الفصل
الرابع
سفر دانيال بين النقد والإعجاز (دانيال
فى جُب النقاد)

 

"حينئذ
أمر الملك فأحضروا دانيال وطرحوه فى جُب الأسود.

أجاب
الملك وقال لدانيال إن إلهك الذى تعبده دائماً هو ينجيك


فتكلم دانيال مع الملك… إلهى أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود فلم تضرنى لأنى وجدتُ
بريئاً قدامه وقدامك أيضاً فلم أفعل ذنباً" (دا 16:6،21،22).

يهاجم
النقاد والعلماء الليبراليون سفر دانيال بقسوة وعنف،بسبب تفكيرهم العقلانى الذى لا
يؤمن بالأرواح ولا بالمعجزات، وذلك ليحطموا الإيمان بعالم الأرواح والنبوة فى
الكتاب المقدس عموماً، إذ يهدفون إلى تحويل الكتاب المقدس إلى مجرد كتاب بشرى
أخلاقى؛ إلى مجرد أدب عبرى وأدب يونانى خاص بالأخلاق فقط، فلا حاجة بهم للنبوات
التى تسخر من أفكارهم.

وكانت
بداية هجومهم هى محاولة تحطيم سفر دانيال للأسباب الآتية :

 امتلأ
سفر دانيال بالنبوات التفصيلية للأحداث التاريخية، خاصة فيما بين العودة من سبى
بابل سنة 538 ق.م. ودمار أورشليم على يد تيطس الرومانى سنة 70 م. والتى تمت فى
معظمها بتفصيل دقيق مذهل، مما جعلهم، وهم الذين لا يؤمنون بعالم الأرواح، فيما
وراء الطبيعة، لا يصدقون أن كاتب السفر كتبه قبل إتمام هذه الأحداث التاريخية.

 وجود
معجزات خارقة؛ نجاة الفتية الثلاثة من آتون النار، ونجاة دانيال فى جب الأسود،
وظهور كائنات ملائكية روحية سواء مع الفتية فى الآتون، أو فى رؤى دانيال النبى.
وهم لا يؤمنون بهذا العالم الروحى.

 نتيجة
لقلة المعلومات التاريخية واللغوية فى القرن السابع عشر وما قبله، كان هناك صعوبات
شديدة أمام العلماء التقليديين للوقوف أمام النقاد، كما أدت قلة المعلومات هذه إلى
انتصار مؤقت للنقاد العقلانيين، حتى جاءت الاكتشافات الحديثة، خاصة الأثرية والتى
كشفت عن حقائق لغوية وتاريخية ودينية، وبرهنت على صحة كل كلمة فى الكتاب المقدس،
وفى سفر دانيال بصفة خاصة، وحطمت طل ادعاءات النقاد، وبرهنت على مصداقية سفر
دانيال، وأكدت على صحة وحقيقة كتابته، بالروح القدس، بواسطة دانيال النبى، وصحة
إيمان الكنيسة.

يؤكد
سفر دانيال على حقيقة أن الله، كلى الوجود وكلى القدرة وكلى العلم، هو المدبر لكل
شئ فى الكون، مدبره وحركه وحامله ومديره(1). وهذا ما لا يؤمن به النقاد العلمانيون
والماديون، وكان هذا سر هجومهم على سفر دانيال، ولكن وللأسف الشديد أتفق معهم فى
هذا الهجوم ما يسمون أنفسهم بالمفسرين الليبراليون وعلماء اللاهوت الليبراليين،
وأيضا بعض الذين تختلف عقائدهم مع العقائد المسيحية، ويتهمون الكتاب المقدس
بالتحريف بسبب هذا الاختلاف فى العقائد. هؤلاء يتلقفون أفكار النقاد ونظرياتهم
وكأنها حقائق مسلم بها دون أن يتفحصوها أو يتبينوا حقيقتها، برغم أنهم يختلفون
جوهرياً مع مبادئ هؤلاء النقاد ولا يقبلون تطبيق نظرياتهم على كتبهم الدينية، إنما
يقبلونها كما هى دون دراسة لمجرد أنها، فقط، تهاجم الكتاب المقدس !!

1- النبوءة فى الكتاب المقدس :

النبوءة
هى الإعلان عن حدث سيحدث فى المستقبل سواء القريب أو البعيد، فقد يحدث الحدث الذى
تنبأ عنه النبى فى نفس اليوم كما حدث مع بيلشاصر ابن نبونيدس آخر ملوك
الإمبراطورية البابلية(2)، وبعد فترة كما حدث مع نبوخذ نصر بعد
أن فسر له دانيال حلم الشجرة "عند نهاية أثنى عشر شهراً(3)
أو بعد عدة سنوات مثل نبوءة أرميا عن سبى بابل ومدته(4)، أو
بعد قرون مثل النبوات الكثيرة التى تنبأ بها أنبياء العهد القديم عن السيد المسيح؛
فقد تنبأ عنه إبراهيم قبل مجيئه بحوالى 2000 سنة(5)، وموسى النبى بحوالى
1500 سنة(6)، وداود قبله بحوالى 1000 سنة(7)،
وأشعياء قبله بحوالى 700 سنة(8)، وملاخى قبله بحوالى 400 سنة(9)،
وهذا راجع لأن الله الذى أعطى الأنبياء هذه الإعلانات، هو كلى العلم، والذى يدبر
كل شئ بناء على علمه السابق.

النبوءة
هى برهان على أن الكتاب المقدس هو كلام الله، كما بقول القديس بطرس الرسول
"لأنه لم تأت نبوءة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من
الروح القدس(10)"، كما أنها البرهان على صدق النبى
وصحة دعواه أنه مرسل من قبل الله، يقول موسى النبى بالروح. إن النبى الصادق هو
الذى يتكلم بكلام الله، أما الذى يدعى أنه يتكلم بكلام الله وليس له برهان النبوة
فهو كاذب "فما تكلم به النبى (الكاذب) بأسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام
الذى لم يتكلم به الرب(11)". ويبين لنا الوحى فى سفر الملوك
الثانى (ص22) الفرق بين النبى الصادق والنبى الكاذب فى شخصيتى ميخا النبى وصدقيا
بن كنعنه؛ قال ميخا النبى "حى هو الرب أن ما يقوله لى الرب به أتكلم" ثم
تنبأ بهزيمة إسرائيل وموت اخاب الملك، أما صدقيا بن كنعنه فقال بانتصار إسرائيل
وأدعى أنه تنبأ بهذا الانتصار، ولكن المعركة حسمت الموقف فهزمت إسرائيل ومات
الملك، وتبين الفرق بين النبى الصادق الذى تكلم بكلام الله، ميخا النبى، والنبى
الكاذب الذى تكلم بما لم يقله ولم يعلنه له الله.

وعلى
هذا الأساس تبرهن النبوءات صحة ومصداقية الكتاب المقدس عموماً، وتبرهن فى دارستنا
هذه على صحة سفر دانيال وكذب ادعاءات النقاد. ولهذا يرفض النقاد الذين لا يؤمنون
بعالم الأرواح السفر.

ولأن
المعجزة لا يشاهدها إلا من يعاصرها، وتقدم البرهان على صحة دعوى الأنبياء فى
عصورهم ولمعاصريهم بالدرجة الأولى، لذا تبقى النبوءة هى الدليل الأبقى والأقوى،
الدليل الحى الباقى على أن السفر هو كلمة الله.

يقول
السيد المسيح لتلاميذه "قلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون(12)
فبرغم أنه صنع أمامهم معجزات لا حصر لها إلا أنه أعطاهم الدليل الأقوى لكى يثبتوا
فى الإيمان، وهذا الدليل هو النبوات، الإعلان السابق عن الأحداث التى ستحدث فى
المستقبل كما أعلمهم وأعلن لهم وقال بالتفصيل؛ فقد أعلن لهم مقدماً عما سيحدث له
من آلام وصلب وموت وقيامة فى اليوم الثالث، وأعلن لهم عن حلول الروح القدس وأن لا
يبرحوا من أورشليم إلى أن يحل عليهم الروح القدس، كما أعلن لهم عما سيلاقونه فى
العالم من اضطهاد وضيق
الخ، أعلن عن أحداث التاريخ قبل أن تحدث لأنه
محرك التاريخ والعالم بكل شئ والذى كل شئ مكشوف قدامه وعريان مبرهناً أنه رب الكون
وخالقه. وهكذا تبرهن نبوءات دانيال النبى والتى تمت على مدى الأجيال على صحة ومصداقية
وحقيقة نبوءته وسفره، وأنه هو نبى الله الذى تكلم بكلام الله، وكان سفره هو كلام
الله. وهذا فى حد ذاته سبب قوى جعل النقاد الماديون الذين يرفضون العالم الروحى
يرفضون السفر ويحاولون تحطيمه ولكن السفر يقول لهم كما قال السيد المسيح لشاول
"صعب عليك أن ترفس مناخس(13)".

2- بروفيرى فيلسوف الأفلاطونية الحديثة وبداية
الهجوم على سفر دانيال :

لم
يشك أحد من علماء اليهود أو المسيحية مطلقاً فى صحة سفر دانيال وفى حقيقة وجود شخص
دانيال، فقد كان سفره ضمن الأسفار القانونية التى أقر صحتها وقانونيتها، كأسفار
موحى بها من الله، رجال المجمع العظيم بقيادة عزرا ونحميا وملاخى النبى فى أواخر
القرن الخامس ق.م. كما كان شخص دانيال مكرم كأحد عظماء الأنبياء وأبطال الإيمان من
السيد المسيح نفسه والذى لقبه ب "دانيال النبى(14)
وبولس الرسول الذى كان سفر دانيال أحد مراجعه عن "إنسان الخطية(15)"، وذكره فى الرسالة إلى العبرانيين
كأحد أبطال الإيمان، رجال الله العظماء، والقديس يوحنا الرائى الذى كان سفر دانيال
شريكاً لسفره "الرؤيا" فى النبوءة والأسلوب والشكل الأدبى الروحى. ويقول
عنه المؤرخ اليهودى والكاهن يوسيفوس المعاصر لتلاميذ المسيح "كتب دانيال أيضا
بخصوص الرومان وأنهم سيدمرون دولتنا. هذه الأمور كلها تركها هذا الرجل (دانيال)
مكتوبة كما كشفها له الله(17)". ولم يوجد أحد من علماء
المسيحية أو اليهودية فى القرون الأولى ناقش حقيقة دانيال النبى وحقيقة سفره،
فبالنسبة للمسيحية كانت شهادة السيد المسيح وستظل هى البرهان الذى لا يقهر والدليل
الذى لا يناقش لحقيقة دانيال النبى وسفره.

وفى
النصف الثانى من القرن الثالث الميلادى ظهر شخص وثنى يدعى بروفيرى (233-304م)
ينتمى للفلسفة الأفلاطونية الجديدة وهاجم المسيحية والكتاب المقدس ككل ومن ضمنه
سفر دانيال. ولد بروفيرى هذا سنة 233 م فى صور بسوريا وتتلمذ على يد العلامة
أوريجانوس بقيصرية بفلسطين، ثم ترك أوريجانوس وذهب إلى روما وهناك تتلمذ على يد
فيلسوف الأفلاطونية الجديدة الشهير بلوتينيوس
Plotinus وتعلم أفكاره وأهتم بالبحث التاريخى والفلسفى
وفى دفاعه عن تعدد الآلهة
Polytheism والأديان المحلية وعبادة الآلهة الشهيرة وجد هو وأتباعه من
الأفلاطونيين الجدد أن عدوهم الأعظم هو المسيحية والمسيحيين، ومن ثم حاول، كما خيل
له خياله وتصور أنه قادر على استئصال المسيحية من جذورها. وفى محاولته هذه كتب 15
مجلد بعنوان "ضد المسيحيين" ركز فيها هجومه على أسفار الكتاب المقدس ككل
ومن ضمنها سفر دانيال النبى. وقد زعم أن سفر دانيال لم يكن أبداً نبوءة ولم يكتب
فى السبى فى القرن السادس ق.م.، وإنما هو كتاب مزيف كتبه يهودى غير معروف عاش فى
العصر المكابى وكتب السفر سنة 165 ق.م. تقريباً. وأن كل ما كتب فيه على أنه نبوات
حدثت بالفعل فى التاريخ قبل أن يكتب فى السفر بحوالى 400 سنة(18).

