الفصل الأول


كيف ظهر الكتاب للوجود؟


وما هو رأي النقاد والعلماء فيه؟

 

1– كيف ظهر الكتاب للوجود، وكيف إنتشر؟:

(1) المخطوطة الإيطالية: ظهر هذا الكتاب المزيَّف والمسَمَّي زورًا بإنجيل برنابا للمرَّة الأولي في امستردام بهولندا سنة 1709م في مخطوطة مكتوبة باللغة الإيطاليَّة في مكتبة أحد وجهاء المدينة عندما أخذها كريمر مستشار ملك بروسيا، وفي نفس السنة استعارها جون تولاند
Mr. John Toland
من كريمر، وكان هو أوَّل من تحدَّث عنها للعامَّة قائلاً أنَّها إنجيل مزوَّر ومزيَّف باسم برنابا. ثم أُهْدِيَتْ المخطوطة للأمير أيوجين أمير سافوي
Eugene of Savoy
، ثم انتقلت سنة 1738 إلي المكتبة الملكيَّة بفيينا وما تزال بها حتي الآن.

(2) المخطوطة الأسبانية: ولكن هناك مخطوطة أخري مكتوبة باللغة الأسبانيَّة، يري العلماء أنَّها الأقدم والأصل المأخوذ عنه النصّ الإيطاليّ. وكان أوَّل من ذكرها هو أحد العلماء الإنجليز ويُدْعَي جورج سال
George Sale
في مقدِّمة ترجمة له للقرآن من العربيَّة إلي الإنجليزيَّة “
Preliminary Discourse to the Quran
” سنة 1734م وقال عنها أنَّه ” تزييف عاري الوجه
bare – faced – forgery ” (1
). وذكر أنَّه مكتوب في مقدِّمة هذه المخطوطة أنَّها مترجمة من الإيطاليَّة ومترجمها مسلم أندلسيّ يعيش في استنبول يُدْعَي “مصطفي العرندي” نسبةً إلي مدينة
Arnada
الأسبانيَّة. ويروي مصطفي هذا، كاتب مقدِّمة النصّ الأسبانيّ، في مقدِّمته رواية خرافيَّة ساذجة يزعم فيها أنَّ راهبًا لاتينيًا يُدْعَي “فرا مرينو” قرأ تنديدًا بالقدِّيس بولس في كتابات القدِّيس إريناؤس يرجع لإنجيل برنابا فاشتاق لقراءة هذا الإنجيل ثم سرقه من مكتبة البابا بطريقةٍ وهميَّةٍ خياليَّةٍ!! فترك المسيحيَّة وإعتنق الإسلام (2). وقد اختفي النصّ الأسبانيّ ولم يظهرْ للوجود إلاَّ مؤخرًا في مكتبة فيشر بأستراليا.

ومن خلال ما جاء عن هذا الكتاب المزوَّر في مقدِّمة ترجمة جورج سال للقرآن شاع ذِكْرَه في الأوساط الإسلاميَّة في الهند واستخدموا ما قيل عنه في مواجهتهم للإرساليات التبشيريَّة والمبشِّرين المسيحيِّين. وقد تضايق جون دبليو ينجسون
John W.Youngson
الذي كان يعمل لإرساليَّة كنيسة اسكتلندا في الهند كثيرًا وطالب بالبحث عن الكتاب وعمل ترجمة له لكشف زيفه وتزويره حتَّي يحذف هذا الأمر من أجندة الحوار المسيحيّ الإسلاميّ. وأمام هذا الأمر بذل ينجسون وزملاؤه جهودًا كبيرةً حتَّي ظهرت المخطوطة الإيطاليَّة الموضوعة في المكتبة الملكيَّة بفيِّينَّا. وقام كلُّ من لوندسال راج وزوجته لورا راج
Lonsale Ragg and Laura Ragg
المتخصِّصَين في أدب الشاعر الإيطاليّ العظيم دانتي بترجمة النصّ الإيطاليّ إلي الإنجليزيَّة سنة 1907م، ووضعَا له مقدِّمة نقديَّة طويلة برهنَا من خلالها علي أنَّه كتابٌ مزيفٌ ومزوَّرٌ ومنسوبٌ زوراًَ للقدِّيس برنابا وقد كتبه في العصور الوسطي شخص مسلم كان مسيحيًا وترك المسيحيَّة وإعتنق الإسلام (3).

وكان هدف هذه الترجمة ونشرها هو تقديم الدليل للإرساليَّات التبشيريَّة علي أنَّه كتابٌ مزيَّفٌ ومزوَّرٌ. وبعدها بسنةٍ واحدةٍ قام الدكتور خليل سعادة المسيحيّ اللبنانيّ بترجمته إلي اللغة العربيَّة ووضع له، أيضًا مقدِّمة نقديَّة طويلة مبنيَّة أساسًا علي مقدِّمة الزوجَين راج برهن من خلالها أيضًا علي أنَّه كتابٌ مزيَّفٌ ومزوًّرٌ وقد كتبه مسلمٌ كان يهوديًا إعتنق المسيحيَّة وتركها إلي الإسلام ” بل الذي أذهب إليه أنَّ الكاتب يهوديّ أندلسيّ إعتنق الدين الإسلاميّ بعد تنصّره وإطِّلاعه علي أناجيل النصاري “. وقام بنشره السيِّد محمد رشيد رضا صاحب تفسير القرآن، المنار وتلميذ الأمام محمد عبده مع مقدِّمة خاصَّة به.

ومن هذه الترجمة العربيَّة تُرجم الكتاب إلي اللغة الأرديَّة ليستخدمه الناطقين بها في الهند وذلك بعد حذف المقدِّمة النقديَّة التي تُبَرهن علي تزييفه وتزويره ووضع مقدِّمة أخري توحي بصحَّتِه، وتبع ذلك الترجمات إلي الإندونيسيَّة والفارسيَّة والتركيَّة.

