنا أن نرى حتى بين أشياع كنيسة روما
شخصاً مستقيماً قديراً مثل الكاردينال كاجيتان يرفض التفسير الخاطئ لأقوال سيدنا
في (يو 6)، حيث يطبقها قوم على الأفخارستيا. أما معناها الحقيقي والمقصود منها فهو
أن المسيح نفسه كمن مات لأجلنا هو غرض إيمانا، كما أن الخبز الحي هو كناية عن شخصه
المحبوب في حالة التجسد قبل الموت. فتطبيق تلك الأقوال على عشاء الرب طأ مزدوج،
ذلك أنها تُعلِّم حينئذ أنه لا ينسى لأحد أن يحصل على الحياة بدون عشاء، وأن كل
الذين يتناولون منه يحصلون على الحياة. وكلا الاستنتاجين خطأ مبين. أما في تطبيقها
على المسيح في حياته وموته، فكلاهم حقيقتان غاليتان. وهكذا يثبت أن كلمة الله أقوى
من جميع حجج الناس، وأن المسيح هو الكل للمسيحي.

 

واضح
إذن أن الله بكلمته يؤكد لكل من يؤمن، وهو قد أعلن هذه المحبة ولازال يعلنها في
المسيح متجسداً والمسيح مائتاً في طريق الكفارة ثم المسيح ممجداً مؤكداً ومخلصاً
الكل في هذه الإقرار الشامل الخطير "كما هو، هكذا نحن في العالم". ذلك
لأن نعمته وحقه هما فقط بالنسبة لكوننا في هذا العالم، وبما أن المسيح جاء مملوءاً
نعمة وحقاً فإن قبول شخصه هو قبول ما نحتاج إليه من ملئه، الأمر الذي يناله فعلاً
كل مسيحي. هذا هو إذن السؤال أيها الصديق العزيز الخائف المرتاب. هل تؤمن به
باعتبارك خاطئ مسكين أثيم؟ هل تؤمن أن الله في محبته التي لا حد لها أعطانا يسوع
ابنه؟ دع عنك الأمل في وجود شيء صالح في نفسك يؤهلك للوقوف أمام الله، وأقبل على
أساس سلطان كلمة الله نعمته ذاك الذي عنده كل الصلاح ليس فقط لله بل ولك أيضاً.
وهو الذي أرسل ليكون كفارة عن الخطايا. وإذ تتقبل أخبار إنجيل الله المفرحة يكون
من حقك أن تقول عن وعي وإدراك في نور حضرة الله: إنني بالنعمة أؤمن أن لي حياة
وسلاماً وإنني ابن لله. وعندئذ تعرف أنك مختار. وكل طريقة أخرى تزعم أنك بواسطتها
قد تعرف ذلك إنما هي طريقة بشرية خطرة وغامضة، يخدعك بها الشيطان قاصداً هلاكك.
فإن المسيح هو الحق الذي ضوئه يتقرر كل اختبار حقيقي صالح. وإذ تؤمن وتعترف به يكون
من حقك بدون ذرة من الجدل أن تقول بملء الفم وكامل اليقين: إن الله قد اختارني على
هذا المنوال تطرد المحبة الخوف وتعطيك بالإيمان سلاماً مع الله عوض ذلك الخوف أو
العذاب الذي اختبرته روحك وضايق نفسك ردحاً من الزمن.

 

فمن
المحقق والأمر كما قدمنا أن "من خاف لم يتكمل في المحبة". وحينما تكون
غير متأكد من محبة الله فإنك لا تستطيع أن تحبه حقيقة. وحين تؤمن بحقيقة محبته إذ
بذل ابنه لأجل الفجار، لأجل أعدائه، فمعنى هذا إنه تنازل ليقابلك حيث أنت. تأمل
مرة أخرى في المرأة التي كانت يوماً مهجورة في المدينة (لو 7) واللص العاتي الذي
كان منبوذاً على الصليب (لو 23). لماذا قصد الله أن يدو خبرهما في الكتاب؟ أليس
لكي يشجعني ويشجعك؟ وإلا أفما كان الأجدى إلقاء ستار الصمت والنسيان على قصتيهما؟
ولكنهما كتبتا خصيصاً لمواجهة مخاوف الرجال والنساء المرتابين الذين يشق عليهم أن
يؤمنوا بمحبة الله كذينك الخاطئين المجرمين.