وكانت
كتبه هذه إهانة شديدة للمسيحية والمسيحيين فهب أباء الكنيسة وفندوا أراءه وردوا
على أفكاره ولم يعد لها اثر بعد ذلك. ثم أمر الملك ثيئودوسيوس الثانى
Theodossius
The Second
بتدميرها سنة
448م(19)، ولم يعد لها أثر ولم يبقى منها سوى
ما نقله القديس جيروم فى تفسيره لسفر دانيال.

وقد
لخص القديس جيروم (347-420م) فى مقدمته لتفسير سفر دانيال أراء بروفيرى فى سفر
دانيال كالآتى :

"كتب
بروفيرى كتابه الثانى عشر ضد نبوءة دانيال، (أ) وأنكر أنه كتب بواسطة الشخص الذى
نسب إليه السفر فى عنوانه، أنه كتب بالأحرى بواسطة أحد ما كان يعيش فى اليهودية فى
زمن انتيوخيس الذى لقبه إبيفانس. وفضلاً عن ذلك فقد زعم (بروفيرى) أن دانيال لم
يتنبأ بالمستقبل بل رجع للماضى، وأخيراً فإن ما عبر به إلى زمن انتيوخس احتوى على
تاريخ حقيقى، فى حين أن ما قد يكون قد خمنه وراء تلك النقطة كان مزيف لأنه لا يقدر
أن يتنبأ بالمستقبل. وقد رد على هذه الادعاءات بقوة يوسابيوس أسقف قيصرية فى ثلاث
مجلدات، وهى الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، ورد عليه أيضا ابوليناريوس فى كتاب
ضخم أعنى السادس والعشرين. (ب) وقبل هؤلاء الكتاب رد عليه ميثوديوس رداً جزئياً.


وأريد أن أركز فى مقدمتى على هذه الحقيقة، وهى أنه لم يتكلم أحد من الأنبياء هكذا
بوضوح عن المسيح كما تكلم هذا النبى دانيال. فهو لم يؤكد على أنه سيأتى فحسب، فهذه
نبوءة اشترك فيها الأنبياء الآخرون أيضاً، ولكنه أعلن بالتحديد الوقت الذى سيأتى
فيه. وعلاوة على ذلك فقد تكلم عن الملوك المختلفين بالتتابع، وأعلن العدد الفعلى
للسنين المتضمنة، وأعلن مقدماً العلامة الواضحة بجلاء للأحداث الآتية. ولأن
بروفيرى رأى أن كل هذه الأشياء قد تمت ولم يستطع أن ينكر أنها حدثت، فقد تغلب على
دليل الدقة التاريخية بأن لجأ إلى المراوغة زاعما أن كل ما تنبأ به عن ضد المسيح
فى نهاية العالم قد تم فعلاً فى زمن انتيوخس ابيفانس بسبب التماثلات المؤكدة
للأمور التى حدثت فى زمانه. ولكن هذا الهجوم الشديد هو اختبارا لدقة دانيال، إذ أن
مصداقية ما تنبأ به النبى كانت مذهلة لدرجة أنه لم يستطع أن يظهر لغير المؤمنين
كمتنبئ بالمستقبل، بل بدا وكأنه رواى لأشياء تمت فى الماضى(20)".

ويعبر
موقف جيروم هذا عن موقف الكنيسة ككل حتى ظهور النقد الأعلى فى القرن السابع عشر.

3-
النقاد والليبراليين فى العصور الحديثة وأراء بروفيرى الوثنى :

وبظهور
النقد الأعلى ابتداء من القرن السابع عشر بدأ افتراض بروفيرى يؤخذ بجدية وبدأ خصوم
سفر دانيال يزدادون. فقد أدعى أحد العقلانيين اليهود ويدعى أوريل اكوستا
Uriel Acosta (1590-1647م) أن سفر دانيال
قد زور لتأييد عقدة قيامة الأجساد(21).
وفى القرن الثامن عشر ظهر شخص إنجليزي يدعى انتونى كولينز
Anthony Collins (1727م) يؤمن بمذهب الربوبية يناقش مدى سلامة
تأليف السفر، سنة 1806 بيرثولدت
Bertholdt وبدأ يأخذ الموضوع بخيال أكبر(22). ولكن هذه الاعتراضات
فى البداية لم تكن لها قيمة علمية(23).

وكان
هناك أراء عديدة فى أوساط النقاد، إذ يقول الفيلسوف اليهودى سبينوزا (1632-1677م)(24):
"ولننتقل الآن إلى سفر دانيال، هذا السفر يحتوى بلا شك على نفس النص الذى
كتبه دانيال ابتداء من إصحاح 8 أما الإصحاحات السبعة الأولى فلا أعلم مصدرها. ولما
كانت باستثناء الإصحاح الأول مكتوبة بالكلدانية فيمكننا أن نفترض أنها أخذت من كتب
الأخبار الكلدانية… وعلى أية حال نستطيع على الأقل أن نقول أن هذه الإصحاحات قد
دونت بالكلدانية وأن ذلك لم يقلل من قدسيتها بالنسبة إلى الأسفار الأخرى فى
التوراة(25)".

وشك
أحدهم ويدعى هوبس
Hobbes أن كان سفر دانيال قد كتبه دانيال نفسه أو كاتب تالى له هو الذى سجل
نبواته(26). أما العالم المشهور السير اسحق نيوتن
(1643-1727م) الرياضى والفيزيائى الإنجليزي الذى وضع قانون الجاذبية العام وقوانين
الحركة، فيقول "أحتوت الإصحاحات الستة الأخيرة (من سفر دانيال) على نبوات
دونت فى أزمنة مختلفة بواسطة دانيال نفسه، بينما كانت الإصحاحات الستة الأولى
مجموعة من المقالات التاريخية (كتبت) بواسطة كتاب آخرين(27)
ولكنه لم يهاجم أبداً مصداقية السفر كسفر موحى به، بل على العكس تماما، إذ يقول :
"من يرفض نبوات دانيال وكأنه يعمل هدم الديانة المسيحية التى هى مؤسسة على
نبوات دانيال عن المسيح(28)".

ثم
ظهرت حركة النقد الأعلى الألمانية، العقلانية
Rationalism والتى كانت ترفض النبوات من الأصل، وفى
محاولتها لتحطيم النبوات والمعجزات والأعمال الروحية الخارقة للطبيعة كالنبوات فى
الكتاب المقدس، اتجهت إلى ما سبق أن قاله بروفيرى وكرروا ما سبق أن قاله عن سفر
دانيال، ورفضت التقليد اليهودى والمسيحى القائل بكتابة السفر فى القرن السادس ق.م.
ثم نقلت هذه الآراء بعد ذلك من كتاب إلى أخر دون فحص أو دراسة، وأصبحت بالنسبة
للنقاد تقليد عام لا يجوز الحيد عنه، أو كما يقول هاريسون "وقد نُسخت
الاعتراضات على تاريخية دانيال من كتاب لآخر بدون نقد. وبالعقد الثانى من القرن
العشرين لم يجرؤ أى عالم ذو خلفية ليبرالية عامة ولم يرغب حفاظاً على سمعته
الأكاديمية أن يتحدى تيار الاتجاه النقدى(29)".

لقد
اتجهوا أولاً إلى بروفيرى وكرروا ما سبق أن قاله فى هجومه على سفر دانيال
"على أية حال فليس للشيطان اختراعات جديدة. فهو يستخدم نفس الحيل القديمة
التى استخدمها منذ عدن عندما يشكك فى كلمة الله. وكل ما سبق أن قاله كلسس سنة 150م
هو نفس ما يرده علماء النقد الأعلى اليوم. وليس لديهم شئ جديد ليقولوه(31)".

4- الرد على ادعاءات النقاد الليبراليين :

لقد
حسم السيد المسيح الموقف مقدماً عندما أعلن عن تاريخية دانيال النبى وصحة وحقيقة
ومصداقية سفره عند استخدام صوره وتشبيهاته ولقب "ابن الإنسان" اللقب
الذى وصف به نفسه ودعى دانيال ب "دانيال النبى" وأكد صدق نبواته بإشارته
إليها وإعلانه عن حتمية إتمامها. فلماذا نهتم إذا بآراء هؤلاء النقاد الماديين
الذين بنوا هجومهم على السفر على أراء مفكر وثنى يؤمن بتعدد الآلهة، وعلى أساس
فكرهم المادى الذى يرفض الإيمان بعالم الأرواح وما وراء الطبيعة؟ ونجيب على هذا
السؤال بأن نقول؛ أنه من الضرورى الرد على هذه الآراء الشيطانية لأن كثيرين ممن
يسمون أنفسهم بعلماء اللاهوت الليبراليين قد تبنوا هذه الآراء ومن الممكن أن يضلوا
كما قال السيد المسيح "لو أمكن المختارين أيضا(32)
ولكن الله الذى لا يترك نفسه بلا شاهد أعطانا البرهان بل البراهين التى لا تحصى
على صدق كلامه وصحة وحيه ومصداقية أسفاره المقدسة. وكما قال هو بفمه الإلهى
"إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ(33)"، لا تتكلم فقط بل
"تصرخ". حقاً فقد صمت من يسمون بعلماء اللاهوت الليبراليين ولكن الأحجار
تكلمت، بل صرخت.

وقبل
أن نبدأ فى التعليق والرد على أراء هؤلاء العلماء، أدوات عدو الحق، يستحسن أن نقدم
الملامح الرئيسية لآرائهم كما لخصها الناقد توماس كبلر
Thomas
Kepler
تحت عشرة عناوين :

"توجد
على أية حال، عدة عناصر تجعل من الصعب لدانيال هذا أن يعيش فى زمن نبوخذ نصر،
ويكون هو، دانيال، كاتب السفر :

أضيف
الأنبياء للناموس حوالى 200 ق.م. لتكوين الكتاب المقدس اليهودى، ومع ذلك فلم يكن
دانيال بين الأنبياء، إذ أضيف للأسفار المقدسة حوالى سنة 90م عندما أكمل الكتاب
المقدس اليهودى.

لم
يذكر سفر دانيال فى أى كتاب أدب يهودى حتى سنة 140ق.م. عندما أشارت إليه الأقوال
السبيلينية
Sibylline Oracles (397:3-400)، وفى باروخ 5:1-3:3 (مكتوب حوالى 150ق.م.) توجد صلاة
شبيهة بالتى فى دانيال 4:9-6. وسفر دانيال مشار إليه أيضا فى 1مكابيين 59:2-61
(كتب حوالى 125 ق.م.). وأشير إلى دانيال 164 مرة فى 1مكابيين والتكهنات السبيلينية
وأخنوخ (كتب حوالى 95ق.م.).

وقد
وضع يشوع بن سيراخ قائمة بالرجال العظماء فى التاريخ اليهودى سنة 190ق.م. (حكمة
يشوع بن سيراخ 44:1-24:50) ولم يكن بينهم دانيال.

تظهر
فى دانيال كلمات مستعارة من اللغات البابلية والفارسية واليونانية.

أرميا
مذكور كنبى (دا 2:9) واشير إلى كتاباته.