وقام وليم تمبل جاردنر، المتخصِّص في الإسلام والذي كان أحد قادة إرساليَّات الكنيسة الإنجليكانيَّة في مصر، بعمل دراسةٍ نقديَّةٍ تحليليَّةٍ برهن فيها زيف الكتاب وتزويره. وقد نُشرت دراسته هذه وإستُخْدِمت في كلٍّ من مصر والهند (4).

وفي سنة 1973م، أعاد وقف البيجوم عائشة في باكستان طبع الترجمة الإنجليزيَّة بدون إذن الناشر مع حذف المقدِّمة النقديَّة ووضع مقدِّمة تُدافع عنه وتُوحي للقارئ بأنَّه إنجيلٌ حقيقيٌ!! ثمَّ تُرجِم الكتاب بعد ذلك إلي الكثير من اللغات وإنتشر في معظم الأوساط الإسلاميَّة التي تمثِّل الأغلبيَّة أو الأقليَّة، وكان آخر هذه الترجمات هي ترجمة الكتاب من الإنجليزيَّة إلي اللغة الأسبانيَّة والتي قام بها مسلمو البرازيل، وكالعادة بعد حذف المقدِّمة النقديَّة التي تُبَرْهن علي تزويره وتزييفه ووضع مقدِّمة خاصَّة بهم مثل بقيَّة الترجمات!!

2 – آراء النقاد والعلماء في الكتاب:

وقد كتب الكثيرون في نقد هذا الكتاب ولكن الأغلبيَّة صمتت ولم تُشِرْ إليه لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، واِنقسم أولئك وهؤلاء إلي ثلاث مجموعات:

(1) الذين قالوا بتزييف الكتاب

ويتكوَّن هؤلاء من جميع العلماء والكتَّاب والنقَّاد ورجال الدين في العالم المسيحيّ. وقد أجمع هؤلاء علي أنَّ هذا الكتاب مزيَّفٌ ومزوَّرٌ وقد كتبه مسلم من المورسكوس، أي عربيّ أندلسيّ أُجبر علي الدخول في المسيحيَّة، أو مسيحيّ ترك المسيحيَّة وإعتنق الإسلام، أو يهوديّ إعتنق المسيحيَّة وتركها إلي الإسلام.

وتضم هذه المجموعة عدد من الكتّاب المسلمين في الشرق والغرب مثل الكاتب الكبير ” عباس محمود العقاد ” في مصر والأستاذ ” يحيى الهاشمي ” في سوريا والأستاذ الدكتور ” على بن الشريف ” الأستاذ بإحدي جامعات السعوديَّة. والذين رفضوه تمامًا وقالوا أنًّه كتابٌ مزوَّرٌ ومزيًّفٌ، أو علي الأقلِّ، من وجهة نظر بعضهم، مشبوهٌ ومشكوكٌ في صحَّته ومملوءٌ بالأخطاء. وفيما يلي أهمّ أرائهم:

1- د.علي عبد الواحد وافي (5): قال عن هذا الكتاب المزيَّف: ” ويقدِّم فقهاء المسحيِّين وباحثوهم شواهدٌ كثيرةٌ تدلّ علي أنَّ الإنجيل موضوعٌ بقلمِ مسلمٍ، وأنَّ مؤلِّفه قد نسبه زورًا إلي برنابا لترويج ما يتضمَّنه … وإنْ كان بعض ما يشتمل عليه الكتاب يحمل علي الظنِّ بأنَّه موضوع وخاصَّة ما يقرِّه من أمورٍ تمثِّل روايات ذكرها بعض المتأخِّرين من مؤلِّفي المسلمين ولا يطمئن إلي مثلها المحقِّقون منهم … وما يُنسب للمسيح من أقوالٍ تمثِّل تحقيقات الفقهاء وما يُذكر أنَّ المسيح قد قدَّمه من أدلَّةٍ علي أنَّ الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق. والإسلام ليس في حاجةٍ إلي كتابٍ كهذا تحوم حوله شكوكٌ كثيرةٌ … ولا ينبغي أنْ نتَّخذَ سفرًا مشكوكًا في صحَّةِ نسبِه إلي صاحبِه دليلاً علي ذلك ولا أنْ نعتمد عليه لإقناع المسيحيِّين ببطلان ما أقرُّوه من أناجيلٍ ” (6).

 

2- الكاتب الكبير عباس العقاد: دافع هذا الكاتب الكبير عن صحَّة الأناجيل الأربعة التي للقدِّيسين متي ومرقس ولوقا ويوحنَّا ورفض إنجيل برنابا تمامًا مؤكدًا أنَّه إنجيلٌ مزوَّرٌ ولا يُعْتَدّ به. (أ) فقال عن الأناجيل الأربعة: ” وليس من الصواب أنْ يُقال أنَّ الأناجيل جميعًا عمدة لا يُعَوَّل عليها في تاريخ السيِّد المسيح … وإنَّما الصواب أنَّها العمدة الوحيدة في كتابة ذلك التاريخ، إذْ هي قد تضمَّنت أقوالاً في مناسباتها لا يسهل القول باختلاقها، ومواطن الاختلاف بينها معقولة مع إستقصاء أسبابها والمقارنة بينها وبين آثارها … فإنجيل متي مثلاً ملحوظ فيه أنَّه يُخاطب اليهود ويُحاول أنْ يُزيل نفرتهم من الدعوة الجديدة، ويؤدِّي عباراته أداءًا يلائم كنيسة بيت المقدس في منتصف القرن الأوَّل للميلاد.

وإنجيل مرقس علي خلاف ذلك ملحوظ فيه أنَّه يخاطب ” الأمم ” ولا يتحفَّظ في سرد الأخبار الإلهيَّة التي كانت تحول بين بني إسرائيل ” المحافظين ” والإيمان بألوهيَّة المسيح.

