سفر المكابيين الثالث
سفر المكابيين الثالث
يذكر هذا السفر أحداثًا تسبق العصر المكابى، وبالتالي فلم يكن للمكابيين دور فيها، فهو يذكر آلام اليهود الأمناء وانتصاراتهم، والتي تشبه انتصارات المكابيين، وقد رأى البعض أنه من الممكن اعتباره مقدمة لسفرى المكابيين الأول والثاني.

محتوياته:

يحتوى السفر على ثلاثة قصص عن الصراع بين بطليموس فيلوباتير واليهود، والقصة الثالثة عبارة عن تكملة للثانية والتي هي بدورها تكملة للأولى:
(1) محاولة دخول الملك للقدس في أورشليم بعد انتصاره على أنطيوخس الثالث في معركة رافيا Raphia ولكن الشعب ثار وصلى سمعان الكاهن صلاة بليغة سقط بعدها فيلوباتير مغشيًا عليه، وعندما بدأ يفيق تدريجيًا انسحب إلى الإسكندرية وهو يتوعد اليهود بالانتقام (1: 1-2: 24).
(2) محاولة فيلوباتير الانتقام من يهود الإسكندرية بحرمانهم من الجنسية السكندرية، فقد طلب من الجميع تقديم الذبائح في المعابد الملكية، بحيث أن كل من رفض ذلك، يقيد اسمه ويدمغ بعلامة “ورقة اللبلاب” رمز الإله ديونيسيوس، وقد رضخ بعض اليهود بينما لجأ أخرون إلى الرشوة ليفلتوا من ذلك العقاب، وقد حرم اليهود أولئل الذين ارتدوا من شعبهم (2: 25 -33).
(3) الملك يستحضر بعنف أولئل الذين كانوا يقيمون في الأقاليم الداخلية في مصر إلى ميدان سباق الخيل بالإسكندرية، حيث قيدت أسماؤهم ليعدموا، ولكن التنفيذ توقف بسبب نقص ورق البردي والأقلام! حيث ظل التعداد مستمر لمدة أربعين يومًا ولم يكتمل مع ذلك، ثم أمر الملك بأن يداس أولئك اليهود بأقدام خمس مئة فيل ثملة!، غير أن ذلك تأخر أيضًا لمدة يومين بسبب تأخر الملك في النوم!، ثم تأخر مرة ثانية بسبب نسيانه للأمر كلية، وكانت هذه الأحداث داخلة ضمن احتفالات صاخبة يقيمها الملك، فلما حان وقت التنفيذ الفعلي لقتل اليهود، صلى هؤلاء إلى الله بقيادة كاهن عجوز يدعى أليعازار، فنزل ملاكان من السماء أفزعا الفيلة فتحولت إلى جنود الملك وقتلت عددًا منهم، مما جعل الملك يندم ويتوب إلى الله ويطلق سراح اليهود (1)، وأقام لهم الولائم لمدة أسبوع، وبعد ذلك صرفهم ومعهم مرسوم صادر منه يفيد ولائهم للملك، بل أنه أعطاهم تصريحًا بقتل اخوتهم الذين ضعفوا وارتدوا!، وفي طريق عودتهم إلى بلادهم أقاموا أسبوعا ثانيًا من الاحتفالات وذلك عند وصولهم إلى “طولومايس” على بعد اثنى عشر ميلا جنوب غرب القاهرة، ثم أكملوا رحلة العودة بسلام، وبعد كل احتفال يقيمونه في أحد البلاد كانوا يقررون تخليد الذكرى بجعلها احتفالًا سنويًا. (3 مكا 3 – 7).
ويذكر يوسيفوس عن هذه الواقعة، أن بطليموس السابع فيسكون (5- 117 ق.م) أمر بإحضار جميع يهود الإسكندرية رجالًا ونساءا وأطفال مقيدين عراة إلى مكان محاط بسور، ثم أطلق عليهم الفيلة، غير أنها أنقلبت على رجاله وقتلت عددًا منهم. وقد فعل الملك ذلك ظنًا منه أن اليهود قد ناصروا غريمته “كليوباترا” عليه، وهو سبب غير الذي ذكره السفر، ولكن كاتب السفر خلط بين التقليد والتاريخ لاسيما وأن الناس لم يميزوا أي من البطالمة كان قد حدث ذلك معه، وتشبه هذه الواقعة ما فعله هيردوس الكبير باليهود (1).