فى
زمن ارميا (زمن نبوخذ نصر أيضا) يتحدث عن الكلدانيين كأمة أو شعب، بالإشارة إلى
البابليين؛ ولكن فى سفر دانيال معروفين كمنجمين وسحرة وعرافين.

كتب
سفر دانيال جزئياً بالآرامية، اللغة التى كانت شائعة بين اليهود فى القرن الثانى
ق.م.، ولكن لم تكن كذلك فى زمن نبوخذ نصر.

كان
للكاتب وجهة نظر ممتازة فى التاريخ بعد زمن الاسكندر الأكبر، خاصة أثناء النضال
المكابى؛ ولكن تاريخه يبين مغالطات تاريخية كثيرة أثناء العصور البابلية
والفارسية.

يبين اللاهوت الخاص بالقيامة من الأموات والأفكار عن الملائكة أن
الكاتب عاش فى زمن متأخر عن زمن نبوخذ نصر. ونفس الشئ يمكن أن يقال عن الغذاء
والصوم والصلوات الطقسية.

يعيد
نموذج وهدف سفر دانيال كرؤيا، تفسير التاريخ من زمن نبوخذ نصر وحتى زمن يهوذا
المكابى وانتيوخس الرابع، والمكتوب فى 165 ق.م.، وهذا يناسب خطة وهدف دانيال
تماماً ليظهر أن الكاتب قد كتب فى زمن نبوخذ نصر، وأنه قد تنبأ بتاريخ ال 450 سنة
القادمة(35)".

هذه الاعتراضات النقدية يمكن أن نضعها تحت
العناوين السبعة التالية :

1-              
 الادعاء بأن السفر كتب فى العصر
المكابى؛

2-              
 رفض القانونية؛

3-              
 رفض النبوة المفصلة؛

4-              
 رفض المعجزات؛

5-              
 الاعتراضات النصية؛

6-              
 الاعتراضات اللغوية؛

7-              
 التناقضات التاريخية المزعومة(36)؛

أولاً : استحالة أن يكون السفر قد كتب فى العصر
المكابى :

لا
يمكن أن يكون سفر دانيال قد كتب فى العصر المكابى كما يزعم النقاد وكما زعم سابقاً
بروفيرى الوثنى لعدة أسباب :

لأنه
لم يظهر أى نبى فى الفترة ما بين ملاخى النبى فى نهاية القرن الخامس ق.م. وبين
يوحنا المعمدان فى النصف الأول من القرن الأول الميلادى. ويؤكد سفر المكابيين على
هذه الحقيقة فيقول :

"فحل
بإسرائيل ميل عظيم لم يعرفوا مثله منذ اليوم الذى لم يظهر فيهم نبى(37)
"ووضعوا الحجارة (حجارة مذبح المحرقات) فى موضع لائق إلى أن يظهر نبى يبدى
رأيه فى شأنها(38)"، "وإن اليهود وكهنتهم سرهم
أن يكون سمعان رئيساً لهم وكاهناً أعظم مدى الحياة إلى أن يقوم نبى أمين فيهم
يقودهم ويهتم بالهيكل..(39)".

ويقول
المؤرخ والكاهن اليهودى يوسيفوس، ومن ارتحشتا (464-442ق.م.) إلى زماننا كتب
تاريخنا (كل الأشياء سجلت) ولكن لم يقم بنفس السلطان مع أولئك الذين سبقوهم لأنه
لم يكن هناك تعاقباً للأنبياء منذ ذلك الوقت(40)".

 ولأن
المكابيين كانوا يعرفون هذه الحقيقة، وأنه لم يوجد نبى فى زمانهم، بل ولم يقم نبى
منذ ملاخى، لذلك، فقد كان من المستحيل عليهم أن يقبلوا سفراً كتب فى أيامهم ويضموه
إلى الأسفار الموحى بها، وأن يستشهدوا بكاتبه كأحد أبطال الإيمان العظماء.

 وقد
شهد سفر المكابيين الأول لدانيال النبى وبره "تذكروا دانيال : برائته أنقذه
الله من أفواه الأسود(41)". كما اقتبس السفر من دانيال
النبى نبوءته عن "رجاسة الخراب(42)". ولا يمكن بل ومن المستحيل أن
يذكر سفر المكابيين دانيال النبى مع إبراهيم وداود وغيرهم من عظماء الإيمان ويقتبس
من سفره، لو كان السفر قد كتب فى أيامهم. وإنما قبلوا حقيقة دانيال النبى كأحد
أبطال الإيمان وسفره ككلمة الله الموحى بها على أساس حقيقة كانت مؤكدة بالنسبة لهم
وهى أن دانيال النبى عاش فى السبى البابلى فى القرن السادس ق.م، وأن سفره موحى به
من الله، وهو كاتبه.

 ولم
يكن أبدا سفر دانيال كتاب مزيف لأنه لو كان كذلك لما قبله علماء اليهود وضموه إلى
بقية أسفار الكتاب المقدس القانونية والموحى بها. فقد كتبت بعض الكتب الدينية فى
القرنين الثانى والأول قبل الميلاد واتخذت، فى معظمها، فى الشكل الرؤوى أسلوب لها،
ومنها ما هو شبيه جداً بسفر دانيال مثل كتاب أخنوخ، وقد سميت بأسماء شخصيات الكتاب
المقدس العظيمة والقديمة، مثل "عهد آدم"، "عهد إبراهيم"،
"عهد أيوب"، "عهد البطاركة الاثنى عشر"، "سفر
أخنوخ"، "رفع موسى"، "صعود أشعياء"، "رؤيا
باروخ"، "مزامير سليمان"، "أناشيد سليمان"، "سفر
عزرا الرابع"(43)
الخ، وجميع هذه الكتب والتى كتبت فى العصر
المكابى وما بعده لم يقبلها علماء اليهود على الإطلاق، ولم يعتبروها أبداً ككلمة
الله، ولم يضموا كتاب واحد منها إلى قانون أسفار العهد القديم الموحى بها، بل
أسموها سودإبيجرافون
Pseudepigraphon ، أى الكتابات المزيفة. ولو كان سفر دانيال قد كتب فى تلك الفترة
التى يزعمها النقاد، وكان كاتبه مزيف، أو يهودى تقى كما يقول علماء اللاهوت
الليبراليين، لكانوا قد ضموه لهذه الكتب المزيفة أو المنحولة كما يسميها البعض.
ولكن ذلك لم يحدث.

 ثم
أن سفر دانيال لو كان قد كُتب فى تلك الفترة المزعومة، لكان كاتبه قد نسبه لأحد
الأنبياء العظماء، كما فعل كتاب السوإبيجرافون، ولما أخترع شخصية دانيال هذه كما
يزعمون. وحتى لو حدث ذلك لرفضه علماء اليهود كما رفضوا الكتب التى نسبت للأنبياء
زوراً.

وهناك
ثلاثة أشخاص يزعم بعض النقاد أن كاتب السفر نسبه إلى واحد منهم وهم :

"دانئيل
من ابيجايل الكرملية(44)"، ابن داود النبى. وهذا الشخص لا
يذكر الكتاب عنه شئ ولا يعرف عنه شئ غير ذلك، ولا يمكن أن ينسب إليه سفر دانيال
وأنه عاش فى السبى، لأنه وجد قبل السبى بحوالى 400 سنة.

دانيال
المذكور فى سفرى عزرا ونحميا(45)، وهو أحد العائدين من السبى مع عزرا،
وهو لاوى من عائلة ايثامار، ولا يمكن أن تنطبق عليه صفات دانيال النبى لسببين هما؛
أنه من سبط لاوى ودانيال من نسل داود، النسل الملكى(46)، ومن
سبط يهوذا؛ ولأن هذا الشخص لم يكن له أى ذكر إلا كمجرد فرد عادى ضمن آلاف العائدين
من السبى ولم يكن له أى دور يذكر أو يميزه أثناء فترة السبى.

ويتبقى
دانيال البار والحكيم المذكور فى سفر حزقيال والذى ساواه الله مع نوح وأيوب فى
البر(47)، والذى باهى بحكمته ملك صور(48).
هذا الرجل، كما بينا فى الفصل السابق، هو دانيال النبى الحقيقى الذى عاش فى السبى
البابلى وأشتهر بين اليهود والبابليين بالحكمة وكشف الأسرار والبر والتقوى والتمسك
بشريعة إلهه حتى الموت. ولا يمكن، أن يكون هو دانيال بن اقهات الذى عاش حوالى سنة
1400 ق.م. والذى تقول الأرواح الطينية عنه، أنه كان وثنى يعبد الأصنام ومشرك يعبد
آلهة متعددة، بل وعابد لأرواح أسلافه كآلهة، والذى كان يلعن بانتقام ويبكى وينوح
بلا رجاء فى الله الحى. لا يمكن أن يضع الله هذا الرجل عابد الأصنام مع نوح وأيوب،
كما يزعم النقاد وعلماء اللاهوت الليبراليون، ويساويه بهما! لا يمكن أن يساوى الله
البار بالأثيم، والتقى بالشرير، والمؤمن بالله بعابد الأصنام. لا يمكن أن يساوى
الله هذا الرجل الوثنى عابد الأصنام بنوح الذى وصفه الوحى الإلهى بوارث البر
"بالإيمان نوح لما أوحى إليه عن أمور لم تُرى بعد خاف فبنى فلكاً لخلاص بيته
فبه دان العالم وصار وارثاً للبر الذى حسب الإيمان(*)
ولا يمكن أن يساويه بأيوب الذى قال عنه الله "لأنه ليس مثله فى كل الأرض. رجل
كامل ومستقيم يتقى الله ويحيد عن الشر(49)"، فهل يساوى ذلك الرجل الوثنى
الذى كان يبكى وينوح بلا رجاء فى الله الحى بأيوب البار الذى ضرب بصبره المثل فى
كل الأجيال "قد سمعتم بصر أيوب ورأيتم عاقبة الرب(50)
هل يساوى الله نوح البار الذى كلمه الله وأوحى إليه(51)،
وأيوب الكامل والمستقيم والذى كلمه الله أيضاً من العاصفة، بهذا الرجل الوثنى عابد
الأصنام؟!! والإجابة، كلا. فالله يكرم أنبياؤه دائماً ويعطيهم ويكشف لهم أسراره
"الرب لا يصنع أمراً إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء(52)
ويقول أيضا "سر الرب لخائفيه(53)" وليس لعابدى الأصنام.

ثانياً : مصداقية وقانونية السفر وصحته(54)
:

يرفض
النقاد والعلماء الليبراليون قانونية السفر على أساس أن اليهود، بعد الميلاد،
وضعوه فى التقسيم الثالث "الكتابات المقدسة" وليس فى التقسيم الثانى مع
"الأنبياء"، وعلى أساس أنه لم يذكر فى أى كتاب أدب يهودى قبل سنة 140
ق.م، ولم يذكره يشوع بن سيراخ (190ق.م.) ضمن أبطال التاريخ اليهودى.

ولتأكيد
قانونية سفر دانيال نقدم الحقائق التالية التى يتجاهلها النقاد خلفاء بروفيرى
الوثنى والذين يكررون الآراء النقدية دون فحص أو دراسة.

1-
أن قانون الأسفار العبرية الذى قرره اليهود بعد ميلاد السيد المسيح لم يكن هو القانون
الأول أو الوحيد للأسفار المقدسة، فقد كان هناك قانون أقدم هو الذى وضعه رجال
المجمع العظيم فى نهاية القرن الخامس ق.م. بإشراف عزرا الكاهن والكاتب ونحميا رجل
البلاط الفارسى اليهودى وملاخى النبى، وهذا القانون هو الذى اتبعه اليهود حتى أيام
المسيح، وشهد له المسيح ذاته والذى هو الصادق والأمين والحق، وهو الطريق والحق
والحياة. هذا القانون والذى كان معمول به أيام المسيح، كما يذكره المؤرخ والكاهن
اليهودى معاصر تلاميذ المسيح، يقسم الأسفار المقدسة إلى ثلاثة أقسام هى الناموس
والأنبياء والذى كان ينضم بينهم سفر دانيال، والمزامير أو الترانيم والمبادئ(55).