وإنجيل لوقا يكتبه طبيب ويقدِّمه إلي سري كبير، فيُورد فيه الأخبار والوصايا من الوجَّهة الإنسانيَّة، ويحضر في ذهنه ثقافة السري الذي أهدي إليه نسخته وثقافة أمثاله من العليَّة. وإنجيل يوحنَّا غلبت عليه فكرة الفلسفة وبدأه بالكلام عن ” الكلمة “
logos
ووصف فيه التجسُّد الإلهيّ علي النحو الذي يألفه اليونان ومن حضروا محافلهم ودرجوا معهم علي عادات واحدة.

وسواء رجعت الأناجيل إلي مصدرٍ واحدٍ أو أكثر من مصدرٍ، فمن الواجب أنْ يدخل في الحسبان أنَّها هي العمدة التي إعتمد عليها قومٌ هم أقرب الناس إلي عصر المسيح، وليس لدينا نحن بعد قرابة ألفيّ سنة عمدة أحقّ منها بالاعتماد.

ونحن قد عوَّلنا علي الأناجيل ولم نجدْ بين أيدينا مرجعًا أوفي منها لدراسة حياة الرسول (المسيح) والإحاطة بأطوار الرسالة وملابساتها ” (7).

(ب) وقال عن إنجيل برنابا المزيَّف: ” لوحظ في كثيرٍ من عباراته أنَّها كُتبت بصيغة لم تكنْ معروفة قبل شيوع اللغة العربيَّة في الأندلس وما جاورها، وأنَّ وصف الجحيم فيه يستند إلي معلومات متأخِّرة لم تكنْ شائعة بين اليهود والمسيحيِّين في عصر الميلاد … نشكُّ في كتابة برنابا لتلك العبارات لأنَّها من المعلومات التي تسرَّبت إلي القارة الأوربيَّة نقلاً عن المصادر العربيَّة … وكذلك تتكرَّر في الإنجيل بعض أخطاء لا يجهلها اليهوديّ المطَّلع علي كتب قومه، لا يردّدها المسيحيّ المؤمن بالأناجيل المعتمدة … ولا يتورَّط فيها المسلم الذي يفهم ما في إنجيل برنابا من المناقضة بينه وبين نصوص القرآن ” (8).

3 – أ. أحمد جبريل: كتب مقالة طويلة في صفحة كاملة من جريدة المساء قدَّم فيها نقدًا كاملاً لهذا الكتاب المزيَّف، جاء فيه ” يُذكر لهذا الإنجيل أخطاءٌ عديدةٌ تدلّ علي أنَّه مزيَّف وموضوع في أواخر العصور الوسطي “.

وبعدما لخَّص أخطاءه الجغرافيَّة والتاريخيَّة والعلميَّة في سبع مجموعات من الأخطاء قال: ” والحقيقة المؤكَّدة من خلال تلك الأخطاء الفادحة أنَّ كاتب إنجيل برنابا … يهوديّ إعتنق الإسلام ودرس ما يتَّصل به من قرآن ولغة وأحاديث نبويَّة وقدسيَّة وعلوم وفلسفة. ثمَّ ألَّف هذا الإنجيل ونسبه إلي برنابا ” (9).

4 – أ. د. علي بن الشريف: قال متسائلاً: ” أين النسخة الأصليَّة التي نُقلت عنها الترجمة الإيطاليَّة؟ فليست الإيطاليَّة هي لغة برنابا بل هي العبريَّة. فهناك أذًا أصل عبريّ نُقلت عنه، فأين هذا الأصل؟ لم تحدِّثنا الكتب والمصادر التي تحدَّثت عن هذا الإنجيل بأي حديثٍ عن الأصل المفقود! ومادام الأصل لا وجود له ولا سند فنحن في مندوحة وحِلٍّ من عدم الاعتراف به، والدليل إذا تطرَّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، ولا دليل هنا يقطع ويجزم أنَّ هذا الإنجيل لبرنابا … فيجوز أنْ يكون هذا الإنجيل لمفكِّر إيطاليّ اعترف بمحمد ورسالته وبعيسي ورسالته فأخرج هذا الإنجيل ونشره بين الناس … فمن باب أولي لا نعترف بهذا الإنجيل الإيطاليّ … فنقيِّم إنجيل برنابا في الرأي الذي نراه هو كأيَّة شهادة شهد بها بعض مفكِّري الغرب أو شهادة من راهبِ مسيحيٍّ متخصِّص في العقيديَّات ” (10).

ويرى عددٌ كبيرٌ من هؤلاء الكتّاب خطورة استخدام مثل هذا الكتاب في شرح آيات القرآن أو الأحاديث النبويَّة والأمور العقيديَّة المختصَّة بالمسيحيَّة والمسيح، لأنَّه علي الأقلِّ، من وجهة نظرهم، كتابٌ مشبوهٌ ومشكوكٌ في صحته ومن السهل إثبات تزييفه، وفي حالة استخدامه في ذلك لن تكون النتيجة في صالح الإيمان بوحي القرآن ولا في صالح الإسلام بصفةٍ عامّةٍ. وكما يقول الدكتور علي عبد الواحد وفي ” والإسلام ليس في حاجة إلي كتابٍ كهذا تحوم حوله شكوكٌ كثيرةٌ لتأييد ما يذكره القرآن عن المسيح وحقيقة ديانته … ولا ينبغي أنْ نتَّخِذ سفرًا مشكوكًا في صحَّةِ نسبه إلي صاحبه دليلاً علي ذلك ولا أنْ نعتمد عليه لإقناع المسيحيِّين ببطلان ما أقرُّوه من أناجيل ” (11).