 

لكن
لا يثبطن عزمك باستنتاجك أنك لا تحب الله. هذا ليس هو السؤال الحقيقي. أما السؤال
الحقيقي فهو هذا: ألا يشير الله إلى المسيح وموته عن الخطايا كأفضل وأقوى برهان
على أنه أعطانا من محبته وأنه حقاً يحبك ويحبني؟ إذا كنت تخضع فكرك المرتاب
المتسائل لمثل هذا البرهان الهائل الذي يقدمه الله لإقناعك بمحبته لك فمن المحقق
أنك حينئذ تحب مهما كنت بطيئاً في التسليم بهذه الحقيقة. دعك من التفكير في حالتك
فإن الآخرين يلمسون فيك التغيير، فمن اللحظة التي فيها تستريح نفسك على ذبيحة
المسيح من أجل خطاياك يتفتح قلبك لله الذي يطهرك هكذا بدم المسيح من كل خطية
وتستطيع حينئذ أن تقول: لقد وجدته، وسرعان ما تتعلم بعد ذلك أنه هو في الحقيقة
الذي وجدك. فقط تعال كما أنت لكي يكون المجد كله له. وإذا كان هو قد أحبني بمثل
هذه المحبة القوية دون أن يكون في شيء واحد وفكر واحد يستحق محبته. وإذا كان قد
أحبني رغم أن كل كياني وكل حياتي كانت مليئة بالخطايا، فهل يكف عن أن يحبني وقد
أصبحت ابناً له بالإيمان بالمسيح وصرت بالروح القدس أصرخ يا أبا الآب؟ كلا بكل
يقين. فإنه حتى آباء أجسادنا لا يتخلون عنا ولا يطردوننا إذا أخطأنا أو ضللنا
وتصرفنا بغباوة على أن الآب السماوي يعاملني من تلك اللحظة فصاعداً المعاملة
اللائقة به كآب واللائقة به كابن ويحكم على مسلكي يوماً فيوماً ويؤدبني إذا اقتضى
الأمر.وأليست هذه ثمرة محبته ثابتة لي وأنا في طريق البرية.

 

هناك
أيضاً تعزية كبرى لي كابن لله أن أعرف أنه مهما تكن أعوازي وأحزاني وأثقالي
ومخاوفي فإنه يريدني أن آتي إليه بلا إبطاء وألقي كل همي عليه لأنه يعتني بي
ويحبني. فقط احذر من أن تسمح للشيطان بأن يلقي في قلبك بذرة سوء الظن أو عدم الثقة
في الآب المحب، فإنها أكذوبة من أكاذيب الشيطان يقصد بها الإساءة إلى نفوسنا ونحن
في حالة الضعف. فما عليك في هذه الحالة إلا أن تفكر في المسيح وفي أدلة مثبته لك،
وعندئذ تكسر نصال العدو. أما إذا كنت أخشاه وأرتعب منه فمعنى هذا أنني لم أتكمل
بعد في المحبة. والطريق الإلهي الصحيح هو عكس ذلك، فإنه على قدر شعوري بتغرير
العدو وخداعة لي على قدر ما تزداد حاجتي للإتيان إلى حضرته والتحدث إليه بكل ما
عندي وإخباره بكل مصاعبي في ملء الثقة بمحبته.

 

إذاً
فما سر الأمر كله؟ هو في الكلمات القليلة التي يذكرها الرسول في عدد 19"نحن
نحبه لأنه هو أحبنا أولاً". عدد قصير وكلمات قليلة ولكنها تحمل في طياتها
السبيل الإلهي لراحة المؤمن. نعم فإن المسيح هو على المحبة الإلهية في نفوسنا. فإن
هذه المحبة لم تنبع وما كان ممكناً أن تنبع منا مطلقاً بل هي من الله. إننا ي عدم
إيماننا نحسب أن الحال يقضي علينا بأن نبدأ نحن بالمحبة لكي نستدر محبته نحونا.
ولكن الأمر غير ذلك وما كان ممكناً في الواقع أن يكون غير ذلك. لقد كنا أمواتاً،
وقد كنا خطاة، وما كان ممكناً بحال من الأحوال أن تصدر المحبة عنا. بل إن تاريخنا
الروحي وكياننا بأجمعه بالنسبة للمحبة وبالنسبة لله يتلخص كل في هذا القول الحاسم
"نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً". هذا هو الحق الصريح ولو كان في
اعترافنا به إذلال لنفوسنا. ونحن نقر به بكل سرور لمجده تعالى وبركة نفوسنا للأبد.
لقد فتح الروح القدس قلوبنا بالكلمة لاقتبال الابن المرسل من الآب ليعطينا حياتاً
وخلاصاً بموته الكفاري وليجعلنا الآن روحاً واحداً مع الرب الممجد. ولنكون كما هو
في هذا العالم، ثابتين من الآن وإلى الأبد في محبته، ثابتين في الله والله فينا.

 