وكان
السيد المسيح يقسم أسفار العهد القديم إلى "الناموس والأنبياء والمزامير(56)
وكان دانيال بالنسبة له واحد من الأنبياء ولقبه ب "دانيال النبى(57)".
وهذا التقسيم هو الأقدم والأصدق والذى لابد أن يكون هو الوحيد الموثوق به لأنه جاء
بشهادة رب المجد.

وما
يبرهن أيضا على وجود دانيال النبى ضمن أسفار الأنبياء فى قانون عزرا ونحميا وملاخى
هو أن الترجمة السبعينية التى ترجمت حوالى سنة 275 ق.م. وضعته بين الأنبياء. وعلى
هذا الأساس وضعت، جميع الترجمات القديمة سواء اليونانية والسريانية واللاتينية
وغيرها وكذلك جميع الترجمات الحديثة، سفر دانيال ضمن الأنبياء. وكان الاستثناء
الوحيد لذلك هو المشنا التى كتبت بعد الميلاد (ما بين 180-200م) والتى تؤكد وتقول
أن كل أسفار العهد القديم العبرية، التقسيمات الثلاثة، جميعاً مقدسة ويجب أن تمس
بأيدى طاهرة وغير مدنسة(58).

2-
وقد أثبت العلماء أن المشنا وضعت سفر دانيال فى التقسيم الثالث لثلاثة أسباب، مع
إيمانها الكامل بقداسته ووحيه وأنه لا يمسه إلا المطهرون، وهذه هى الأسباب :

موقع
دانيال نفسه كموظف حكومى فى البلاط البابلى ثم الفارسى، فهو لم يكن نبياً بالمفهوم
المحدد والتطبيقى (
Technical) للكلمة، أى لم يكن نبى مكرس للخدمة مثل عاموس وأشعياء وأرميا
وغيرهم، لم يكن عمله نبوى، أى نبى مكرس ومتفرغ للخدمة ومعروف فى وسط الشعب كنبى
يأخذ إعلانات من الله ويقدمها للشعب مباشرة قبل أن تكتب فى سفر مثل أشعياء وميخا
وغيرهم، وإنما كان مثل داود الملك والذى نال موهبة النبوة وحل عليه روح الرب فتنبأ
كما يقول هو عن نفسه "وحى داود بن يسى ووحى الرجل القائم فى العلا مسيح إله
يعقوب ومرنم إسرائيل الحلو. روح الرب تكلم بى وكلمته على لسانى(59)".
ولم يعتبر اليهود داود أيضا نبى بل ملك نال موهبة النبوة وأخذ الوعد من الله بأن
من نسله يأتى المسيح ويجلس على كرسيه إلى الأبد(60)، وقد وضعوا مزاميره
أيضا فى التقسيم الثالث. كما لم يعتبر أيوب أيضا بين الأنبياء على الرغم من أن
المشنا والتقليد اليهودى يقولا أن موسى هو كاتب سفره، سفر أيوب، ووضعوه فى التقسيم
الثالث أيضا، فى الكتابات المقدسة، وكذلك سليمان الحكيم أيضاً وضعت أسفاره فى
الكتابات المقدسة.

لقد
وضعت هذه الأسفار فى التقسيم الثالث "الكتابات المقدسة" لأن كتابها لم
يكونوا أنبياء مكرسين، أو أنبياء متفرغين بمفهومنا العصرى، وإنما كانوا أبراراً
وحكماء وموظفين حكوميين وغير متفرغين للعمل النبوى من استلام إعلانات وإبلاغها
للشعب، ونصح وتحذير… الخ فقد كان أيوب رئيس قبيلة وداود ملك وسليمان ملك ودانيال
والى بابل ثم رئيس وزارتها، ولكن الله أعطاه حكمة وموهبة النبوة. وعلى هذا الأساس
وضعهم علماء اليهود فى القرن الثانى الميلادى فى التقسيم الثالث ككتابات مقدسة
وموحى بها من الله ولا يمسها إلا المطهرون، ولم يضعوها مع أسفار الأنبياء المكرسين
والمتفرغين للنبوة، فهذه وجهة نظرهم، ولكنا نتبع ما علمه المسيح الذى لقب دانيال
بالنبى وتكلم عن داود الموحى إليه بالروح القدس، والذى قال عنه القديس بطرس لليهود
"فإذا كان (داود) نبياً وعلم أن الله حلف له بقسم أن يقيم المسيح حسب الجسد
ليجلس على كرسيه سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح..(61)".

لم
يكن دانيال نبياً بالمعنى التقليدى والتطبيقى لكلمة "نبى" وإنما نال
موهبة النبوة وأعطيت إعلانات ونبوات ورؤى من خلال ملائكة مثل القديس ويوحنا الرسول
والرائى، وأحلام مثل يوسف بن يعقوب.

ولإيضاح
ذلك أكثر نضيف هنا ما قاله أحد العلماء ويدعى
Keil : "تعبر المكانة التى يحتلها سفر دانيال
فى القانون العبرى بدقة مع مكانة دانيال فى الحكومة الدينية "ثيؤقراطية –
Theocracy". فلم يعمل دانيال مثل بقية الأنبياء
التى كانت كتاباتهم من طبقة الأنبياء "نبيين
Nebiyin"، كنبى بين شعبه فى جماعة إسرائيل، ولكنه كان وزير دولة خاضع
لحكام العالم فى بابل ومادى وفارس. وعلى الرغم من أنه مثل داود وسليمان، فقد نال
موهبة النبوة ومن ثم فقد دعى نبى
Prophetys (فى الترجمة السبعينية ويوسيفوس والعهد الجديد)، ومع ذلك فلم يكن
نبياً بالوظيفة والموقع ولذا يختلف سفره فى محتواه وشكله عن كتابات الأنبياء.
فنبواته ليست عظات نبوية موجهة إلى إسرائيل أو الأمم، إنما هى رؤى، كشف فيها تطور
ممالك العالم وعلاقتهم بملكوت الله، ويصف الجزء التاريخى من السفر أحداث زمن كانت
فيه إسرائيل فى السبى بين الأمم. لهذه الأسباب لم يوضع الكتاب بين طبقة الأنبياء
التى تصل من يشوع إلى ملاخى؛ لهذه الأسباب بحسب نظرة الذى رتب القانون(62)".

ويضيف
العلماء سبباً ثانياً لوضع سفر دانيال بين الكتابات المقدسة هو اللغة التى كتب بها
السفر واشتماله على قسم تاريخى يشكل نصف السفر. فقد كتب باللغتين العبرية
والآرامية، عبر بالعبرية فى الإصحاح الأول والثامن إلى الثانى عشر عن ما يخص
إسرائيل، وعبر بالآرامية ابتداء من ص 4:2 إلى نهاية الإصحاح السابع عن معظم رواياته
التاريخية ونبواته الخاصة بتتابع الإمبراطوريات العالمية وملكوت المسيح، كما كانت
لغته الآرامية قريبة بدرجة كبيرة من آرامية سفر عزرا. ولهذه الأسباب التاريخية
واللغوية، والتى أوضحناها جيداً فى الفصل السابق، وضع سفر دانيال فى الكتابات
المقدسة وقبل عزرا مباشرة.

 أما
القول بأن دانيال لم يذكر فى أى كتاب أدب أو تاريخ يهودى قبل سنة 140ق.م، فهو قول
لا معنى له ولا قيمة له ويبعد عن الحق والدراسة الجادة، لسبب بسيط وهو أنه لا توجد
أى كتب يهودية كتبت فيما بين ملاخى ويشوع بن سيراخ على الإطلاق، وأن أقدم كتاب
يهودى بعد ملاخى هو سفر يشوع بن سيراخ المكتوب سنة 190ق.م، أما الفترة السابقة
عليه فلم يصلنا منها أى كتاب يدل على أنه كانت هناك كتب قد كتبت فى تلك الفترة أم
لا. ولم يذكر يشوع بن سيراخ ولم يشر سفر المكابيين ولم يتكلم يوسيفوس عن كتب كتبت
فى تلك الفترة على الإطلاق.

وبالتالى
فاقدم كتاب وصلنا بعد ملاخى هو سفر يشوع بن سيراخ، وهذا السفر لم يذكر أى شئ عن
دانيال النبى، ولا يعد ذلك حجة على عدم وجود دانيال قبل ذلك، كما يزعم النقاد، فهو
لم يذكر أيوب ولا القضاة الاثنا عشر، مثل جدعون وشمشون ودبورة وغيرهم، ولم يذكر
ملوك كثيرين مثل اساف ويهوشافاط، كما لم يذكر عزرا أشهر شخصية يهودية فى فترة ما
بعد السبى إلى المسيح والذى نسج حوله اليهود الكثير من الروايات والحكايات
والأساطير. فهل يعنى عدم ذكره لهؤلاء جميعاً أنهم لم يوجدوا؟ كلا. فقد برهنت
الاكتشافات الحديثة لمخطوطات قمران شهرة دانيال النبى فى تلك العصور وتلقيبه بلقب
"دانيال النبى" واكتشاف عدد من المخطوطات لسفره. كما أثبتت الدراسات
التى قام بها العلماء تأثر معظم الكتب التى كتبت فيما بين العهدين بسفر دانيال
وأسلوبه واستشهدت به واقتبست منه واستعارات أساليبه وصوره الرؤوية. لقد أثر فيهم اكثر
من أى سفر آخر من أسفار العهد القديم.

 ويزعم
البعض أن عدم ذكر اسم دانيال فى السجلات البابلية والفارسة دليل ضد وجوده فى مرحلة
السبى. وهذا الزعم أيضا باطل من أساسه لأن كثيرين من عظماء العالم لم يذكروا فى
سجلات التاريخ من أمثال الوزراء والمشيرين وقادة الجيوش ورجال الفن والعمارة الذين
بنو وزخرفوا الأهرامات وأكبر المعابد فى الشرق كله. فهل عدم ذكر هؤلاء دليل على
أنهم لم يوجدوا، لقد نسبت حضارة بابل العظيمة لنبوخذ نصر. فهل يرجع الفضل إليه
وحده؟ كما لم يذكر عظماء الدين مثل موسى ويوسف وبولس الرسول وتلاميذ المسيح، فى
سجلات العالم، حتى المسيح نفسه لم يذكر عنه إلا أقل القليل وبعد صعوده وانتشار
المسيحية بأكثر من خمسين سنة، فهل هذا دليل على عدم وجودهم؟

ثالثاً : صحة النبوة المفصلة ومصداقيتها :

هاجم
بروفيرى سفر دانيال أساساً لأنه كوثنى لا يؤمن بالنبوة والوحى والله الواحد، واتفق
معه فى ذلك النقاد العلمانيين الماديين الذين لا يؤمنون بالوحى والنبوات والعالم
الروحى. وهناك فريق ثان رفض السفر على أساس أنه يحتوى على نبؤات مفصلة ومتميزة على
نبوات العهد القديم الأخرى، وهناك أيضا فريق ثالث رفض السفر وهاجمه على أساس أنه
سفر رؤى، وحجتهم فى ذلك هى أنه كتبت مجموعة من الكتب المزيفة فى فترة ما بين
العهدين!