 

(2) الذين صمتوا ولم يتحدَّثوا عن الكتاب:

وهؤلاء يمثِّلون العدد الأكبر من النقَّاد والكتَّاب ورجال الدين المسلمين الذين لم يتحدَّثوا عن الكتاب نهائيًا، وتجاهلوه تمامًا، ولم يشيروا إليه مطلقًا ولم يستخدمْه أحدٌ في شرح أو تفسير الآيات الدينيَّة التي تختصّ بالمسيح أو المسيحيَّة. وعلي رأس هؤلاء جميع الجهات الإسلاميَّة الرسميَّة والمسئولة مثل مشيخة الأزهر ومجمع البحوث الإسلاميَّة في مصر.

(3) الذين كتبوا يدافعون عن الكتاب

أما المجموعة الثالثة من الكتَّاب والنقَّاد فمكوَّنة من بعض الكتَّاب المسلمين، الذين يكتبون في الأديان المقارنة، في الشرق والغرب والذين يحاولون الدفاع عن الكتاب وتقديمه كإنجيلٍ مثل الأناجيل القانونيَّة (الصحيحة). وقد بنوا دفاعهم علي ما يلي:

1– الإدِّعاء بأنَّ كنيسة الإسكندرية قبلته ككتابٍ قانونيٍّ موثق قبل سنة 325م!! والغريب أنَّهم لم يشروا إلي أيّ مرجع يؤيِّد هذا الإدِّعاء! لسببٍ بسيطٍ هو أنَّه لا يُوجد مرجعٌ واحدٌ يقول بذلك، فآباء كنيسة الإسكندرية لم يستخدموا إلاَّ الأسفار القانونيَّة الموثَّقة كما أشاروا إلي ما جاء في الأسفار الأبوكريفيَّة واقتبسوا منها ولم يشيروا مطلقًا لما يُسَمَّي بإنجيل برنابا (12). فمن أين أتي هؤلاء بهذا الإدِّعاء؟!!

2– كما قالوا بناء علي ما ذكره “مصطفي العرندي” في مقدِّمة النسخة الأسبانيَّة أنَّ القدِّيس إريناؤس (130-202م) قد كتب يؤيِّد التوحيد الخالص! كما عارض القدِّيس بولس وندَّد به لأنَّه أدخل إلي المسيحيَّة دين الرومان الوثنيِّين والفلسفة الأفلاطونيَّة!! كما زعموا أنَّ إريناؤس إقتبس بكثافةٍ من إنجيل برنابا الذي كان مستخدمًا في القرنَين الأوَّل والثاني للمسيحيَّة!! هكذا سلَّموا بصحَّة ما زعمه هذا الرجل الأندلسيّ الغامض وأضافوا لما إدَّعاه إدِّعاءات أخري دون سندٍ أو دليلٍ!! (13).

3 – كما إدَّعوا أنَّ مجمع نيقية الذي عُقد سنة 325م قرَّر تحريم كلّ الأناجيل الأصليَّة المكتوبة باللغة العبريَّة وأصدر أمرًا بمعاقبة كلّ من يمتلك إنجيلاً من هذه الأناجيل بالموت!! ولم يقلْ لنا أحدٌ من أين أتي بهذا الإدِّعاء غير المنطقيّ وغير المعقول وغير المقبول؟!! فقد عُقد مجمع نيقية أصلاً للنظر في هرطقة (بدعة) أريوس وحدَّد قانون الإيمان كما حدَّد يوم عيد الفصح، ولم يُحرِّم المجمع أي كتاب من أي نوع علي الإطلاق، فمن أين أتوا بهذا الإدِّعاء؟!!

 

4 – وأضافوا للإدِّعاء السابق إدَّعاءًا آخرًا فقالوا أنَّ البابا قد حصل علي نسخةٍ من إنجيل برنابا وإحتفظ بها في مكتبته الخاصة!! ولم يقولوا لنا من هو هذا البابا ولا المرجع الذي أشار إلي ذلك!! إنَّما هو مجرَّد إدِّعاء بلا سندٍ أو دليلٍ!!

5– وقالوا ” كان معروفًا لدي المسيحيِّين منذ أقدم عصورهم أنَّ لبرنابا إنجيلاً. وورد ذِكْر هذا الإنجيل فيما يُنسب لقدامي رجال الكنيسة من بحوثٍ وقراراتٍ، ومن ذلك القرار الذي أصدره البابا جلاسيوس الأوَّل وعدَّد فيه الكتب المنهي عن قراءتها، وذكر من بين هذه الكتب إنجيل برنابا. وهذا يدلّ علي أنَّ إنجيل برنابا كان معروفًا في القرن الخامس الميلاديّ أي قبل بعثة رسولنا بنحو قرنَين. غير أنَّه يظهر أنَّه قد اختفت من بعد ذلك جميع نسخ هذا الإنجيل، ولم يعدْ الناس يعرفون شيئًا عن محتوياته. ولعلَّ تحريم قراءته هو الذي انتهى به إلي ذلك “. وسنناقش هذا الموضوع بالتفصيل في الفصل التالي.

6– وقال بعضهم أنَّه في السنة الرابعة لحكم الإمبراطور زينون (سنة 478م) اكتشفت مقبرة برنابا ولما فتحوها وجدوا علي صدره نسخة من إنجيل برنابا مكتوبة بيده. وأضاف أحدهم قائلاً ” ويبدو أنَّ إنجيل
Vulgate
الشهير قد أخذ برنابا أساسًا له”!! وقال آخر ” يبدو أنَّ إنجيل
Vulgate
الشهير قد بُنِيَ علي هذا الإنجيل “!!