الكاتب والغرض من الكتاب:

من المرجح أن يكون الكاتب يهودي سكندرى ينتمي إلى فرقة الحسيديين، كتب كتابه في مصر والتي عاش فيها واطلع على الأحداث التي دونها بعد ذلك في كتابه، وقد كتب كتابه ليدافع عن الشريعة، وذلك على أساس الخبرة التاريخية وليس الجدل الفلسفى، وكان غرضه هو تثبيت بنى جنسه في الإيمان وتشجيعهم على مواصلة الحياة الليتورجية، كما أن الكتاب هو تحذير لكل من يفكر في اضطهادهم، لأنهم شعب فريد، ولا يمكن التعدي على مقدساتهم دون عقاب (1:8 -2:24) ولا يمكن الإساءة إلى عقيدتهم حتى بالإكراه والحبس (3 مكا 2: 25 -7:23).
والكاتب يؤمن بالمعجزات على غرار ما حدث في سفر دانيال (3 مكا 6: 6، 7) وكذلك الملائكة ذات المظهر المرعب للأعداء (3 مكا 6: 18) والذين رأهم المصريون، ويؤكد أن اليهود مواطنون مخلصون لمصر، بل أنهم يشتركون في الحاميات العسكرية لحصونها منذ زمن بعيد (3 مكا 3: 21 -6: 25، 7: 7) ورغم سكناهم في أرض أعدائهم، إلا أن عناية الله الخاصة كانت تحميهم (6: 15) لأنه المخلص الأبدي لإسرائيل (3 مكا 7: 16) وهو يغفر لهم خطاياهم.
كما تأثر الكاتب بسفر المكابين الثاني وكذلك سفر استير وسفر دانيال (في نصهما الكامل) حيث يتضح ذلك من وصفه للفتية الثلاثة (3 مكا 6: 6) كما يظهر تأثره أيضًا من خلال الأنشودة الواردة في (الأصحاحين 26 و27) وكذلك برسالة ” أرستياس” من خلال أوجه الشبه في بعض المصطلحات اللغوية، وكذلك طريقة المراسلات في نفس الفترة (حيث لم يستخدم البطالمة تعبير فيلوباتير “3 مكا 3: 12 و7: 1” قبل سنة 100 ق.م.) كل ذلك يوحى بأن السفر كتب في القرن الأول قبل الميلاد، وبما أنه ليس من دليل على وجود اضطهاد أثناء كتابة السفر سواء ما يسمى بعبادة الإمبراطور أو وضع صورته في المجامع) فإنه لا يمكن أن يكون قد كتب في أيام حكم الإمبراطور “كايجولا” (38/ 39م) حيث الاضطهاد الذي وصفه فيلو السكندرى.
إذن فإنه يمكن تحديد تاريخ الكتابة بالقرن الأخير قبل الميلاد (قبل أو بعد الحكم الروماني سنة 30 ق.م. بقليل).
سفر المكابيين وسفرى دانيال واستير: يجمع سفر المكابيين الثالث عنصر الاضطهاد الديني التي تميز به سفر دانيال من جهة، وعنصر الاضطهاد العرقى الخالص الموجود في سفر استير من جهة أخرى، حيث تذكرنا مؤامرة ثيؤدوطس (3 مكا 1: 3) بمؤامرة حارسا الباب في سفر استير (2: 21 -23) وكمل ينقذ دوسيثيوس حياة الملك (3 مكا 1: 3) ينقذ مردخاى أيضًا الملك (إستير 6: 2) وقد أتهم اليهود خلال أحداث السفرين بتهم متشابهة من ناحية عدم الولاء (3 مكا 3: 19 وأستير 3: 8) وفي الحالتين ارتدت المكيدة الفاشلة على من دبروها، وانتهت بتأسيس احتفال تذكارى، وفي كلا السفرين نجد أن اليهود قد حصلوا على تصريح بالفشل غير أنه وبينما قتل اليهود – في سفر استير – أعدائهم من الوثنيين، نجدهم في سفر المكابيين الثالث يقتلون اخوتهم الذين ارتدوا (3 مكا 7: 10 – 15).