1-
ونقول لأتباع بروفيرى الذين يرفضون الوحى والنبوة، أن الله أعطانا النبوات ليبرهن
بها على حقيقة وجوده، كما يبرهن بها على صحة أسفار كتابه المقدس. ويتحدى الملحدين
ومنكرى النبوات بقوله :

"قدموا
دعواكم يقول الرب. احضروا حججكم يقول ملك يعقوب. ليقدموها ويخبرونا بما سيعرض. ما
هى الأوليات. أخبروا فنجعل عليها قلوبنا ونعرف أخرتها أو أعلمونا المستقبلات.
أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة..(63)".

"ومن
مثلى ينادى فليخبر به ويعرفه لى منذ وضعت الشعب القديم. والمستقبلات وما سيأتى
ليخبروهم بها(64)".

"من
أعلم بهذه منذ القديم أخبر بها منذ زمان. أليس أنا الرب ولا إله آخر غيرى(65)".

الله
يبرهن على حقيقة وجوده ووحدانيته بما يعلنه مسبقاً، بالنبوات وبالتالى يؤكد صحة
كتابه المقدس. والقديس بولس يقول "لا تحتقروا النبوات امتحنوا كل شئ وتمسكوا
بالحسن(66)"، وهذه دعوة واضحة وصريحة لإثبات
صحة كلمة الله بالنبوات، والنبوات كثيرة وتمت على مدى أجيال كثيرة، فقد تنبأ جميع
الأنبياء عن السيد المسيح وتمت نبؤ اتهم بالحرف الواحد، وتنبأ الأنبياء عن سقوط
وقيام إسرائيل وقد تمت نبواتهم بالحرف الواحد، فقد تنبأ أرميا النبى وحدد مدة
السبى بسبعين سنة(67)، وذكر اسمه قبل مجيئه بأكثر من 70 سنة
وتم ذلك بالحرف الواحد، وتنبأ دانيال النبى عن دمار الهيكل، هيكل أورشليم نهائياً
فقال "وإلى النهاية حرب وخرب وقضى بها" كما تنبأ أن المسيح سيبطل ذبيحة
العهد القديم وتم ذلك بالحرف الواحد بعد النبؤة بحوالى أكثر من 600 سنة وما يزال
الهيكل خراب والذبيحة متوقفة حتى اليوم. كما تنبأ الأنبياء عن سقوط وقيام كثير من
الأمم، فتنبأ حزقيال النبى عن دمار صور الشامل فقال "فيخربون أسوار صور
ويهدمون أبراجها واسحى ترابها وأصيرها ضحّ الصخر فتصير مبسطاً للشباك وفى وسط
البحر لأنى أنا الرب تكلمت…"، "ويضعون حجارتك وخشبك وترابك فى وسط
المياه"، "لا تبنين بعد لأنى أنا الرب تكلمت"، "أصيرك مدينة
خربة كالمدن غير المسكونة حين اصعد عليك الغمر فتغشاك المياه الكثيرة… لتكونى
غير مسكونة… أصيرك أهوالاً ولا تكونين وتطلبين فلا توجدين بعد إلى الأبد(68)".

تنبأ
النبى بالخراب النهائى لصور وأنها لن تبنى ولن تعود لمركزها الأول ثانية، برغم
أنها فى أيامه كانت فى قمة مجدها وكان من الصعب على الإنسان أن يتخيل أن ذلك سيحدث
لها. وقد تنبأ الأنبياء ومنهم حزقيال النبى عند سقوط بعض الأمم وقيامها ثانية، أما
هنا فتؤكد النبؤة أنها لن تقوم ثانية، وهذا من الوجهة البشرية مستحيل ولا يتخيله
عقل.

ويقول
لنا التاريخ وتكشف لنا الآثار أيضا عن إتمام هذه النبؤة، كل حرف وكل كلمة وردت
فيها، بصورة مذهلة. فقد جاء نبوخذ نصر، بحسب نبؤه حزقيال النبى ودمر المدينة، ولكن
خرائبها ظلت مدة بعد ذلك، 250 سنة إلى أن جاء الاسكندر الأكبر سنة 332ق.م. وزحف
على صور، ولأنها كانت مبنية على جزيرة فى البحر يفصلها عن الشاطئ 800 متر لذلك
ألقى رجال الاسكندر كل خرائب صور القديمة أسوارها وأبراجها وأخشابها وحجارة قصورها
وبيوتها وألقوها فى البحر ليكون منها طريق أو معبر يعبر به إلى الجزيرة وسحا
ترابها أيضا وألقاه فى البحر ودمر المدينة تماما ولم تبن ثانية حتى اليوم وصار
الحكم الإلهى عليها نافذ المفعول وحتى الآن وبعد أكثر من 2500 سنة، هل يوجد إعجاز
أدق وأعظم من هذا؟ وهذا مجرد نموذج لكثير من النبوات التى يمتلئ بها العهد القديم(69).

وفى
العهد الجديد أعلن السيد المسيح لتلاميذه كل ما سيحدث معهم ولهم، وقال "ها
أنا قد سبقت وأخبرتكم(70)"، كما أعلن عن خراب أورشليم
ودمار الهيكل بصورة تفصيلية(71) وتم ذلك سنة 70م، 134م وما يزال خراب
الهيكل إلى الآن يشهد لقول السيد المسيح، كما أعلن عن انتشار الإنجيل فى كل
المسكونة(72) وتم ذلك بكل دقة، وأعلن بالتفصيل عن
مجيئه الثانى والعلامات التى ستسبقه(*)… الخ.

وهنا
نقول لمنكرى الوحى والنبوات؛ لقد برهنت نبوات الكتاب المقدس وإتمامها الدقيق
المذهل على حقيقة وجود الله وصحة كتابه المقدس وعظمة ديانته المسيحية، أفلا ترجعون
إلى عقولكم وتعودون من تيهكم إلى الله الذى يقول "ارجعوا إلى ارجع إليكم قال
رب الجنود(73)

2-
أما من يرفضون السفر على أساس نبؤاته المفصلة وتميزها عن بقية نبوات العهد القديم؛
فتؤكد لهم، أولاً : أن النبوة المفصلة ليست جديدة فى الكتاب المقدس، فالذى يعطى
النبوات هو الله، والله كلى العلم ويدبر كل شئ فى الكون بناء على إرادته وعلمه
السابق. ومن ثم يعطى الأنبياء أحياناً نبوات وجيزة وفى أحيان كثيرة يعطى نبوات
تفصيلية، بحسب ما تراه إرادته الإلهية وبناء على علمه السابق، وعلى سبيل المثال
فقد أعطى لإبراهيم نبؤه تفصيلية امتدت أحداثها اكثر من 500 سنة : "فقال
لإبرام أعلم يقيناً أن نسلك سيكون غريباً فى أرض غريبة ليست لهم ويستعبدون لهم.
فيذلونهم أربع مئة سنة. ثم أن الأمة التى يستعبدون لها أنا أدينها. وبعد ذلك
يخرجون بأملاك جزيلة
وفى الجيل الرابع يرجعون إلى ههنا. لأن ذنب الأموريين ليس إلى
الآن كاملاً(74)".

 

وفى
هذه النبؤة المفصلة يعلن الله لإبراهيم سبعة أمور ستحدث :

 أن
نسله الذى لم يكن قد أتى بعد، حيث أن اسحق لم يكن قد ولد بعد،سيتغرب فى أرض غريبة،
أى أرض مصر.

 وسيستعبد
ويذل من الشعب الذى سيتغرب فى أرضه.

 وستكون
مدة أقمته فى هذه العبودية 400 سنة.

 ثم
يدين الله الشعب الذى سيستعبدهم، مشيراً إلى غرق فرعون وجيشه فى البحر الأحمر.

1-              
 خروجهم من عبوديتهم بأملاك جزيلة
وهذا ما حدث عندما نهبوا المصريين.

2-              
 عودتهم إلى كنعان فى الجيل الرابع
وهذا ما حدث بقيادة موسى النبى ويشوع بن نون.

 كما
يكشف لنا الله عن حقيقة هامة وهى أنه لا يدين أمة بدون ذنب، ومن ثم فقد أعلن
لإبراهيم هزيمة الأموريين ودمارهم سيكون نتيجة لآثامهم التى ستصل إلى كمالها بعد
500 سنة من نبؤه إبراهيم. وهذا ما يؤكد لنا أن الله يدبر كل شئ بحسب إرادته
الإلهية ومشورته وعلمه السابق.

ثانياً
: تبين من دراسة العلماء للنبوات أنه كلما اقتربنا من عصر المسيح كلما ازدادت
النبوات فى الوضوح والتفصيل، وعلى سبيل المثال عندما أخذ الإنسان الوعد الأول
بمجيء المسيح كانت النبؤة الأولى موجزة ولا تفهم بسهولة إلا بروح النبوة وفى ضوء
العهد الجديد "وأضع عداوة بينك وبين نسل المرأة وبين نسلك ونسلها هو يسحق
رأسك وأنت تسحقين عقبه(75)"، وبعد الطوفان بحوالى 1000 سنة
وقبل المسيح ب 2000 جاءت النبوة المعلنة من الله لإبراهيم واسحق ويعقوب أكثر
وضوحاً "وبنسلك تتبارك جميع أمم الأرض(76)"، وفى عهد داود
وقبل المسيح بحوالى 1000 سنة ازدادت النبوة المعلنة لمعاناً وأعلن انه سيأتى من
نسل داود ويجلس على كرسيه إلى الأبد(77)، وقبل المسيح بحوالى 700 سنة حدد
الوحى فى أشعياء عن ثلاث حقائق؛ أنه سيولد من عذراء(78)، أنه
ابن داود الذى يجلس على كرسيه إلى الأبد والذى وهو فى جوهره الإله القدير الآب
الأبدى(79)، أنه ستألم ويموت لأجل خطايا البشر(80)،
وفى نفس الفترة أيضا حدد الوحى لميخا النبى انه سيولد فى بيت لحم مدينة داود
بالرغم من أنه الإله الأزلى، وقبل المسيح بحوالى 538 سنة حدد الملاك جبرائيل
لدانيال النبى الزمن الذي سيأتى فيه المسيح بكل دقة ووصف الأعمال الأساسية التى
سيقوم بها مثل موته كفارة عن خطايا العالم وإبطاله للذبائح والمحرقات نهائياً، كم
أعلن عقده للعهد الجديد مع أبناء الكنيسة سواء كانوا أصلاً من اليهود أو الأمم(81)،
وقبل مجيئ المسيح بحوالى 400 سنة تنبأ ملاخى النبى أنه سيسبق المسيح عند مجيئه شخص
بروح إيليا وقوته(82). وبعد ذلك توقفت النبوة تماماً، إلى
مجيئ السيد المسيح.

إذا
كان من الطبيعى أن تأتى نبوات دانيال مفصلة بصورة كبيرة لاقترابه من زمن المسيح،
ولأن كل نبواته فى جوهرها مرتبطة بملكوت المسيح. فالممالك الأربع السابقة لملكوته
كانت تعد الطريق وتمهده له، والنبوات الخاصة بالملك السلوقى انتيوخس ابيفانس قدمت
النموذج الواضح والصورة المفزعة لضد المسيح الآتى وعمله، وكيفية خلاص الرب، كما
كان ملك سوريا، الموصوف بملك الشمال هو النموذج المجسم والنبوة التفصيلية لعمل ضد
المسيح، "إنسان الخطية" الذى سيسبق المجيئ الثانى للمسيح. كما مثل الحجر
الذى قطع بدون يدين وملأ الأرض كلها مجيئ المسيح وانتشار ملكوته فى الأرض كلها،
أما ابن الإنسان الآتى على سحاب السماء والذى يجب أن تعبده جميع الشعوب والقبائل
والألسنة، ملك الملك الأبدى، ملك الملوك ورب الأرباب فيصور لنا سمو ملكوت المسيح
وانتماءه إلى العالم السمائى، كما قال السيد المسيح لبيلاطس "مملكتى ليست من
هذا العالم"، واختلافه عن جميع ممالك العالم.