وهذه الادِّعاءات الثلاثة باطلة، فالإنجيل الذي وُجد علي صدر القديس برنابا هو الإنجيل للقدِّيس متَّي وليس إنجيل برنابا (14)! وإذا افترضنا وجود هذا الإنجيل المزعوم وأنَّه إتَّخذ الفولجاتا أساسًا له أو أنَّ الفولجاتا إتَّخذته أساسًا لها فهذا كلام غير منطقي! أولاً لأنَّ الفولجاتا هي الترجمة التي قام بها القدِّيس جيروم سكرتير بابا روما في بادية القرن الخامس للكتاب المقدَّس كلّه بعهديه القديم والجديد بما فيه الأناجيل الأربعة من اللغة العبريَّة واللغة اليونانيَّة إلي اللغة اللاتينيَّة العامِّيَّة، وبالتالي لا يمكن أنْ تكون قد إتّّخذت من كتاب آخر أساسًا لها فهي ترجمة ضمن ترجمات الكتاب المقدَّس العديدة، أمَّا إذا كان هو قد إتَّخذها أساسًا له فهذا يعنى أنَّ هذا الإنجيل المزعوم قد كُتب بعد القرن الخامس وليس قبل ذلك!!

تعليق: لو افترضنا، جدلاً، صحَّة هذه الإدِّعاءات عن وجود هذا الكتاب المزعوم في القرن الخامس فمعني هذا أنَّه كان موجودًا قبل ظهور نبيّ الإسلام بأكثر من قرنَين. ولو كان موجودًا ومتداولاً لكان قد أستُشْهِدَ به في جميع القضايا الخلافيَّة مثل لاهوت المسيح وصلبه! ويُعلِّق أحد الكتَّاب علي ذلك قائلاً هذا ” زعم باطل لأنَّ النبيّ كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يقم في البلاد التي سادتها المسيحيَّة آمادًا تمكِّنه من المعرفة والإطلاع”!! ونحن نسأل أين هو دور الوحي؟ فالقرآن بحسب العقيدة الإسلاميَّة وكما يُؤمن كلّ مسلم هو كتاب اللَّه الموحي به، المنّزل من السماء، فهل يغفل الوحي عن مثل ذلك الكتاب المزعوم إنْ كان له أي وجود قبل ذلك؟! والإجابة المتوقعة هي؛ حاشا للَّه!

7– كما يقولون أنَّ هذا الإنجيل، المزعوم، ذكر في قائمة الستين كتابًا المحرَّمة المكتوبة في القرن السابع. ولكن هذه القائمة تذكر الكتب القانونيَّة ثم تذكر بعض الكتب الأبوكريفيَّة المنهي عن قراءتها ومن ضمنها عبارة ” إنجيل بحسب برنابا “. ويؤكِّد العلماء أنَّه إنْ كان لهذه القائمة مع قانون البابا جلاسيوس أصلاً فهما يتكلمان عن كتاب أبو كريفي غنوسي، وقد اكتشفت جميع هذه الكتب المذكورة في القائمتين أو أجزاء منها، وهي موجودة ولا يتَّفق فكرها الذي ينادي بلاهوت المسيح وصلبه مع فكر هذا الكتاب المكتوب في نهاية العصور الوسطي علي الإطلاق (15).

8– عوَّل الكثيرون علي ما حدث من خلافٍ بين القدِّيس بولس والقدِّيس برنابا بسبب القدِّيس مرقس ابن أخت برنابا، وكذلك الخلاف الذي حدث في الكنيسة الأولي بين المسيحيِّين الذين ظلُّوا متمسِّكين ببعض العوائد اليهوديَّة وعلي رأسها الختان وطالبوا بضرورة ختان المعمَّدين حديثًا من غير اليهود، وبين الذين رفضوا ذلك. وكان كلٍّ من بولس وبرنابا، معًا، علي رأس الذين قالوا بعدم ضرورة الختان. ونسج هؤلاء الكتّاب الروايات والقصص والأساطير التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان والتي تزعم وقوع خلافٍ خطيرٍ في العقيدة بين بولس وبرنابا! وعلي سبيل المثال يقول أحد الكتّاب ” ظهر الصراع بين طائفتيّ المسيحيِّين الأصليِّين أتباع المسيح، والمسيحيِّين البولسيِّين أتباع بولس وفي ذلك الوقت كان برنابا من أوائل الذين عرفوا حقيقة بولس ففضح نواياه وأذاع علي الملأ خبايا عقيدته الباطلة التي دسَّها علي المسيحيِّين دسًا. ثمَّ ظهرت كتابات برنابا لتكشف القناع عن المشادَّة التي وقعت بينهما (مقدِّمة إنجيل برنابا والإصحاح الأوّل). ويصبح استبعاد إنجيل برنابا مفهومًا في ضوء انتصار المسيحيَّة البولسيَّة علي المسيحيَّة اليهوديَّة ولصيقًا ببحث مضامينه العقائديَّة المخالفة لعقائد النصاري الحاليَّة، ولما كان من المستحيل التوفيق بين النقيضَين، فما أسهل استبعاده “. والسؤال هو؛ من أين جاءوا بهذه الإدِّعاءات؟! وفي أيّ مرجعٍ قديمٍ أو حديثٍ، موثوق به، وردت غير هذا الكتاب المزيف؟!! (16).

9– كما قال البعض أنَّ برنابا كان من الدعاة الأوَّلين الذين عملوا في الدعوة عملاً لا يقلّ عن بولس، فلا بدّ أنْ تكون له رسالة أو إنجيل!! ونقول لهم أنَّ الكثيرين من تلاميذ المسيح ورسله، وقد كان له اثنا عشر تلميذًا وسبعون رسولاً (لو10/1) وأكثر من خمسمائة أخٍ شاهدوه بعد قيامته دفعة واحدة (1كو15/6)، لم يكتبوا أناجيل ولا رسائل اكتفاءًا بما كُتب في العهد الجديد بحسب إرشاد وتوجيه الروح القدس.