مقارنة سفر المكابيين الثالث بسفر المكابيين الثاني:

نجد في السفرين محاولة لفرض جنسية غريبة على اليهود الذين انخرطوا في الحضارة الهيلينية (3 مكا 27: 30 و2 مكا 4: 9 و6: 1- 9) وفي كلا السفرين أيضًا نجد احتفالات تحيى ذكرى الخلاص بالمعجزات، فمحاولة فيلوباتور الفاشلة لاقتحام الهيكل في أورشليم (3 مكا 1: 59 -2:24) تذكرنا بالواقعة المماثلة التي قام بها هليودورس (2 مكا 3) كما أن الرؤى التي أفزعت المصريين وأفيالهم (3 مكا 6: 18 – 21) يقابلها رؤية هليودورس للملائكة المهاجمة (2 مكا 3: 25) هذا وتبرز في السفرين الصلوات من أجل حماية الهيكل (2 مكا 3: 15 – 23، 14: 34 – 36) و3 مكا 2: 1 -20).

قانونية السفر:

يبدو السفر وكأنه رواية تاريخية مليئة بالمبالغات فيما يختص بالمعجزات، ولكن الكاتب والذي يمتلك بعض المعلومات القيمة والسليمة، ولابد وأنه مطلع على تاريخ ” بوليبيوس” وبلوتارك اللذان يصفان معركة ” رافيا Raphia” سنة 217 ق.م. حيث يصف بوليبيوس زيارة فيلوباتير للمدن القريبة وترحيبها الحماسى به، كما ورد في (3 مكا 1: 6- 8) ولابد أن يكون قد زار أورشليم. وتشهد الأثار القديمة على البذخ الشديد في الإنفاق على المعابد سواء في سوريا أو أورشليم (3مكا 1: 7- 10) وقد قام فيلوباتير بتعدادين، أولهما في سنة 220/219 ق.م. والأخر في 206/205 ق.م. وهو الذي جاء بعد معركة رافيا، ولم يكن انتقاميًا لصد اليهود في أورشليم له، ولكنه متأخر بشكل يسمح بأن يشير بأن يشير إلى أولاده (7: 2) فقد ولد ابنه الشرعي في 208 ق.م. ويصف المؤخارخان بوليبيوس وبلوتارك حياة الانحلال وسوء الحكم التي كان يحياها ذلك الملك.
وكان هناك شخص يدعى بطليموس من “ميجالوبوليس” كان حاكمًا لقبرس تحت ملك فيلوباتير، كتب سيرة لمولاه تضعه في صورة سيئة، فربما كان هذا الكتاب هو مصدر معلومات بوليبيوس والذي كان أيضًا من “ميجالوبوليس” (1). كما ورد في السفر خبر مختصر عن الحرب بين بطليموس الرابع وأنطيوخس الثالث، وهزيمة الأخير في “رفح” تتفق بشكل عام مع كتبه بوليبيوس ويوسيفوس.
هذا ولم يحظ السفر بأية صفة قانونية، حيث لم يرد في أي ” قانون” لأسفار الكتاب المقدس ولم يوجد في ترجمة الفولجاتا الشهيرة، كما لم يذكر في “مجمع ترنت” ولم يوجد أيضًا في قائمة أسفار الأبوكريفا لدى البروتسانت. وإن كان يوجد في مخطوطتين للسبعينية هما: السكندرية والفينيسية، كما يوجد في السريانية المعروفة ب “البشيطة”.
هل تبحث عن  ‏يا يسوع حبيبي رطبني بزيت نعمتك وثبتني فيك

مشاركة عبر التواصل الاجتماعي