3-
وأخيراً نقول لمن يتخذون من وجود رؤى زائفة دليل ضد صحة سفر دانيال النبى، أن سفر
رؤى دانيال ليس هو السفر الرؤوى الوحيد فى الكتاب المقدس، فهناك أسفاراً كثيرة فى
العهد القديم بها أجزاء رؤوية كثيرة، مثل سفر أشعياء الذى كتب قبل سفر دانيال
بأكثر من 160 سنة وسفر حزقيال المعاصر لدانيال النبى، وسفر زكريا العائد من السبى.
كما أن هناك كثيراً من الرؤى فى الأسفار الأقدم مثل رؤيا إبراهيم الذى تكلمنا عنها
فى الصفحات السابقة، ورؤيا سلم يعقوب وغيرها الكثير. فقد كانت الرؤيا قديماً إحدى
وسائل الله وطرقه فى الإعلان عن ذاته. وهناك فى العهد الجديد سفر كامل هو سفر الرؤيا
للقديس يوحنا الرسول ويزيد حجم نبواته ورؤاه عن رؤى دانيال النبى ثلاث مرات، وبه
تفصيلات كثيرة، خاصة بالأمور السماوية، أكثر من رؤى دانيال بكثير. ويرى العلماء أن
سفر الرؤيا لا يتماثل فقط مع سفر دانيال، بل هو الامتداد الطبيعى له.

كما
أن سفر دانيال لو تترك رؤاه غامضة وبدون تفسير، وإنما الله أعطاه مع الرؤى التفسير
الذى يخلصها من الغموض والتخمين. وقد انضم سفر دانيال ضمن قانون الأسفار الموحى
بها منذ أيام عزرا ونحميا وملاخى. أما كتب الرؤى المزيفة فقد رفضت جميعها من علماء
اليهود الذين عرفوا الفرق بين سفر دانيال الموحى به، وبين هذه الكتب التى كتبت فى
العصور التى انقطع فيها الوحى والأنبياء. وختاماً نقول لهؤلاء النقاد أن وجود رؤى
مزيفة ليست دليل على عدم وجود رؤى حقيقية بل بالعكس تماماً، كما أن وجود عملة
مزيفة ليس دليل على عدم وجود عملة بالمرة، بل العكس تماما.

رابعاً : مصداقية المعجزات وصحتها :

كانت
المعجزات فى حينها هى البرهان على صحة نبوءة الأنبياء وعلى إعلان السيد المسيح عن
ذاته باعتباره كلمة الله النازل من السماء "صدقونى إنى فى الآب والآب فىّ.
وإلا فصدقونى لسبب الأعمال نفسها(83)"، "ولأن الأعمال التى
أعطانى الآب لأكملها هذه الأعمال بعينها التى أنا أعملها هى التى تشهد لى أن الآب
قد أرسلنى(84)"، "ولكن إن كنت أعمل فإن
فلم تؤمنوا بى فآمنوا بالأعمال لكى تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فىّ وأنا فيه(85)".
وبسبب هذه الأعمال، أى المعجزات، التى عملها السيد المسيح وتلاميذه ورسله آمن الآلاف
بل الملايين بالمسيحية. وسجل لنا شهود العيان، الذين دونوا الإنجيل بالروح القدس،
هذه المعجزات كبرهان قوى ودليل قاطع إلى جانب النبوات بالنسبة لنا، على حقيقة شخص
المسيح ليثبت إيماننا فيه أو كما يقول القديس يوحنا الإنجيلى "وآيات أخر
كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب فى هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن
يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه".

إذاً
فبرهان حدوث المعجزة هو وجود شهود العيان الذين عاينوها بأنفسهم وآمنوا بسببها
ودونوها لنا بالروح القدس، ونقلوها لنا لكى يكون لنا معهم شركة فى الإيمان والحياة
الأبدية "التى كان من البدء الذى سمعناه الذى رأيناه بعيوننا الذى شاهدناه
ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ونخبركم
بالحياة الأبدية التى كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذى رأيناه وسمعناه نخبركم به
لكى يكون لكم أيضا شركة معنا
ونكتب إليكم هذا لكى يكون فرحكم كاملاً(86)".

ومن
ثم فلا يمكن اعتبار سفر دانيال سفر مزيف بسبب ما ذكر فيه من معجزات، فهذا ينطبق
على الكتاب المقدس كله وليس سفر دانيال وحده. كما أن المعجزات التى ذكرت فيه وهما
معجزتان فقط لا تخرج عما جاء فى بقية أسفار الكتاب المقدس من معجزات، فنجاة الفتية
فى آتون النار ونجاة دانيال فى جب الأسود لا تزيد عن مشى المسيح على الماء أو
إسكاته العاصفة ولا عن قيامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام ولا نجاة بطرس من
السجن، ولا تزيد عن صعود إيليا فى العاصفة ولا ضربات موسى العشر ولا خسوف الأرض
ببنى قورح ولا عبور البحر الأحمر ونهر الأردن… الخ فكل معجزة حدثت كانت لها
ضرورتها الخاصة بها ولها ظروفها الخاصة بها ولها طبيعتها الخاصة بها، ولا تقارن
المعجزة بغيرها.

خامساً : سلامة نص سفر دانيال وقدم لغته :

تصور
النقاد أن نص سفر دانيال، خاصة الجزء الآرامى منه يدل على أن سفر دانيال كتب
مؤخراً وليس فى القرن السادس ق.م، وناقضوا بعضهم البعض فى مزاعمهم وادعوا حدوث
تنقيحات كثيرة للنص ومن ثم لا يمكننا معرفة النص الأصلى الصحيح، وقال بعضهم أن
دانيال نفسه كتب السفر أصلاً أما بالعبرية أو البابلية ثم غيرها إلى اللغة
العامية، الآرامية، وكان للزمن انعكاسه على الشكل النهائى الذى يظهر الآن فى
السفر.

وقد
جاءت الاكتشافات الحديثة والدراسات الحديثة بما لا يشتهيه النقاد وبرهنت أن لغة
سفر دانيال قديمة وترجع للقرن السادس ق.م. وأن نصه سليم ويتفق تماماً مع آرامية
النقوش السامية الشمالية و التى من القرن التاسع ق.م. والبرديات المصرية التى ترجع
للقرن الخامس ق.م. وقد لخص لنا هذه الحقائق
Robert Dick Wilson روبرت دك ويلسون الدارس البارز فى اللغات
القديمة للشرق الأوسط بالكلمات التالية :

"تتفق
آرامية دانيال فى كل خصائص الهجاء وأصول الكلمات والتراكيب النحوية، مع الآرامية
فى النقوش السامية الشمالية من القرون التاسع والثامن والسابع قبل الميلاد، كما
تتفق مع آرامية البرديات المصرية (التى اكتشفت فى جزيرة ألفنتين عند أسوان) والتى
ترجع للقرن الخامس قبل الميلاد، كما أن سفر دانيال به مزيج من الكلمات العبرية
والبابلية والفارسية مثلما هو موجود فى برديات القرن الخامس قبل الميلاد، بينما
تختلف عن آرامية النبطيين التى تخلو من أية كلمات فارسية أو عبرية أو بابلية،
ولكنها تمتلئ بالمصطلحات العربية، كما أنها تختلف عن آرامية بالميرا (تدمر) التى
تمتلئ بكلمات يونانية، فى حين أن بها بضع كلمات بالفارسية دون وجود أى كلمات عبرية
أو بابلية(87)".

سادساً : سلامة لغة سفر دانيال وقدمها :

تصور
النقاد منذ حوالى 100 سنة أن لغة سفر دانيال تبرهن على أنه كتب فى زمن المكابيين
(165ق.م.)، وذلك بسبب وجود ثلاث كلمات يونانية وعدة كلمات فارسية، فقال
دريفر
S.
R. Driver
سنة 1891 م
بكل ثقة ويقين أن الكلمات الفارسية فى سفر دانيال تفترض أنه كتب بعد غزوات
الاسكندر الأكبر فى 332 ق.م. وما زعمه دريفر هذا أقتبسه الكتاب الإنجليز وكرروه،
بل أن أحدهم ويدعى
H. A. Rowley قام بنشر افتراضات دريفر فى نشرات ومقالات كثيرة ليجسدها ويقويها(88).
وقام هؤلاء النقاد بنقلها من كتاب لآخر حتى أصبحت بالنسبة لهم تقليد لا يمكن الحيد
عنه.

 وجاءت
الرياح بما لا تشتهى السفن، فقد برهنت الدراسات العلمية الحديثة على صحة وأصالة
لغة سفر دانيال وحطمت كل نظريات النقاد. فقد أكدت الدراسات التى قام بها روسينثال
Rosenthal وبرهنت على أن اللغة الآرامية المستخدمة فى
سفر دانيال، هى نفس اللغة التى نمت فى بلاط الملوك والسفارات منذ القرن السابع ق.م
وما بعده. وقد انتشرت انتشارا رائعاً فى الشرق الأدنى. ومن ثم لا يمكن أن تعتبر كدليل
على أن سفر دانيال قد كتب فى القرن الثانى ق.م، بل على العكس تماماً، فالحقيقة
تقول أن لغة السفر هى أقوى دليل على أصالته وعلى إنه كتب فى القرن السادس ق.م وقد
برهنت الدراسات أيضاً على أن الأقسام المكتوبة بالآرامية فى السفر (4:228:7) هى
بطبيعتها قريبه بدرجة كبيرة جداً ومتماثلة مع لغة البرديات المكتشفة فى جزيرة
الفنتين (بأسوان) والتى من القرن الخامس ق.م، وقريبة أيضاً بدرجة كبيرة جداً من
لغة سفر عزرا الآرامية (7:46،12:726)، أما لغة السفر العبرية فتماثل مع لغة أسفار
حزقيال وعزرا وأخبار الأيام، العبرية. ولا تتماثل مع لغة القرن الثانى ق.م
الموجودة فى سفر يشوع بن سيراخ، ولا مع الجزيئيات المحفوظة فى اقتباسات البيين ولا
مع الترجمة السريانية البسيطة(89).

 وقبل
100 سنة تصور النقاد أن وجود ثلاثة كلمات يونانية هى أسماء لآلات موسيقية، فى
السفر، دليل على كتابة السفر بعد العصر اليونانى. وهذه الكلمات هى :
"الناى" و"القرن 
Sackbut" و"السنطير" وهذه المزاعم لم يعد لها قيمة الآن،
يقول العالم البرايت
Albright أنه من المعروف جيداً الآن أن الحضارة الإغريقية قد اخترقت الشرق
الأدنى قبل زمن بابل الجديدة بمدة طويلة. فق كان هناك تأثير إغريقى (يونانى) كبير
على المنطقة كلها بسبب وجود المستعمرات الإغريقية فى منتصف القرن السابع ق.م.
وهناك حقيقة هامة يجب أن توضع فى الاعتبار وهى أنه هناك فرق من قوات المرتزقة
الإغريق خدمت فى الجيش المصرى والجيش البابلى فى معركة كركميش سنة 605ق.م. ويضيف
هاريسون قائلاً "وعلاوة على ذلك فإن أسماء الآلات الموسيقية التى ذكرت وتبدو
إنها يونانية فى طبيعتها، إلا أن الآلات نفسها ترجع فى أصلها إلى ما بين النهرين(91)".