فهل كان كلّ هؤلاء، أيضًا، مطالبين بكتابة أناجيل أو رسائل؟

10– وقال أحد الكتَّاب أنَّ هذا الكتاب، يقصد المخطوطة الإيطاليَّة، وُجد في جوٍّ مسيحيّ خالص ولا يُمكن أنْ يكون مدسوسًا عليهم. ونقول لسيادته أنَّ ما زعمه المدعو “مصطفي العرندي” والرواية الخرافيَّة التي رواها عن الراهب المزعوم في مقدِّمة النصّ الأسبانيّ، يدلّ علي أنَّ هذا الكتاب المزوَّر مدسوس علي الجوِّ المسيحيّ (17).

11– ويقول آخر أنَّه كان لكاتب هذا الإنجيل، كما يقول د. خليل سعادة مترجم الترجمة العربيَّة، كان له إلمامًا عجيبًا بالتوراة ” وهو يدلّ علي أنَّ كاتبه له إلمام بالتوراة التي لا يعرفها الرجل المسيحيّ غير الاختصاصيّ في علوم الدين، بل يندر من يعرفها من المختصِّين”!! ولكن هذا الكلام غير صحيح فالحقيقة هي غير ما تصوَّره الدكتور خليل سعادة وغير ما إفترضه هذا الكاتب لأنَّ كاتب هذا الكتاب المزيَّف سقط في العشرات من الأخطاء الدينيَّة والجغرافيَّة والتاريخيَّة، سواء التي تختصّ بأشخاص الكتاب المقدَّس أو التي تختصَّ بجغرافيَّة الأرض المقدَّسة أو تاريخ الفترات التي عاش فيها أنبياء العهد القديم والعهد الجديد، وخلط بين الحقائق والأوهام والخرافات والمبالغات الخرافيَّة، كما بيَّنّا في الفصول التالية، فأين هذا الإلمام العجيب؟! يقول الأستاذ العقاد ” تتكرر في الإنجيل بعض أخطاء لا يجهلها اليهوديّ المطلع علي كتب قومه، ولا يردّدها المسيحيّ المؤمن بالأناجيل المعتمدة “.

12– أخيرًا نأتي إلي الإدِّعاء الأخير الذي يقول أنَّه إذا كان هذا الكتاب مشكوكاً فيه ومنقطع السند فبقيَّة الأناجيل الأخري منقطعة السند أيضًا ” فإنَّ إنجيل برنابا عند المسلمين ليس هو إنجيل اللَّه الذي أوحي به إلي سيِّدنا عيسى إنَّه إنجيل مثل كلّ إنجيل مسيحيّ آخر، لا سند له. مجهول التاريخ، مشكوك في لغته “!! بل وقال أحدهم ” من المؤكَّد بلا شكٍ أنَّ نسبة هذا الإنجيل لبرنابا أقوي من القول بنسبة إنجيل متي إليه، وكذلك القول في سائر الأناجيل “!! ونقول لهم أنَّ الكتاب المقدَّس بعهديه لم ينقطع له سند منذ زمن رسل المسيح وتلاميذه، فلدينا أجزاء من الأناجيل ترجع لما بين سنة 68و 115م والأناجيل كاملة من سنة 150م والعهد الجديد كاملاً من سنة 200م. ولدينا الآن أكثر من 5500 مخطوطة للعهد الجديد باللغة اليونانيَّة وحدها وأكثر من 20,… بلغات مختلفة، كما إقتبس آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولي اقتباسات من كلِّ أسفار العهد الجديد تضمّ كل آياته وقد أحصي العلماء عدد الإقتباسات التي إقتبسها الآباء قبل سنة 325م فبلغت 32,… (اثنان وثلاثون ألفاً)!! (18).

وبالرغم مما ساقه الذين يدافعون عن هذا الكتاب المزيَّف إلاَّ أنَّهم، جميعًا، لم يعترفوا به كوحي من اللَّه وأغلبهم يرفض إستخدامه في تفسير الآيات القرآنيَّة الخاصَّة بالمسيح والمسيحيَّة والتوراة والإنجيل، ككتابٍ مشبوهٍ ومشكوكٍ في حقيقته!! كما أنَّهم لم يستطيعوا الدفاع عمَّا به من خرافات وأخطاء، سواء دينيَّة أو علميَّة أو تاريخيَّة أو جغرافيَّة، وبالرغم من اتِّفاقه مع القرآن في كثيرٍ من الأمور إلاَّ أنَّه يُناقضه ولا يتَّفق معه في أمورٍ كثيرةٍ أيضًا. علي سبيل المثال:

E
يقول أحد هؤلاء الكتّاب ” سيَّان كانت هذه التعاليم مطابقة لما جاء في الإسلام أو غير مطابقة فإنَّ إنجيل برنابا عند المسلمين ليس هو إنجيل اللَّه الذي أوحي به إلي سيِّدنا عيسي إنَّه إنجيل مثل كلّ إنجيل مسيحيّ آخر، لا سند له. مجهول التاريخ، مشكوك في لغته ” (19).

E
ويقول كاتبٌ آخرٌ ” قبل الحديث عن إنجيل برنابا فإننا نحبُّ توضيح موقفنا منه أولاً، فلسنا حريصين علي الاسترشاد به لإثبات نبوَّة محمد، فلنا أدلَّتنا الكافية بذاتها، كذلك ندفع الزعم بأنَّه من تأليف المسلمين، لأنَّه ليس من عقائدنا ولا مبادئنا إتباع طريقة (الغاية تبرِّر الوسيلة)، وإزاء ذلك فإنَّ الإقرار بصحَّة هذا الإنجيل أو إستبعاده لدينا سواء ” (20).

E
ويقول كاتبٌ ثالثٌ ” وبادئ ذي بدء أودُّ أنْ أعلن أنَّنا لا يهمُّنا – في قليلٍ أو كثيرٍ – أنْ نثبت صحَّة الإنجيل المنسوب إلي برنابا 00 فنحن مؤمنون بالتوراة والإنجيل كما أنزلها اللَّه تعالي، فلا يهمُّنا في هذا المجال – مجال العقيدة – أنْ يكون إنجيل برنابا صحيحًا أو فاسدًا ” (21).