وفي
العدد العشرين يدحض الرسول آخر الاعترافات الزائفة، وهو هنا يتناوله كاعتراف شخصي
فردي كما فعل في الإصحاح الثاني "إن قال أحد أني أحب الله وأبغض أخاه فهو
كاذب لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يحب الله الذي لم يبصره". مثل هذه
اللغة ومثل هذا المسلك يكشفان عن زيف وخداع، ولا يتردد الرسول في أن يصف ذلك الشخص
بأنه كاذب، ذلك أن إحساسنا اتجاه الأخ هو محك صدق أو بطلان اعتراف اتجاه الله.
إنها حال ماثلة للعيان ومحسوسة. فهذا أخي، على مقربة مني، مزود في الحياة في
المسيح، ومطهر من خطاياه بدم المسيح. فهل ترى وأنا أحتضن في قلبي بغضاً له لأي زعم
من المزاعم يحق لي أن أتحدث عن محبة الله الغير المنظور؟ هذا كذب. ولا شك أن
الشيطان قد أغلق عيني. فلو أن هناك إيماناً حياً، لكان في وسع الحياة أن تجذبني
نحو أخي، ولكانت محبة الله تستدر المحبة مني. إن روح الله القدوس لا يمكث في
القديس عبثاً، فإذا كنت لا أحسب حساباً لوجوده في قلب أخي أفليس ذلك برهاناً
واضحاً وإقراراً مني بعدم قدرته على إيجاد الشركة المتبادلة بيني وبين أخي، تلك
الشركة التي يعطينا الروح القدس لذة الاستمتاع بها بواسطة الابن الذي هو مصدر جميع
البركات؟ ولئن كانت وصمة "الكذاب" وصمة شنيعة للغاية بين الناس، فكم هي
بالأحرى قاسية ورهيبة من فم رسول وبالعلاقة مع أمور الله الأبدية؟ وهكذا نرى الإله
الحكيم وحده يعد في اليوم الشرير الوسائل الكفيلة بحفظ أولاده من الكذب والخداع،
لأنه على قدر عظمة وجلال المحبة التي توحيها النعمة الإلهية على قدر ما يلزمنا من
الحرص حتى لا يفرض علينا ما هو باطل وكذب. صحيح أنه من خواص سياسة الله الأدبية مع
أولاده أنه يمتحنهم على الأرض بمختلف الطرق، ولكن المحبة التي من الله تثق بالله
وتثبت في المحبة سواء ثبت الآخرون أو لم يثبتوا، ولها قوة الروح الساكن فينا
للتدليل على ثبوت الله في نفوسنا ولكي نكون هادئين مطمئنين وفي حالة الخضوع التام
مهما تكن الظروف التي تعترض محبتنا.

 

وهنا
أيضاً نرى حرص الرسول في التشديد على الطاعة – كما رأينا في حالات أخرى – فيما
يتعلق بالمحبة الأخوية. إذ أي شيء أدعى إلى الاتضاع من الطاعة؟ وأي شيء يعدلها في
مواجهة الكبرياء وروح الادعاء، أو انفعال العاطفة والطياشة؟ وأي شيء يهب الشجاعة
والثبات للنفس الهيابة المستضعفة نظير الشعور بالطاعة لله، من هنا نرى أهمية تطبيق
الطاعة في أمر محبة الأخ الذي ربما لغلطة تافهة لا نعود نرى فيه شخصاً جذاباً.
"ولنا منه هذه الوصية أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً" إن إلهنا لا يدعنا
لأفكارنا وحكمنا الشخصي. إننا مقدسون للطاعة، وللطاعة على غرار محبة المسيح
البنوية، لا كما كان اليهودي تحت الناموس بينه وبين الله مسافة أو حجاب. أنه يفرض
على الشخص الذي يحبه أن يحب أخاه أيضاً، لأنه إذا كان الله حقاً يحب أولاده، أيليق
بي وبك ألا نحبهم؟ ألا يكفي هذا لتخجيلنا إزاء ممارسة إرادتنا ضد إرادة الله؟ إذن
فاستمع لكلمته أنه لهذا السبب يفرضها علينا وصية، حتى إذا أصررت على العناد
والمقاومة يكون لي في نفسي شوكة الشعور بأني معاند لله، سيما وأنه يعلن لي ذاته
كإله كل نعمة. فهل أستمر في العناد إزاء وصية صريحة واضحة كهذه، ولا أتبع الحق
والمحبة؟ أليس الأفضل أن أدين نفسي، وحالتي ومسلكي، حيث أن مثل هذا المسلك ليس إلا
إرادة ذاتية عاصية ضد إله وأبي ربنا؟ قد يكون للأخ تصرفات أو أقوال لا تعجبني ولا
ترضيني، ومع ذلك فقد أكون أنا المخطئ في تقديري، وقد يكون الخطأ في وليس فيه. إذا
كنت على أي حال أتجاوز وصية الله الصريحة فكيف يمكن أن أثق بنفسي في أي شيء آخر؟
أليس هذا عصياناً؟

 

إنه
لمن أروع مظاهر مجد المسيح الأدبي أنه طبق دائماً أبداً مبدأ الطاعة في كل مطلب
إزاء كل صعوبة. ففي مبدأ طريقه وقبل خدمته الجهارية سار على هذا المبدأ وخضع له،
وبواسطته هزم العدو في كل واحدة من تجاربه العظمى الثلاث. ففي الخضوع المطلق لأبيه
كان جوابه المتكرر على العدو "مكتوب" – "مكتوب". وإن كان
الشيطان قد تجاسر واقتبس فضلاً من الكتاب، وهو فصل يشير إلى شخصه الكريم، فهو له
المجد لا يناقش بل يجيب "مكتوب أيضاً". فهو لم يكن يرتاب البتة في عناية
الرب-الكائن أو تكليفه الملائكة بحراسة الإنسان الكامل، ولكنه لم يكن هنا ليتمم
مشيئة الشيطان ولذلك أبى أن يُجرب الله كما لو كان مرتاباً في كلمته، وفي نهاية
المطاف نرى طريق سيدنا معطرة بنفس عبق الطاعة الكاملة "لأني لم أتكلم من نفسي
لكن الآب الذي ا{سلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا أتكلم. وأنا أعلم أن وصيته
هي حياة أبدية، فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم" (يو 12: 49،
50).