 كان
هناك إتصالاً بين الشرق والغرب، بين حضارة مابين النهرين الآشورية البابلية
والحضارة الإغريقية لمدة قرون طويلة. ويضع تشارلز بوتفلور
Charles Boutflower فى كتابه "فى وحول دانيال  In and
Around Daniel
(92)" قوائم
بالسنين والقرون عن تبادل الرجال والجنود والصناع المهرة والبنائين وغيرهم بين
الأمم. وتضيف دائرة المعارف الكتابية "فالنقوش اليونانية فى أبى سمبل بصعيد مصر،
والتى تعود إلى عصر أبسماتيك الثانى من أوائل القرن السادس ق.م. واكتشاف نقوش
الحضارة المينوية وأطلالها فى جزيرة كريت، واكتشاف العلاقات التجارية العريقة
للفنيقيين فى أوائل الألف سنة السابقة للميلاد، والنقوش التى اكتشفت مؤخراً
لسنحاريب عن غزواته فى كليكية ضد الملاحين اليونانيين، والتى أشار إليها
"الكسندر بوليهستور" و "أبيدنيوس"، والتى ذكر فيها إنه نقل
العديد من اليونانيين أسرى إلى نينوى نحو 700 ق.م.، وتأكيد ثراء نبوخذ نصر وبذخه
الشديد فى الاحتفالات كما يبدو ذلك واضحاً فى مبانيه وفى النقوش الأخرى، كل هذا يؤكد
إمكانية استخدام آلات يونانية فى بابل فى القرن السادس ق.م. وعلاوة على ذلك فأننا
نعرف أن المواد التجارية، وبخاصة الآلات الموسيقية، تنتقل أسماؤها معها(93)،
مما لا يدع مجالاً للشك فى معرفة أحد الكتاب من القرن السادس ق.م. بهذه المصطلحات
اليونانية. ولما كان الآراميون من أكبر الوسطاء التجاريون بين مصر واليونان من
جانب، وبين بابل والشرق من الجانب الآخر، بالإضافة إلى أنهم كانوا شعباً خاضعاً
للأمم المجاورة فمن الطبيعى أن يستخدموا العديد من الكلمات الأجنبية ضمن مصطلحاتهم
اللغوية".

"أما
عن وجود بعض كلمات فارسية فى سفر دانيال، فيجب أن نذكر أن العديد من الكلمات التى
كانت معتبرة قبلاً فارسية، قد تبين أنها بابلية. أما باقى الكلمات فلعلها كلمات
ميدية لا فارسية وإذا كان الأمر كذلك فإن بنى إسرائيل الذين أخوا أسرى إلى مدن
مادى فى منتصف القرن الثامن ق.م.، والآراميين الذين كان الكثيرون منهم تحت حكم
الماديين منذ وقت سقوط نينوى فى عام 607 ق.م. على الأقل، من المحتمل جداً أنهم
اقتبسوا بعض الكلمات من لغة حكامهم. ولم يكتب دانيال لليهود الذين سباهم نبوخذ
نصر، فحسب، بل لجميع الإسرائيليين فى كل العالم، فكان من الطبيعى أن يستخدم لغة يمكن
للقراء المتفرقين فى كل العالم أن يفهموها بدلاً من اللغة اليهودية النقية. ومعظم
المصطلحات الأجنبية هى أسماء موظفين رسميين ومصطلحات قانونية، وأسماء ملابس لم يكن
لها ما يقابلها فى العبرية أو الآرامية المبكرة. ولم يكن أمام الكاتب من سبيل آخر
إلا أن يبتكر ألفاظاً جديدة أو أن ينقل الكلمات الأجنبية الشائعة إلى لغته
القومية، وكانت الطريقة الأخيرة هى الأفضل وقد استخدمها فعلا(94)".

سابعاً
: سلامة السفر من الأخطاء التاريخية :

تصور
النقاد وجود مفارقات تاريخية فى السفر، وتخيلوا زاعمين أن ما تصوروه أخطاء أو
مفارقات تاريخية يبرهن على أن السفر كتب فى القرن الثانى ق.م. ولكن الدراسة
العلمية، الكتابية والأثرية والتاريخية، برهنت على سلامة السفر من الأخطاء
التاريخية وصحة كل ما جاء فيه مدوناً بالروح القدس.

1-
جاء فى دانيال (1:1) "وفى السنة الثالثة ملك يهوياقيم ملك يهوذا ذهب نبوخذ
نصر ملك بابل إلى أورشليم وحاصرها" ويقولون أن هذا يتناقض مع ما جاء فى سفر
أرميا (1:25،9) والذى يقول أن نبوخذ نصر قام بهجومه هذا فى "السنة الرابعة من
ملك يهوياقيم". وقبل أن نوضح ذلك يجب أن نضع فى اعتبارنا أن دانيال كان يملك
بين يديه سفر أرميا النبى (2:9) وبالتالى فلا يمكن أن يخطئ فى التاريخ أو يقع فى
تناقض مع سفر أرميا النبى فى أول آية من سفره. ولكنه فى الحقيقة كان يكتب بصورة
مستقلة تماما، اعتماداً على أنه كان معاصراً للأحداث وشاهداً عياناً لها. ومع ذلك
فكل منهما على صواب، ولم يخطئ أى منهما، فقد كتب أرميا النبى بحسب التاريخ والحساب
العبرى، وكتب دانيال النبى مستخدماً الحساب البابلى(95).

كان
أرميا يكتب من منطلق يهوى ويؤرخ الأحداث بحسب النظام المتبع فى فلسطين، وكان
دانيال يكتب من منطلق بابلى ولذا فمن الطبيعى أن يؤرخ للأحداث بحسب النظام المتبع
فى بابل. وقد كان هناك اختلاف فى تأريخ السنة الأولى للحكم إذ أن "سنة إعتلاء
العرش لا تحسب فى النظام البابلى. ويبدأ احتساب السنين بعد سنة تولى ملك بابل
الحكم. أما فى فلسطين، فلا يوجد ما يطلق عليه سنة تولى الحكم بل يطلق عليها السنة
الأولى. وهنا يذكر دانيال أن نبوخذ نصر ملك بابل حاصر أورشليم فى السنة الثالثة
لحكم يهوياقيم ملك يهوذا (فهو يتبع النظام البابلى) أما أرميا فيحسب بالنظام
الفلسطينى العادى فيقول فى السنة الرابعة من حكم يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا، أى
السنة الأولى لحكم نبوخذ نصر. وبهذا يزول غموض النقد المزعوم أو الاختلاف الظاهرى
بين النصوص.

2-
جاء فى دانيال (1:1) أيضا "نبوخذ نصر" ويزعم النقاد أن كاتب سفر دانيال
لا يعرف حتى أن يتهجى اسم ملك بابل، ويقولون أن الهجاء الصحيح هو "نبوخذ
راصر"، فقد أستخدم الكاتب حرف "نون 
N" بدلاً من حرف "راء  R". ولكن دانيال كتب هجاء الاسم كما كتبه
كُتاب الوحى الآخرين فى أسفار الملوك وأخبار الأيام وعزرا، وكما كتب هجائه أرميا
النبى نصف الوقت. وهذا راجع، فى الأصل، لأن عملية نقل الاسم فى اللغة المسمارية
(الأسفينية) إلى العبرية والآرامية لم تكن تتم بدقة فى كل الأحوال، وعلى سبيل
المثال قارن هجاء الملك الآشورى تغلت فلا سر، وتغلت فلناسر فى (2مل 29:15؛ 1أخ
26:5؛ 2أخ 20:28)، وقارن أيضا هجاء اسم نبوخذ نصر فى الإغريقية "
Nabochodnosor". وعلى أية حال فتغيير حرف "راء R" إلى "نون  N" عند نقل الاسم من لغة إلى أخرى شئ عادي،
خاصة فى اللغات السامية كما فى "بن هدد" و"بار هدد". أما اسم
نبوخذ نصر حرفياً فهو "نبو  كادورى  اسور"،
(97)Nabu –
Kudurri
" ومعناه
"أيها الإله نبو احرس الحدود" أو "يا نبو احرس الخلافة".

3-
وفى دانيال (1:1) أيضا يدعو نبوخذ نصر ملك قبل أن يموت والده، الملك الفعلى،
"نبوبلاسر". وهذا ما ذكره أرميا النبى أيضا، فقد كان نبوخذ نصر حاكم
شريك مع والده. وهذا يفسر لنا "الثلاث سنوات" التى كان يتدرب خلالها
دانيال ورفاقه الفتية الثلاثة على حكمه الكلدانيين، و"العام الثانى"
الذى فيه وقف دانيال النبى أمام الملك نبوخذ نصر كخريج لهذه المدرسة. فقد حكم
نبوخذ نصر كحاكم شريك لوالده ملك بابل لمدة سنتين على الأقل. وبالتالى كانت السنة
التى حكم فيها نبوخذ نصر (دا 1:2) وحده بعد موت والده، كانت هى السنة الرابعة، على
الأقل من ابتداء حكمه مع والده.

ويقول
الكاهن والمؤرخ البابلى القديم بيروسوس
Berousus؛ أنه عندما كان نبوبلاسر قد تقدم فى العمر وعاجز عن القيادة أعطى
قيادة الجيوش لأبنه نبوخذ نصر(89)".

4
جاء فى دانيال (3:1) اسم "أشفنز" كرئيس للخصيان، ويزعم
النقاد أنه لم يرد اسم كهذا فى سجلات بابل القديمة. ولكن بعد سنوات قليلة من هذا
الادعاء وجد أحد علماء الآشوريات(99)، هذا الاسم على لوح طينى (لبنة)
قانونية وجدت فى خرائب بابل وهى محفوظة الآن فى المتحف البريطانى(100).

5-
جاء فى دانيال (2:2) قوله "فأمر الملك بأن يستدعى المجوس والسحرة والعرافون
والكلدانيون ليخبروا الملك بأحلامه". ويتصور النقاد أنه يوجد فى هذه الآية
مفارقة تاريخية بإشارته أي "الكلدانيون" على اعتبارهم طبقة من رجال،
علماء، الفلك والسحرة. ويقولون أن كلمة "كلدانيون" فى عصر نبوخذ نصر
كانت تشير إلى شعب وأمة "كالديا
Chaldea" (بابل) ولم تكن تشير إلى طبقة من علماء الفلك حتى بعد سقوط
بابل بزمن طويل

أولاً
: دانيال النبى لا يتكلم عن الكلدانيين كجماعة من علماء الفلك فقط، بل تكلم عنهم
أيضا كشعب بقوله "فيعلموهم كتابة الكلدانيين ولسانهم(101)
"فى تلك الليلة قتل بيلشاصر ملك الكلدانيين(102)"، "داريوس
بن احشويرش من نسل الماديين(103)".

ثانياً
: وفى نفس الوقت يتكلم أيضا عن جماعة منهم يعملون بالفلك، وهذا أمر طبيعى، وهكذا
أشار إليهم أيضا المؤرخ اليونانى هيرودتس
Herodotus(104)
(450ق.م.) فى كتاباته عن حروب فارس. وقد برهن علم الآثار والمكتشفات الأثرية على
صحة ما سجله دانيال النبى بالروح القدس وأكد على أن كلمة "الكلدانيين"
كانت تستخدم فى أيام دانيال النبى لتصف جماعة كهنوتية كانت تخدم الإله "بل
Bel"، وكانوا يشكلون صفوة المجتمع(105).

6-
جاء فى دانيال (2:9) "أنا دانيال فهمت من الكتب" أى الأسفار المقدسة،
ويزعم النقاد أن عبارة "الكتب" أو "الأسفار" جاءت معرفة فى
اللغة العبرية، وهذا يعنى أن دانيال النبى كان يتحدث عن قانون كامل لأسفار العهد
القديم، فى حين أنهم يزعمون أن القانون لم يتم إلا فى القرن الثانى ق.م. وما
يدعه النقاد هذا مبنى على أفكار القرون الثلاثة الماضية وقد أثبتت الدراسات
العلمية والأبحاث بطلان هذه المزاعم :

أولاً
:
لم يكتب الأنبياء أسفارهم لكى يخفوها حتى يأتى من يضعها فى القانون
كما توهم النقاد، وإنما كان الشعب يحفظ كل ما جاء فى أسفار الأنبياء قبل أن تكتب،
لأن ما بها من إعلانات، أعلنت على الشعب أولاً ثم دونت فى أسفار بالروح القدس بعد
ذلك.