E
ويقول رابعٌ ” هل يمكن أنْ نجزم بأنَّ هذا الإنجيل أصيل لا مجال للريب فيه. الحق إنَّ هناك اعتراضًا قويًا – لدينا معشر المسلمين – يتعلَّق بسند هذا الإنجيل يحول دون ذلك. ونحن بحقٍّ نتساءل: من الذي تولَّي نشر هذا الإنجيل وإذاعته ونشره؟ كيف كان هو ومن أين أُخذت هذه النسخة؟ وعن أي الرجال وفي أي الأمكنة ظلَّت تنتقل عبر هذه المدة الطويلة؟ إنَّ هذا الاعتراض صحيحٌ، وما لم تأتِ إجابة مقنعة عليه لا يمكن الجزم بكونه أصليًا لكن هذا الاعتراض نفسه يثور حول جميع أسفار الكتاب المقدَّس، ولم يحظَ الاعتراض بإجابةٍ مُقنعة] حتَّي يومنا هذا، إذًا فإنَّ الذين يعتبرون الكتاب المقدَّس موثوقًا به، ليس لديهم أيّ مبرِّر في اعتبارهم إنجيل برنابا غير موثوق به، لأنَّ مشكلة انقطاع السند التي تواجه إنجيل برنابا، هي بذاتها موجودة في كلِّ سفر من أسفار العهد القديم والجديد علي السواء ” (22).

E
ويقول خامسُ ” والمسلمون لا يهتمُّون بما جاء في هذا الإنجيل علي الرغم من أنَّه يتَّفق في الكثير من مادته مع مفاهيم إسلاميَّة ترتكز علي القرآن والسنة ” (23).

ويقبله هؤلاء الكتَّاب فقط علي أساس أحاديثه الكثيرة عن رسول الإسلام ورفضه للعقائد المسيحيَّة الجوهريَّة التي تختلف فيها مع الإسلام مثل الثالوث وبنوَّة المسيح للَّه والصلب والفداء إلي جانب قوله بتحريف التوراة والإنجيل وتغييرهما!!

كما أنَّ هؤلاء – الذين دافعوا عن الكتاب – لم ينجحوا في الدفاع عنه: فقد أقرُّوا بعدم وجود دليلٍ قاطعٍ علي صحَّته!! كما أقرُّوا بوجود الأخطاء التاريخيّة والجغرافيّة والدينيّة فيه!! وكان قبولهم لهذا الكتاب – كمجرَّد كتاب مبنيّ علي أساس مناقضته للعقائد المسيحيّة الأساسيّة، أي قبلوه فقط لأنَّه يُناقض الكتاب المقدَّس وقوله بتحريفه!!

E
قال أحدهم: ” هذه بيِّنات شاهدة – وإنْ لم تبلغْ حدّ اليقين والجزم – بأنَّ نسبة هذا الكتاب إلي برنابا نسبة يُرَجَّح أنْ تكون صحيحة، لأنَّه وجدت نسخته في جوٍّ مسيحيٍّ خالصٍ!! ” (24).

إنَّه يؤكِّد أنَّ براهين صحَّة نسبة هذا الكتاب لبرنابا ” لم تبلغْ حدّ اليقين أو الجزم ” وإنما فقط “يُرَجِّح أنْ تكون صحيحة “؟!! إنَّه لا يُجزم بصحَّة هذه البراهين وليس لديه يقينٌ علي ذلك، إنما فقط ” يُرِجِّح ” والدكتور علي الشريف يقول ” والدليل إذا تطرَّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، ولا دليل هنا يقطع ويجزم أنَّ هذا الإنجيل لبرنابا “.

E
وقال آخرٌ: ” إذا كانت مخالفة إنجيل برنابا لبعض الحقائق التاريخية الجغرافية يتخذه البعض دليلا علي تزوير هذا الإنجيل … فكيف نتخذ من بعض المخالفات التاريخيَّة دليلاً علي تزوير كتاب؟ ” (25).

 

إنَّه يُقِرّ بوجود المخالفات الجغرافيَّة والتاريخيَّة، ومع ذلك يرفض إتِّخاذها دليلاً علي تزوير الكتاب، ثم يقول ” علمًا بأنَّ المعلومات التاريخيَّة ظنيَّة (26) فقد يكون ما ذكره إنجيل برنابا هو الصحيح”!! هل يمكن أنْ يكون هذا الكلام منطقيًا؟!! وهل نبني عقائدنا ومستقبلنا الأبديّ علي مجرَّد الظنون؟! وهل يُعْتَدّ بمثل هذا الكلام؟!!

E
وأقر ثالثٌ بوجود الأخطاء العديدة في هذا الكتاب المزيَّف ولكنَّه غفرها للكاتب وبرَّرها بثقل المهمَّة التي إتَّخذها علي عاتقه وهي هدم كل العقائد المسيحيَّة واتِّهام الأناجيل بالدنس والتحريف؟!! فهل هذه منطق؟!! ومع ذلك نقول أنَّ الكاتب المزيَّف، فعلاً، ركَّز كلُّ جهده علي هدم المسيحيَّة بأناجيلها وعقائدها ونسي أنْ يدرس جيدًا تاريخ وجغرافيَّة الأرض الصغيرة التي عاش عليها المسيح أو يزور الأرض المقدَّسة ليتعرَّف علي البلاد التي عاش فيها المسيح علي الطبيعة، والتي مازالت باقية كما هي حتي اليوم، فسقط في الحفرة التي صنعها وانكشف زيفه وضلاله لأنَّه لم يُدركْ معني قول السيد المسيح ” عَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. ” (مت16/18).