 

وفي
تعليماته الأخيرة لخاصته نرى نفس الطاعة – والأكثر في أشد الساعات خطورة وحرجاً
ساعة اقتراب موته. "لا أتكلم أيضاًً معكم كثيراً لأن رئيس هذا العالم يأتي
وليس له فيّ شيء. ولكن ليعلم العالم أني أحب الآب وكما أوصاني الآب هكذا
أفعل" كان له المجد على وشك أن يضع حياته ليس فقط من محض محبته الاختيارية بل
في طريق الطاعة للآب (يو 14: 30، 31). والواقع أنه حتى قبل ذلك قال تبارك اسمه
"لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها مني بل أضعها
أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منى بل
أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصية
قبلتها من أبي" (يو 10: 17، 18) أي شيء يمكن أن يكوون أوضح من هذا الحق وهو
أن سيدنا المبارك كان يضع كل شيء في نطاق طاعته؟ ولواقع أن هذه هي أسمى حالة روحية
يمكن أينشئها الروح القدس في أي قديس. لذلك يجمل بنا أن نرهف السمع لكلماته
الخطيرة "من يحب نفسه يهلكها ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة
أبدية. إن كان أحد يخدمني فليتبعني. وحيث أكون أنا هناك أيضاً يكون خادمي. وإن كان
أحد يخدمني يكرمه الآب" (يو 12: 25 و 26) نعم يا سيدنا المبارك، لقد علمنا
أننا لكي نخدمك ينبغي أ نتبعك، ولكن ما أقصر خطواتنا بالنسبة لخطواتك! ويا لها من
نعمة عظمى وكرامة كبرى أن خادمك أيضاً يكون معك ويكون موضع تكريم الآب؟

 

وهنا
يتدخل سلطان الله في أمر المحبة كما في سائر نواحي الحياة المسيحية. ولما كانت
المحبة الأخوية معرضة بصفة خاصة للموانع إن لم يكن للمراوغة فإن الله يجعلها موضوع
وصية، رابطاً محبتنا لذاته بمحبتنا لإخوتنا. ومع ذلك فإن الأمر كله مرتبط بالبركة
على طول الخط مهما كانت الكيفية التي بها ترشدنا كلمة الله محبتنا. أي نعم، فإن
كلمته وحدها هي التي تستطيع أن تقود بيقين وأمانة مهما كانت الظروف التي قد تستدعي
تعديل الكيفية التي بها نمارس محبتنا. ولكن من هو الذي كفء بهذه الأمور؟ إن قوتنا
هي في الروح بحسب حياتنا الجديدة في المسيح وحدود طاعتنا لله متكلماً إلينا في
كلمته.

 

بعد
أن أوضح الرسول إيضاحاً كاملاً عمل المحبة الإلهية في قضيتنا كقضاة، وفينا الآن
كقديسين، وذلك على طول الطريق إلى يوم المجد، ينهي المناقشة بهذه الكلمات
"نحن نحب (أو نحب) لأنه هو أحبنا أولاً". لاشك في أننا نحبه، ولكن إذا
كان الضمير محذوفاً كما يعتقد الشارح، فمعنى هذا الكلام عن محبتنا هو في إطلاقها
أي أنها ليست فقط محبة لله بل لجميع خاصته الذين يحيطون بنا، علماً بأنه لم تكن في
قلوبنا محبة حقيقية إلا بعد أن عرفنا محبته هو. وتقرير هذه الحقيقة هو من الأهمية
بمكان صوناً للنفوس من إساءة استخدام المحبة استخداماً عاطفياً. فهناك جماعة من
الأشخاص الأتقياء (يسميهم الآخرون بالمتصوفين) يوجد دون بصفة خاصة في فرنسا
وألمانيا وهولندا ولهم أتباع في إنكلترا أنه لا يوجد محبة حقيقية لله إلا
بالاستقلال الكلي عن الذات، وهذا قول جميل في مظهره ولكنه بعيد عن الحقيقة في
مخبره. فلم يكن الأمر هكذا في أي نفس منذ بدء الخليقة، وإن كان هذا لا يمنع بطبيعة
الحال من أننا في اختبارنا الروحي قد نسمو إلى مستو محبة الله بالاستقلال عن
الذات، تاركين الذات وراءنا وناسين أنفسنا في غمرة الشعور في محبته الكاملة
وتلذذنا بصفاته وطرقه. ولكننا نعود فإن لم نعرف المحبة إلا لأنه هو أحبنا أولاً.