ثانياً
:
كانت هذه الأسفار تجمع فى الهيكل ومع الأفراد وخاصة الأنبياء وعلماء
الدين، وبالطبع فإن كل ما سبق فكتب قبل دانيال، كان معه نسخاً عديدة فى المجامع
التى أنشئت فى السبى للعبادة اليهودية وكبديل مؤقت للهيكل(106).

7-
جاء فى دانيال (1:2) أن دانيال النبى وقف أمام نبوخذ نصر فى السنة الثانية لملكه،
وفى حين أن مدة تدريب دانيال والفتية كانت ثلاث سنوات (دا 5:1). ولإيضاح ذلك يجب
أن نضع النقاط التالية فى الاعتبار.

أن
سنة تجليس الملك فى بابل لم تكن تحسب وكانت السنة الثانية للتجليس تعد هى السنة
الأولى للحكم.

 يقول
المؤرخ البابلى بيروسوس
Berosus أن نبوخذ نصر قام بحملته على سوريا قبل أن يصبح ملكاً.

ومن
ثم فقد كان تدريب هؤلاء الفتية قد بدأ قبل موت نبوبلاسر وعندما كان نبوخذ نصر
حاكماً شريكاً لوالده.

والخلاصة
أن السنة الثانية لنبوخذ نصر، وهى السنة الثالثة بالفعل، بإضافة سنة تجليسه، عندما
قاربت نهايتها، كان الفتية أيضا فى نهاية ثلاث سنوات من تدريبهم.

8-
جاء فى دانيال (51:1) أن دانيال النبى عاش حتى السنة الأولى لكورش الملك، فى حين
أنه يقول أنه يقول أنه رأى رؤياه الثالثة فى السنة الثالثة لكورش (1:10) ويجب أن
نوضح أن الآية لم تقل "عاش" بل "كان"، "وكان دانيال إلى
السنة الأولى لكورش الملك". وهذا يعنى أنه "كان" فى الحكم إلى
السنة الأولى لكورش، أما حياته فقد استمرت بعد ذلك، ورأى رؤياه الثالثة بعد ذلك،
وفى السنة الثالثة لكورش، وهو هنا يسجل التاريخ المعمول به لا حياته هو.

9-
جاء فى دانيال (28:6) "فنجح دانيال هذا فى ملك داريوس وفى ملك كورش
الفارسى"، وهذا لا يعنى فى حكمين متعاقبين، فقد كشفت الآثار، وبرهنت على صحة
ما دونه دانيال أيضا فى سفره أن داريوس حكم فى نفس الوقت مع كورش كحاكم شريك، كم
كان نبوخذ نصر مع والده، فقد كان داريوس نائباً عن كورش فى حكم بابل.

10-
يحدثنا السفر بالتفصيل فى الإصحاح السادس عن داريوس المادى الذى أخذ المملكة،
بابل، بعد الاستيلاء عليها، ويحدد عمره ب 62 سنة (31:5)، كما حدد اسم أبيه
"احشويرش" (1:9) وجنسيته "مادى". ويزعم النقاد أن الكاتب
المتأخر لدانيال تصور أو ظن خطأ أنه كانت هناك مملكة ميدية، سابقة لبابل، ومستقلة
حكمها داريوس المادى عقب سقوط بابل وقبل استيلاء كورش ملك فارس عليها. وهذا
الزعم باطل من أساسه للأسباب التالية :

يقول
السفر أن "داريوس بن احشويرش من نسل الماديين الذى مُلك على مملكة
الكلدانيين" (1:9) و"ملك" هنا تعنى "جعل ملكاً" "
was made
ruler
"، ويقول
السفر أيضا أن المملكة لم تعط لمادى وحدها بل "لمادى وفارس" (28:5) وكان
الملك يحكم بحسب شريعة واحدة، مشتركة، هى شريعة مادى وفارس التى لا تنسخ"
(8:6،15) والتى لم يكن فى مقدور داريوس أن يغيرها أو يناقضها، أى أن دانيال النبى
يتحدث عن إمبراطورية واحدة متحدة، هى إمبراطورية مادى وفارس، ولا يتحدث عن
إمبراطوريتين متعاقبتين. كما أنه لم يكن فى إمكانه تعديل أو تغيير أو مقاومة شريعة
أو مقاومة شريعة "مادى وفارس"، شريعة المملكة المتحدة. كما أنه جعل
"ملكاً" على مملكة الكدانيين، أى بابل، أى أنه كأنه حاكماً شريكاً
ونائباً عن الملك الكورش.

وقد
كشفت الأثار عن الألواح المسمارية الأسفينية، التى كشفت ونشرت فى هذا القرن
العشرين، وقد جاء فيها تفصيلات استيلاء كورش على بابل وفتحها، والتى تقول أن كورش
عين حاكم على بابل فور فتحها يدعى جوباروا (
Gubaru). ويرى العلماء أن داريوس المادى الذى حكم تحت
سيادة كورش الفارمى هو اسم آخر لجوباروا الذى ذكرته الألواح المسمارية ورددت اسمه
على مدى أربعة عشر عاماً كحاكم لبابل وما وراء النهر أي؛ بابل وسوريا وفينيقية
وفلسطين، وكان أسمه يبعث الرعب فى قلوب المجرمين.

أما
إعطاؤه لقب ملك، فقد كان ذلك معتاد، كما أعطى لنبوخذ نصر قبل أن يموت والده
نبوبلاسر، وكما أعطى لبيلشاصر الذى كان حاكماً شريكاً مع والده نبونيدس(107).

وهكذا
برهنت الدراسات الأثرية والكتابية والتاريخية صحة كل حرف وكل كلمة فى سفر دانيال،
كما برهنت على حقيقة شخصية دانيال النبى البار والحكيم والرائى، الذى ساواه الله
بنوح وأيوب فى الرب والخلاص وباهى به ملك صور الوثنى فى الحكمة. وبرهن الله بروحه
القدوس أنه عندما صمت المفسرون الاهوتيون الليبراليين عن الحق وكرروا لغوا النقاد
العقلانيين الماديين الذى ثبت بطلانه، "صرخت الأحجار" كقوله الإلهى
"إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ(108)".



(1) عب 3:1 أنظر الفصل الأول

(2) دا 30:5

(3) دا 23:4

(4) أر 9:25-13

(5) تك 3:12

(6) تث 15:18

(7) مز 24:89،29-37

(8) أش 14:7؛ 6:9

(9) ملا 1:3

(10) 2بط 21:1

(11) تث 21:18

(12) يو 29:14

(13) أع 5:9

(14) متى 15:24

(15) 2تس 3:2-5

(17) Ant. X, 11,1

(18) W.
A. Criswell Vol. 1 P. 19-20

(19) R.
K. Harrison Int. to the OT P. 1110

(20) J.
Comm. On Dan. PP. 15-16 See Wolv. PP. 17-17

(21) Harrison P. 1111

(22) Ibid

(23) Lang’s
Comm. Vol. 13 P. 20

(24) باروخ سبينوزا فيلسوف هولندى. كان من أكبر القائلين
ب "وحدة الوجود" ق. المورد سنة 86

(25) "رسالة فى اللاهوت والسياسة" ترجمة د.
حسن حنفى ص 316

(26) Lange’s
P. 20

(27) Ibid

(28) أنظر كتاب "الآيات البينات، تفسير سفر
دانيال" اسحق خليل ص 10

(29) Harrison P. 1111

(31) W.
A. Criswell P. 20

(32) متى 24:24

(33) لو 40:19

(35) Thomas
S. Kepler, Dreams of the Future PP. 32-33. See Wolv. P. 18

(36) See
Wolv. P. 19

(37) 1مك 27:9

(38) 1مك 46:4

(39) 1مك 41:14

(40) Ag.
Apion 1:8

(41) 1مك 61:2

(42) 1مك 59:1

(43) See
oT Apocrypha, ANF Vol. 8 and
N.
Eng.
Bible.

(44) 1أخ 1:3

(45) عز 2:8؛ نح 6:10

(46) دا 3:1

(47) حز 14:14،20

(48) حز 3:28

(*) يع 11:5؛ عب 7:11

(49) أى 8:1

(50) عب 7:11

(51) تك 12:6؛ 1:7؛ 15:8

(52) عا 7:3

(53) مز 14:25

(54) راجع الفصل السابق

(55) "التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا"
للمؤلف ص 98،99

(56) لو 44:42

(57) متى 15:24

(58) التوارة كيف كتبت ص 99

(59) 2صم 1:23،2

(60) مز 3:89،4،29،35-37؛ أش 6:9

(61) أع 30:2،31

(62) Lange’s
Comm. P.

(63) أش 21:41-23

(64) أش 7:44

(65) أش 21:45

(66) 1تس 20:5،21

(67) أش 28:44؛ 1:45

(68) حز 4:26-14

(69) لمزيد من التفصيل أقرأ الكتب التالية : "صوت
فى الأنقاض" ارل البر رويل؛ "برهان يتطلب قرار" جوش ماكدويل، وأقرأ
أيضا بقية كتب جوش ماكدويل بالإنجليزية؛ "
Ency. Of Prophicy"

(70) يو 29:14

(71) لو 41:19-44

(72) متى 14:24

(*) أنظر مت 24؛ مر 13؛ لو 21

(73) متى 24،25

(74) تك 13:15-16

(75) تك 5:3

(76) تك 3:12؛ 18:18؛ 18:22؛ 4:26

(77) مز 89

(78) أش 14:7

(79) أش 6:9،7

(80) أش 53

(81) دا 24:9-27

(82) ملا 5:4؛ لو 17:1؛ متى 14:11؛ مر 12:9

(83) يو 11:14

(84) يو 37:10،38

(85) يو 36:5

(86) 1يو 1:1-4

(87) Robert
Dick Wilson Book of Daniel ISBE 2:785 & Wolv. P. 22

 أنظر أيضا دائرة المعارف الكتابية ج
390:3

(88) Harrison Int. OT. P. 1124

(89) Ibid
P. 1125 & 1126

(91) Ibid
1126

(92) W.
A. Criswell Dan. Vol. 1 P. 31

(93) وهذا ما يحدث اليوم أيضا إذ تسمى الآلات الموسيقية
وكل المخترعات الحديثة فى كل العالم باسمائها التى أطلقت عليها فى البلاد التى اخترعتها
وأنتجتها، مثل بيانو، وفيولا، وأورج، وفيديو، تليفزيون، راديو، سينما، تليفون
الخ.

(94) دائرة المعارف الكتابية ج 390:3 See Int. St. Bib. Enc.
Vol. 1P. 864-865

(95) المدخل إلى العهد القديم للقس صموئيل يوسف ص 476

(97) W.
A. Criswell Vol. 1 P.

(89) Ibid

(99) عالم الآشوريات هو الذى يدرس تاريخ الآشوريين
ولغاتهم.

(100) W.
A. Criswell Vol. 1 P.

(101) دا 3:1

(102) دا 30:5

(103) دا 1:9

(104) Herodouts
B. 5:75-82

(105) A.
W. Criswell Vol. 1

(106) أنظر كتاب "التوراة كيف كتبت وكيف وصلت
إلينا" للمؤلف ص 47-53

(107) CF.
The Pulpit Comm. Vol. 13. P. 44 & Harrison P. 1122.

أنظر
"دائرة المعارف الكتابية ج 383:3

(108) لو 40:19

مشاركة عبر التواصل الاجتماعي