 

3 – الكتاب في دوائر المعارف العالمية:

لم يردْ لهذا الكتاب المزيَّف أي ذكر في معظم المعارف والموسوعات العالميَّة والدينيَّة العالميَّة وعلي رأسها دائر معارف الشعوب
Peoples Encyclopedia
، ودائرة المعارف البريطانيَّة
Encyc. Britannica
، ودائر المعارف الإسلاميّة وغيرها. فقد تجاهلت هذه الدوائر والموسوعات هذا الكتاب تماما لتفاهته وبيان زيفه برغم أنَّ هذه الدوائر ذكرت الأناجيل الأبوكريفيَّة الأخري!! وقد أجمعت جميع الدوائر والموسوعات، القليلة، التي أشارت إليه في سطورٍ قليلةٍ علي أنَّه كتابٌ مزيَّفٌ وملفّقٌ وقد كُتب فيما بين 1300- 1600م:

1– فقالت عنه دائرة المعارف الأمريكية
Encyc.
Americana
: “توجد مخطوطة إيطاليَّة تحت هذا الاسم (إنجيل برنابا) كُتبت من وجهة نظر مسلم، تحتوي علي عناصر غنوسيَّة قويَّة. وقد نشره سنة 1907 لونسدال
Lonsdal
ولورا
Laura
اللذَين إعتقدا أنَّه عمل شخص مرتدّ عن المسيحيَّة بين القرنين 13 و 16 مثل معظم الأبوكريفا الآبائيَّة والمتوسطيَّة، والعمل خياليّ بدرجةٍ أكبر ” (27).

 

2– وقالت عنه دائرة معارف الدين والأخلاقيات
Encyc. Religion and Ethics
: “هذا الكتاب ذكره تولاند
Toland
في كتابه الناصريّ، لندن 1719م، وجده كريمر
Cramer
واشتراه البرنس أيوجين أمير سافوي
Eugen of Savoy
، قصصه من أصل عربيّ وهي خرافيَّة علي الأرحج، وتسود هذا العمل العجيب بدرجة واسعة روح الاحتمال والترفق لصوفيّ مسيحيّ صار مسلمًا وتاريخه المحتمل من 1300 – 1350م ” (28).

3– وتقول عنه دائرة معارف البستاني: ” إنجيلٌ مزوَّرٌ منسوبٌ إلي برنابا في اللغة العربيَّة وقد تُرجم إلي اللغة الإنجليزية والأسبانيوليّة والإيطاليّة والظاهر أنَّ طائفة من الأراتقة زوَّرته ” (29).

4– وتقول عنه الموسوعة العربية الميسرة: ” برنابا، إنجيل: كتاب مزيَّف وضعه أوربيّ في القرن الخامس عشر في وصفه للوسط السياسيّ والدينيّ أيَّام المسيح – أخطاء جسيمة. يصرِّح علي لسان عيسي أنَّه ليس بالمسيح ” (30).

 

—-

(1)
John Gilchrist, Origins and sources of the Gospel of Barnabas ch. 3
.

(2) أنظر الفصل الثالث.

(3)
The gospel of Barnabas in recent research. Worldwide reception, Dr Christine Schirrmacher
.

(4)
Ibid

(5) د.علي عبد الواحد وافي الذي كان عضوا بالمجمع الدولي لعلم الاجتماع وعميدا لكلية الآداب جامعة أم درمان وعميدا لكلية التربية جامعة الأزهر.

(6) الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام ص 112 و 133.

(7) حياة المسيح (من سلسلة كتاب الهلال العدد 202 – يناير 1968) ص 200.

(8) جريدة الأخبار الصادرة في 16/10/ 1959.

(9) جريدة المساء الصادرة في 19/1/1970 الصفحة الأخيرة.

(10) الأديان في القرآن من ص 25 – 29.

(11) الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام ص 112.

(12) أنظر الفصل السادس.

(13) أنظر الفصل التالي.

(14) أنظر الفصل الثالث.

(15) أنظر الفصلين الثاني والفصل السابع.

(16) أنظر الفصل التالي.

(17) أنظر الفصل التالي

(18) أنظر كتبنا الآتية ” الكتاب المقدس هل هو كلمة الله؟ ” ص 68 و ” الإنجيل كيف كيف كتب وكيف وصل إلينا؟ ” و ” الوحي الإلهي واستحالة تحريف الكتاب المقدس “.

(19) د. رؤوف شلبي ” يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ” ص 185.

(20) د. مصطفى حلمي ” الإسلام والأديان دراسة مقارنة ” ص 206.

(21) محمد عبد الرحمن عوض ” الاتفاق والاختلاف بين إنجيل برنابا والأناجيل الأربعة ” ص 37.

(22) د. محمود حماية ” دراسات في الكتاب المقدس ” ص 126.

(23)) د. أحمد الطاهر ” الأناجيل دراسة مقارنة ” ص 172.

(24) الشيخ محمد أبو زهرة ” محاضرات في النصرانية ” ص 62.

(25) محمد عبد الرحمن عوض ” الاتفاق والاختلاف بين إنجيل برنابا والأناجيل الأربعة ” ص 47 و48.

(26) المعلومات التاريخية مبنية على الدراسات العلمية والوثائق التاريخية وعلم الآثار والتقاليد المتواترة، وليست على أوهام وظنون كما يدعي البعض، ولو افترضنا أنها مبنية على الظنون والأوهام فهذا يهدم كل ما سجله التاريخ والمؤرخون وبالتالي لا يمكن أن نثق بأي سجل تاريخي؟!!

(27)
Encyc.
Americana
vol. 2 p. 248

 

(28)
Encyc. Religion and Ethics vol. 6 p. 351

(29) المعلم بطرس البستاني ج 5: 363.

(30) محمد شفيق غربال ؛ الموسوعة العربية الميسرة ص 354.

مشاركة عبر التواصل الاجتماعي