 

أي
نعم. أننا نبدأ دائماً – لمدح نعمته بهذه الحقيقة الواقعية الفعلية وهي أن الله
أحبنا ونحن أموات ومذنبون فإنه من مجرد نعمته خلصنا (تي 3: 4 – 7). فمن الجهل
الفاضح، ومن عدم الإيمان والادعاء الباطل، أننا أن ندعي وجود المحبة فينا لولا
أننا وجدنا في المسيح وعمله محبة الله من نحونا يوم كنا في خرابنا وخطايانا، أما
أن يحاول أحدنا فيتملص من هذه الحقيقة على ما فيها من عمق ويجاهد في السمو بنفسه
إلى نوع من المحبة لله يسميها محبة غير أنانية، فهي محاولة لا قيمة لها، بل إساءة
ضد الحق بالنسبة لله وابنه المجيد كما بالنسبة لأنفسنا، إنها حركة من حركات
"الذات" التي يق4ول القوم أنهم ينكرونها وقد فاتهم أن هذا العمل يقودهم
إلى الإعجاب بذواتهم والهيام بحالتهم. وهي بعد ذلك تقصر دون الوصول بالنفس إلى
الشركة التي يصفها الرسول والمؤسسة على حياة المسيح فينا وكمال فاعلية موته
الكفاري لأجلنا وما ترتب على ذلك من ثبوت الله فينا بواسطة روحه المعطى لنا. وهذا
كله قسمة مشتركة ونصيب عام لجميع المسيحيين ولو أن قليلين هم الذين يدركونه كما
ينبغي. وأنه لمن المحزن حقاً أن ينحدر بعض أولاد الله إلى حد الظن بأن المحبة التي
يمكنهم أن يشعروا بها من نحو الله هي الشيء الأعظم والمهم، وأن يجدوا فيها لذتهم
وسرورهم كما لو كانت هي أسمى وأحسن حالة يمكن أن يصل إليها القديسون على الأرض.
كلا، إن محبة الله في المسيح هي مصدر وملء الكل وبازائها تصغر محبتنا ولا تحسب
شيئاً.

 

وما
أبسط كلمته هنا، وما أحلاها وأقواها؟ "نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً".
إذا كنا أولاده فنحن بكل يقين نحب، وأنه لتغيير هائل في أولئك الذين كانوا مرة
مملوئين بالذات في مختلف صورها أن يؤتى بهم إلى دائرة المحبة بحيث يحبون بمحبة هي
من الله. لكننا فعلاً نحب المسيح ونحب الله الذي أعطانا إياه ونحب أولاد الله
الذين قبلوه كما قبلناه، وهذا كله يعبر عنه بالكلمتين "نحن نحب". ولكن
شيئاً من هذه المحبة في أطرافها المتعددة ما كان ليوجد فينا أو يعرف السبيل إلى
قلوبنا ما لم نبدأ في تراب الموت والشعور بعدم استحقاقنا "لأنه أحبنا
أولاً". إذاً فما كان أو حجنا لهذه الأقوال لتصحيح أفكارنا المغلوطة وتجريدنا
من المشغولية بالذات والإعجاب بأنفسنا وغباوة التصور بأننا قد تخلصنا من الخطية
بقفزة خاصة من قفزات الإيمان التي تزعم أنها توصلنا إلى حالة من الكمال الأدبي.
والزعم بأننا كاملون بهذا المعنى هو في الواقع أقوى وأوضح دليل على عدم كمالنا.
وهو الدليل على جهلنا المطبق بالكتاب – الأمر الذي ينطبق على جميع طوائف
المتصوفين.

 

ومن
الجهة الأخرى ليس هناك من ينكر أن المشغولية بالمسيح في الكلمة وبروح الله من
شأنها أن تجعله تبارك أسمه كل شيء ونفوسنا لا شيء. وإن هذه المشغولية بشخصه
المبارك قد تذهب، بل يجب أن تذهب، إلا حد نسيان أنفسنا تماماً ونحن نستمتع بفيض
الملذة التي نجدها فيه وفي الله، إن بعض المسيحيين، الحكماء العاقلين، لا يريدون
ذلك ويقولون أنه ليس في استطاعتنا أن نكون دائماً في الروح في حالة السمو
والارتفاع بل يجب أن ننزل إلى الوادي الخفيض لكي نحفظ من الانتفاخ. ولكن هل هم
فعلاً حكماء وعاقلون روحيا؟ الحق أنه ما من قديس يمكن أن ينتفخ حالة شعوره أنه في
حضرة الله. أما إذا ترك تلك الحضرة فهناك الخطر، وهو تعرضه للانتفاخ والافتخار إذ
يظن في نفسه أنه كان وهو في حضرة الله أسمى من الآخرين. أيها الإخوة الأحباء، إذ ا
كنا نصدق أقوال الرسول، فلنعلم أنه من حقنا أن نعرف بواسطة محبة الله التي انسكبت
في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا (وليس بواسطة مشاعرنا التي يعتريها التغيير
والتبديل والتي من شأنها أن نجعل الفضل لنا نحن المخلوقات الغبية) إننا ثابتون فيه
وهو فينا. والنتيجة المباركة هي أننا في كل بساطة كما يقول الرسول بولس
"نفتخر بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة".

 

ولاحظ
أيضاً كيف أن رسولنا كعادته، بعد أن عرض أمامنا شيئاً من أرفع وأسمى امتيازاتنا
ويضيف كلمة عملية نحن أحوج ما نكون إليها، وإنها لكلمة نافعة لنفوسنا، دونها الله
الذي يعلم جيداً ما هو لمجده فينا.

 

يقول
الرسول "إن قال أحداً أني أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب". إن الشيء الذي
كان كريما وغالياً في عيني الرسول هو عمل الحق، لا التكلم عنه بل إظهار الحقيقة
المقدسة عملياً. فإن أبغض أحداً أخاه فهو كاذب. إننا نعلم أنه لم يكن هناك من هو
أكثر صراحة من الرسول يوحنا في الكلام بدون محاباة عند الاقتضاء، ولكن ليس من ينكر
كذلك أنه حتى بين الرسل لم يكن هناك من هو أكثر منه بروزاً في محبته. وأليس من واجبنا
أن نتصرف هكذا متى كان الأمر متعلقاً بالله؟ ولكم ما أعظم الفارق بين هذه المحبة
المقدسة وما يسمونه محبة في هذه الأيام الأخيرة المنحطة، المحبة التي لا هم لها
إلا مجاراة العالم وملاطفته وترك كل واحد وإرادته وعدم إزعاج الضمائر بتأثير كلمة
الله وحقه. وما أبعد هذا كله عن أفكار وقلب الرسول الذي ما كان ليرضى أن يرى بين
المسيحيين أقل مداهنة أو استخفاف بالأمور الشريرة.

 

والآن
ما هو الموقف؟ إن ما قد يصدر عن معترف كاذب بصورة كاملة قد يصدر عن معترف حقيقي
بصورة جزئية إن لم يكن سالكاً بالحذر واليقظة، مع هذا الفارق وهو أن الخطية
العمدية تحمل غير المؤمن بعيداً كفريسة للشيطان في حين أن المؤمن إن أخطأ (ولا
نقول إن استمر يخطئ) فإنه يحزن روح الله وفي هذه الحالة قد يتصرف بما لا يليق
بالمسيح مع أخيه، أو في أي شيء آخر. وقد رأينا كيف تتدخل النعمة وترد نفسه، ولو
متأخراً أحياناً، وقد تصدر عنه أِشياء لا تتفق ومركزه كمسيحي إلى أن ترد نفسه، وهي
حالة مع ذلك خطيرة للغاية، وتشبه حسب لغة سفر اللاويين، حالة الإسرائيلي الذي في
جسده ناتئ ولكنه ليس برصاً، وذلك لأنه وهو مؤمن يبغض أخاه. وهذا هو التناقض بعينه،
إنه قديس، خالي من برص الخطية، ولكنه ليس خالياً من الناتئ. مع أن الله يستطيع في
صلاحه أن يستخدم لخير المؤمن الشر الذي يصدر عن الشرير كما يقول المرنم "نأمة
معصية الشرير (تقول) في داخل قلبي (لا قلب الشرير) أن ليس خوف الله قدام
عينيه". أي أن النعمة تستخدم حالة التناقض كإنذار للمؤمن. لأن كل الأشياء
تعمل معاً للخير للذين يحبون الله فلنحذر إذاً من الكلام دون العمل "لأن من
لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره؟" هذا منطق ولكن
المنطق المجرد لن ينشيء محبة ولا هو يعدو أن يكون مجرد استنباط ذهني، ولكن الطبيعة
الجديدة تستطيع بتأثير المسيح فيها أن تأتي بالنتيجة التي يطلبها الله ويرضاها.

 

إنه
من العبث أن يتكلم الإنسان عن أشياء لا تمس القلب أو تؤثر فيه، ولكن الله قد رتب
الأمور بحيث تكون حولنا مجموعة من الامتحانات العملية. فكيف نتصرف يا ترى مع الذين
هم إخوتنا؟ إن معرفة الرسول بالحق المعطاة له من الله تستبعد ككل مراوغة. لذلك
نراه يضرب مثلاً ويقدم إيضاحاً يكاد يصل إلى حد الطفولة في بساطته، ولكنه مثل مقدس
وحكيم، أما كبرياء الإنسان فلا تعتد بهذا. ذلك لأن الناس يعتبرون أنفسهم كاملين
فيطالبون الذات بالحرية لكي تظهر من الاشمئزاز والبغضة ما تراه مناسباً. ولكن هل
هذا الحق؟ قد تعترض القديس ظروف امتحان قاسية حيث يرى أخاً له يتصرف تصرفاً
خاطئاً، أفلا يحب أخاه في هذه الحالة؟ بكل تأكيد عيه أن يحبه. صحيح أن محبته لأخيه
قد تتخذ صورة مختلفة، ولكن المحبة يجب أن تدرب دائماً كما في نور حضرة الله. ومهما
يكن مسلك المحبة في هذه الحالة، فليس أدل على فقدان المحبة وانعدامها من أن أتحول
عن أخي المخطئ، هزءاً به مزدرياً إياه، رافضاً أن أحمل ثقله أو مظهراً عدم اكتراث
من نحوه. أنه من دلائل المحبة أن تقاسمه حزنه حتى ولو ظهر أنه لم يذلل نفسه كما
ينبغي. فإن التوبيخ، مجرد التوبيخ، قد يهيجه، ومن هنا يتحتم على المحبة أن تتجه
اتجاهاً آخر غي التوبيخ ونحن أحوج ما تكون إلى الله لكي رشدنا كيف نسلك بالمحبة.

 

إن
لمحبة الصادقة تعرف كيف تش طريقها في وسط الصعوبات مسترشدة بالله في الروح القدس
ليعينها في هذا الأمر. إن المحبة لا تطلب ما لنفسها ولذلك هي لا تتصرف تصرفاً غير
لائق، إنها تعرف كيف تحتمل كل شيء وترجو كل شيء وتصدق كل شيء، وهل هناك ما هو أثبت
وأبقى من المحبة إنها تصبر على كل شيء ولذلك فإن سقطت كل الأشياء فإن المحبة لا
تسقط أبداً، ولهذا نحن مدعوون في المسيح أن نحب بعضنا بعضاً، ولنا الفرص الكثيرة
لممارسة المحبة، فهناك أخوتنا الذين رأيناهم في الماضي وحولنا إخوتنا الذين نراهم
كل يوم. فإذا اتخذت لنفسي موقفاً لا أراهم فيه ولا أهتم بأمرهم، وإذا شغلت نفسي
بأمور أخرى ترضيني، فهذه ليست المحبة، وإذا استسلمت لهذه الحالة وأصبحت عندي عادة،
فأنا حينئذ في حالة خطرة بكل تأكيد، حالة تقتضي الحكم عليها والصراخ إلى الله
لينقذني منها. فلنحرص يا أخي أن نثبت المحبة الأخوية.

 

هناك
شيء آخر هام متصل بالمحبة، فإن الرسول قد قصد أن يناقش الموضوع مناقشة تامة في نور
العلاقة التي لنا من الآب والابن، وهو هنا يطبقها في أمور حياتنا اليومية كامتحان
لحقيقة المحبة، ولكن هناك شيء آخر يؤكدها ويعمقها في عواطفنا، حيث يقول "ولنا
هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً".

 

إن
بعض المسيحيين ينظرون إلى كلمة وصايا كأنها تشير دائماً وبالضرورة إلى شيء ناموسي،
فيربطون هذه الكلمة بالناموس الذي هو خدمة موت ودينونة. غير أن الذين يعرفون جيداً
إنجيل يوحنا ورسالته التي أمامنا ينظرون إلى الوصايا نظرة أسمى فإن الكتاب المقدس
يتضمن كثيراً من الوصايا التي ليست لها صفة ناموسية، سواء في العهد الجديد أو
القديم. والفارق بين هذين النوعين من الوصايا واضح للغاية، فوصايا الناموس موجهة
إلى الإنسان في الجسد لتثبيت عليه انحرافه وعصيانه وتقيم الدليل على استحالة
الوقوف أمام إلهه على أساس الناموس لحظة واحدة، ولكن حين ظهرت نعمة الله المخلصة،
بذل المسيح نفسه لأجلنا لكي يفيدنا من كل إثم ويطهر لنفسه شعباً خاصاً غيوراً في
أعمال حسنة. ومن هنا كانت حاجتنا إلى هذه الوصايا كنوع من لإشارات الإلهية
لإرشادنا وسط مشاكل الحياة وصعابها المختلفة فإن كان هذا العالم مشاق وآلام فإن
الله يوصي بالمحبة واضعاً إياها على أعناق أولاده.

 

هب أن
زوجاً ألقى كلمة مشددة على زوجته – لك أن تسميها وصية أو لا تسميها – فهل تظن أن
الزوجة ترى غضاضة أو مضايقة في طاعتها؟ إذا كانت تحبه فسرورها أن تنفذ وصيتها. أما
غير الزوجة فقد تنفر ن تلك الوصية التي ليس من حق أن يفرضها عليها. ولكن الفارق
شاسع بين الحالتين. والتفسير في العلاقة القائمة بين الرجل وكل من المرأتين. ونحن
المسيحيين قد أصبحنا في أوثق علاقة مع الله الذي يضع على قلوبنا وصيته أن يحب كل
منا أخاه.

 

ولمفروض
أن للزوج دراية لبعض الأمور التي لا تتوفر لزوجته، أو في القليل هو زوجها
ومسؤوليته إرشادها، فإن هو تخلى عن هذه المسؤولية فذلك خطأ منه وإنما عليه أن
يسترشد بالله في كل ما يقول وإذ ذاك، كما يود هو أن يرى رغباته منفذة، كذلك زوجته
ترى في تنفيذ هذه الرغبات ليس فقط واجبها بل سرورها فإن كان هذا واضحاً بين الناس
فهو أوضح وأوجب بالنسبة لأولاد الله. لقد أحبني الله حباُ كاملاً وجعلني ابناً له،
ولم يضن عليّ بأكرم ما عنده، ابنه الحبيب الكريم، يوم لم يكن في ما يستحق المحبة.
وهو الآن يحبني لا كإنسان أثيم بل كابن له فهل أعد الوصية يا ترى شيئاً آخر غير
أنها تستحق مني كل قبول بفرح وثقة! إن كل طرقه صالحة وحكيمة، الأمر الذي لا يتوفر
في حالة الزوج أو الآب الأرضي ولكن ما كان علينا أن نكرم آبائنا وأن نطيعهم إلا
إذا كانت أوامرهم تتعارض مع كلمة الله الصريحة، فكم بالحري ينبغي أن نظهر أنفسنا
خداماً متأهبين لتنفيذ مشيئة الله وننفذها بكل محبة باعتبارنا أولاده.

 

هذا
وليس هناك أي استثناء على الإطلاق في مبدأ الطاعة لله المؤسس على علاقة النفس به،
بل أن جميعنا مدعوون لأن نطيع طاعة مطلقة كاملة. إن لوثر التي كانت تنقصه أشياء
كثيرة بسبب تربيته في كنيسة روما، لم يكن يحب رسالة يعقوب وذلك بالطبع لأنه لم يكن
يفهمها على حقيقتها ولو أنه كان يفهمها لحصل لنفسه على خير كثير. صحيح أنه كان من
نصيب يعقوب أن يكتب عن التبرير قدام الناس – ليس عن الإيمان الذي لا يراه غير الله
بل عن أعمال الإيمان التي يراها الناس، ولسان حال كل منهم "ارني" ومع
ذلك فقط أشار بأسلوب بديع إلى "ناموس الحرية" الذي يقود وينظم ويضبط
سلوك أولاد الله. وواضح أن "ناموس الحرية" هذا يختلف كل الاختلاف عن
ناموس موسى الذي هو ناموس العبودية. فالناموس الذي يضعه الله على أولاده هو ناموس
الحرية. وكيف ذلك؟ الجواب لأن الطبيعة الجديدة تشتاق فوق كل شيء لأن تفعل مشيئة
الله، وحينما تعرف ما هي تلك المشيئة فإن القلب يسرع لإتمامها. لاشك أن الأمر
يحتاج إلى الصلاة والسهر ضد الجسد، وقد تكون في طريقنا عوائق كثيرة يضعها الشيطان،
ولكن ما دمنا نعرف ما يكلفنا به أبونا فإن كل إحجام عن السير في طريق طاعته نحكم
عليه كشر، ونتلذذ بمشيئته كناموس الحرية. هذا موضوع لذة الطبيعة الجديدة، ويعقوب
يتكلم عن الطبيعة الجديدة لا عن الفداء الذي أفاض فيه بولس وإنك لتذكر أنه لورد في
نفس الإصحاح الذي اقتبست منه رسالة يعقوب ذلك القول الأخير الجيل "شاء (أي
الله) فولدنا بكلمة الحق لكي نكون باكورة من خلائقه" وهو في جوهره ما يسمه
يوحنا "حياة" وما يسميه بطرس "طبيعة إلهية". لقد أعطى للرسول
بولس أكثر من غيره أن يتوسع في شرح فداء المسيح وذلك الباعث القوي الذي توجده في
القلب معرفتنا بمحبة المسيحي التي حصرنا. أما يعقوب فيحدثنا عن الطبيعة الجديدة
التي تساير مشيئة أبيه، وهكذا نحصل من جميعهم على حزمة من النور باهرة ومشرقة.

 

وهكذا
نرى أن المحبة لإخوتنا ليس فقط غريزة من غرائز الطبيعة الجديدة بل هي التزام علينا
في طريق الطاعة لإلهنا.. وهل هناك ما هو أقدس في نظرنا من الطاعة؟ وهل هناك ما
يعدلها في إذلال نفوسنا وتعويدها على الاتضاع؟ وهل هناك ما هو أليق منها بالمسيحي،
وهل هناك ما تفوح منه رائحة المسيحي أكثر من الطاعة؟ إنها الطريق التي يسلكها
المسيح في ملء كمالها، وذلك إلى حد بذل حياته الكاملة لنا "هذه الوصية قبلتها
من أبي". فهل كونها وصية من أبيه جعلها عبئاً ثقيلاً على نفسه؟ كلا فمهما
كانت التكاليف فقد وجد المسيح لذته في أن يبذل نفسه طاعة لوصية أبيه. فمحبته الكاملة
ووصية أبيه التقت كلتاهما في بذل حياته عنا وها هي نفس الوصية توجه إلينا فيما
يتعلق بمحبتنا لأولاد الله "ولنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه
أيضاً" فلسنا فقط نحب بقلوبنا بل نعرف ونحن نحب أننا عاملون رضاء الله
وصانعون مشيئته. ومكتوب "الذي يصنع مشيئة الله يثبت إلى الأبد" كما قال
رسولنا في مكان سابق. فليتنا لا ننسى أن إلهنا يربط محبتنا له بمحبتنا لأولاده، لن
يرض بالأولى دون الثانية، فإذا كانت لنا محبته وكرامته فلتكن لنا أيضاً محبتنا من
جميع إخوتنا لأنه يحب كل واحد منا بمفرده كما يحبنا جميعاً بذات المحبة الواحدة
الكاملة.

مشاركة عبر التواصل الاجتماعي